شروط النهضة

ولقد كانت حركة الإصلاح التي قام بها العلماء الجزائريون أقرب هذه الحركات إلى النفوس وأدخلها في القلوب؛ إذ كان أساس منهاجهم الأكمل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 13/11] . فأصبحت هذه الآية شعار كل من ينخرط في سلك الإصلاح في مدرسة (بن باديس)، وكانت أساساً لكل تفكير. فظهرت آثارها في كل خطوة وفي كل مقال، حتى أشرب الشعب في قلبه نزعة التغيير، فأصبحت أحاديثه تتخذها شرعة ومنهاجاً، فهذا يقول: لابد من تبليغ الإسلام إلى المسلمين، وذاك يعظ: فلنترك البدع الشنيعة البالية التي لطخت الدين ولنترك هذه الأوثان، وذلك يلح: يجب أن نعمل، يجب أن نتعلم، يجب أن نجدد صلتنا بالسلف الصالح، ونحيي شعائر المجتمع الإسلامي الأول. وإنه لتفكير سديد ذلك الذي يرى أن تكوين الحضارة بوصفها ظاهرة اجتماعية إنما يكون في الظروف والشروط نفسها التي ولدت فيها الحضارة الأولى، كان هذا صادراً عن عقيدة قوية، ولسان يستمد من سحر القرآن تأثيره، ليذكر الناس بحضارة الإسلام في عصوره الزاهرة. والشعب المتدين الطروب كان مصغياً، ولكن المستقبل هدف بعيد، فلابد من طرق واضحة ودفعات قوية لكي يدرك هدفه. وإذن فيجب أن تحدد الكلمات معالم هذه الطرق، وأن تحتوي على الخمائر المباركة لهذه الدفعات شروط النهضة وعلى الرغم من قوة عبارات الإصلاحيين الجزائريين، فإن هذه الكلمات قد انحرفت - أحياناً بكل أسف - عن أهدافها لأسباب تضاد المنهج، فلقد كان النوم يخدِّرهم عن أن ينشروا وعيهم وجهدهم باستمرار، فكانت النتيجة انحرافاً ولا نتيجة، لأن الحكمة قد تركت مكانها للانتهازية السياسية. ولكن مهما كان شأن جمعية العلماء إزاء ذلك الانحراف، ومهما كان ركونها أحياناً إلى التفكير غير المنهجي، فإنها لا تزال في طليعة النهضة الجزائرية الصحيحة، ومن أقوى محركاتها. على أن من الممكن أن يتحول هذا النوع من التفكير غير المنهجي إلى انتهازية خطيرة[1]، وخاصة في العصور المضطربة عندما تؤدي كل خطوة خاطئة إلى الموت أحياناً. فليس للانحراف طرق مرسومة نظرياً، ولكن له دروباً مظلمة يتعثر فيها السائر في كل خطوة. وهنا يظهر السبب الذي دعا العلماء إلى أن يسيروا عام 1936م في القافلة السياسية التي ذهبت إلى باريس، كأكبر سبب جرَّ الحركة الإصلاحية الجزائرية إلى أول انحرافها. [1] قد بينت الظروف أن هذه الانتهازية قد انتشرت فعلاً في الأوساط التي تقود الحركة الإصلاحية الجزائرية .

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.