صحوة منشودة على حداء مالك بن نبي

خمسة وثلاثون عاماً منذ رحيل مالك بن نبي، هي في حياة الأمم عمر جيل كامل من أجيالها، أطلقوا عليه خطأً اسم جيل الصحوة، وليس كذلك، فقد بلغ فيه المشروع الاستعماري الصهيوني مداه:

تفكيكاً لشبكة علاقات العالم الإسلامي، حتى بات كلٌّ يغنَّي على ليلاه، على الرغم من اللافتات العريضة التي تحملها منظماته الرسمية: جامعةٌ للدول العربية، ومنظمةٌ لدول العالم الإسلامي، ألقاب مملكة ولا مملكة.. وإمعاناً في التخدير والتنويم، حتى بات الجسدُ الإسلامي جثة هامدة يعمل فيها مبضع الجراح دون أي إحساس منها بألم، أو إنساناً آلياً مسلوب الإرادة؛ يتحرك طبقاً لأوامر مُسَيِّره التي مكنه تقدمه التكنولوجي من إطلاقها عن بعد.

لا أدلَّ على ذلك من مشهد رقصنا مع بوش عشية سقوط عشرات الشهداء من أبنائنا في غزة، ومن مسارعتنا إلى انتـزاع كل ما يزعج الجراح من مناهجنا التعليمية وبرامجنا الإعلامية، كي لا تعيق عمله في  أثناء عملياته الجراحية في أجسادنا.

لقد بلغ المشروع الصهيوني الاستيطاني مداه لدى هذا الجيل الأخير من أجيال القرن العشرين، إذ استطاع أن يلوي أعناق أسلحتنا فلا تتوجه بحال نحوه، ولو على سبيل التلويح والتهديد.

وأن يسكت ألسنتنا فلا تنطق بغير ما يهوى ولو على سبيل الشكوى وصرخة المكلوم. وأن نحتضن سفاراته في عواصمنا، إظهاراً لحسن نوايانا التي لا تضمر حقداً حتى لجلادنا مهما ألهبت سياطه ظهورنا؛ شكراً له على الاستراحات التي يمنحنا إياها بين نوبات الجلد. وأن نصدِّق كذبته الكبرى التي أسماها (حقَّ إسرائيل في الوجود)؛ الوجودِ الذي فرضه بإرهاب منظمات الهاغاناه وشتيرن والأرغون، ومذابح دير ياسين وكفر قاسم ودير البلح وصبرا وشاتيلا، ثم راحَ يرمي بتهمة الإرهاب، حجر الطفل الفلسطيني الذي يلتقطه من بقايا بيته المهدم. ل

م يقدَّر لمالك بن نبي أن يشهد انتكاسة هذا الجيل فقد رحل إبان ظهوره، وكان قد استهل وعيه أوائل القرن العشرين، عندما كان الاستعمار الفرنسي في ذروة تسلطه على الجزائر، واطمئنانه إلى امتلاكه إياها إلى الأبد، وعاش هذه المرحلة بكل ما تزخر به من ممارسات استعمارية قهرية من جهة، ومن ردود أفعال متباينة، إما ممالئة للاستعمار تنتهز الفرص لتحقيق مكاسب شخصية عاجلة، أو رافضةٍ له تحاول أن تجد سبل فكاكها منه وتحررها، من جهة أخرى.

كان مالك، بحكم نشأته في بيئة إسلامية مشدودة إلى قيمها وتراثها، وبما واجهه من تمييز وحرمان من السلطات الاستعمارية بعد تخرجه في الهندسة الكهربائية؛ منتمياًً إلى الفئة الأخرى المناهضة ،وكان الإمعان في المعاناة والحرمان يدفعه إلى مزيد من التأمل في أحوال أمته خارج إطار تخصصه، تلمساً لسبل خلاصها.

وعندما بلغ أشده أواسط القرن العشرين، كان قد استكمل دراساته المعمقة عن حضارة الغرب بعد ما حفر حولها ليتعرف جذورها ومنطلقاتها ودوافعها، كما استكمل تأملاته في حركات التحرر والنهوض في التاريخ القديم والمعاصر، وقاده ذلك كله إلى الكشف عن الدورات الحضارية وتداول الحضارات بين الأمم، وشروط بزوغها وأفولها، والعوامل المؤثرة في صعود الأمم أو هبوطها.. تلك العوامل التي تضع الأمة على عتبات النهوض والتقدم، أو على شفا الانحدار والتخلف؛ أي القابلية للاستعمار بالمصطلح الذي أطلقه مالك بن نبي، ليؤكد لنا أن الخلاص من الاستعمار لن يتأتى عبر التوجه المباشر إليه، بقدر ما يتحقق بالتوجه إلى العوامل الممهدة له أولاً، فإذا انتفت العوامل انتفى الاسـتعمار تلقائياً، فذلك قوله تعالى: ] أَوَ لَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُـلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِـكُمْ [  [آل عمران 3/165].  

وقوله أيضاً] إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [[الرعد 13/11]، وأن المشكلة ليست في الاستعمار بقدر ما هي في الذات المريضة التي أغرته بنفسها وأسالت لعابه لالتهامها.. حتى إذا ما نجحت في طرده قبل نجاحها في التخلص من عوامل ضعفها عادت تتخبط لتستدعيه تارة أخرى، كما هي حالنا الآن.

لقد رسم مالك بن نبي للدورة الحضارية خطها البيانيّ الذي يبدأ صاعداً بقوة على يد جيل البذل والتضحية والتقشف، وهو الجيل الذي لا يعرف لنفسه حقوقاً، بقدر ما يتعامل معها بلغة الواجب، وليس في هذه اللغة سوى العطاء. ث

م يستوي الخط البياني عند الجيل الذي يضيف لغة الحق إلى لغة الواجب، فتستمر الحضارة على خط مستقيم بالقدر الذي يستطيع هذا الجيل أن يوازن فيه بين اللغتين؛ فيأخذ لنفسه بقدر ما يعطي. ثم ينحني الخط لينحدر إلى الهاوية على يد الجيل الذي لا يعرف غير لغة الحقوق يروم الأخذ بلا عطاء.

وأمة كل من فيها يبسط يده ليأخذ، مَن الذي سيعطي ولمن؟! لم يَلْقَ خطابُ مالك بن نبي أذناً صاغية إذ كان ينطلق من استراتيجية شاملة يتطلب بلوغُ أهدافها رسمَ خطط طويلة الأمد، ووعياً عميقاً لتعاقبها على مراحل، لا تبدأ التالية منها قبل إنجاز سابقتها. ولن يستطيع تبني هذه الاستراتيجية إلا جيل الخط الحضاري الصاعد الذي يتمتع بدرجة عالية من اليقظة والتوتر والفعالية..

كان مالك يدرك تماماً صعوبة إنتاج هذا الجيل، في أمة خرجت منهكة من دورة حضارية سامقة، وطال استرخاؤها واعتمادها على أمجاد الأجداد، وكان يرى أن إعداده للدخول في دورة حضارية جديدة يتطلب مرحلة معقدة؛ يتم فيها تخليصه من رواسبه التي هبطت به إلى القاع، والارتقاء به إلى مستوى الفعالية والعطاء من جديد، مثله مثل جزيء الماء الذي ينحدر في الشلال لتوليد الطاقة، فإذا بلغ القاع احتاج إلى عملية تبخير تخلصه من أدرانه وشوائبه، فعملية تقطير تضعه على رأس الشلال من جديد.

وكان خطابه الحضاري النهضوي نشازاً، وكانت أفكاره مختلفة عن خطاب النهضة السائد في العالم الإسلامي منذ مطالع القرن العشرين، بشقيه التقليدي والحداثي.. ذلك الخطاب الذي لم يستطع أن يوقف حركة الجزر والانكماش الحضاري بسبب غربته في الزمان عند التقليديين وفي المكان عند الحداثيين، فكان خطاب بن نبي غريباً عن كليهما، ومرفوضاً منهما معاً، وحار الطرفان في تصنيفه، وتحديد التيار الفكري الذي ينتمي إليه، ليظل طائراً يغرد خارج السرب، عازفاً بلحن نشاز؛ شأن الأنبياء والمصلحين، ولتظل أفكاره مكتنـزة تنتظر الجيل الذي يتلقفها وينهض بها.

إنني ألمح بصيصاً في العتمة؛ يتقدم بين يدي هذا الجيل الجديد القادم لا محالة، تبشر به تجارب التاريخ الإنساني، وقوانين تداول الحضارات بين الأمم، والنُّذُرُ التي ترافق التحولات البشرية الكبرى عبر العصور، والاضطرابات الخطيرة التي تعتري الإنسان عند اجتيازه المنعطفات الحادة قبل أن يستوي به الطريق.

وإنني لألمح حركةً تحت الرماد، أشبه ما تكون بحراك جيل صلاح الدين الذي انبثق من رماد الكلالة، والعجز، والتمزق، والعقم، وشكلانية التدين، والتعصب المذهبي، وتفرق أهل العلم، والانصراف إلى الهموم العاجلة، والاكتفاء بردود الفعل الآنية عن التخطيط البعيد.. ذلك الرماد الذي جاء بالصليبيين ليحتلوا القدس وما حولها، ثم جاء بالإمام الغزالي لينسحب من ثقافة عصره الراكدة؛ عاكفاً سنين على تحليل ظواهر الخلل بحثاً عن العوامل الكامنة وراءها، وليطلع على الناس بـ (إحياء علوم الدين)، فيحيي به موات نفوسهم، لينبثق منها جيل صلاح الدين.

ما أشبه اليوم بالبارحة، وما أشبه انهزامنا اليوم أمام الصهيونيين باندحارنا أمسِ على أيدي الصليبيين، وما أشبه مالك بن نبي بالإمام الغزالي؛ لولا اختلاف العصر وزوايا الرؤية وأبعادها.

كلاهما عاش غريباً ومات غريباً؛ فأثمرت غربته حراكاً وتغييراً.. فطوبى للغرباء!!  

محمد عدنان سالم

18/10/2008

إضافة تعليق

7 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.