صناعة الأولاد من خلال الرياضة: وصفة ربّانية لضمان الجودة

جميع الرياضات يشترط فيها وجود منافس.. وإتقانك للعبة هو وسيلة حتميّة لتحقيق انتصارك.. فالخصم (المنافس) هو جزء جوهري وأساسي في اللعبة.. وعدم وجوده يعني حتماً إلغاء اللعبة

 

السؤال المهم الذي راود تفكيري هو: لماذا اللاعبون (في أي رياضة) يحظون بهذه الشهرة والمتابعة من كافة فئات الناس وعلى إمتداد بلدان العالم؟ أليست هذه الرياضات تشبه أي عمل نقوم به!؟ أليس هؤلاء اللاعبون يتقاضون أجوراً خيالية جداً من جرّاء عملهم (لعبهم) هذا؟  فلماذا إذن نشجعهم ولا نشجع أي مجال عمل أخر؟  أي لماذا لا نشجّع الأساتذة مثلاً في مسابقة تلفزيونية في كيفية صبرهم وذكائهم في معاملتهم مع الطلاب!؟ فما الذي يميّز الرياضة عن غيرها عندما نتذكّر أنّ اللاعبين بالنهاية يلعبون باحتراف ليس من أجل الجمهور والمشاهدين! بل من أجل الجائزة والرواتب الخيالية التي من الممكن أن يتقاضونها.. إنّهم حقيقةً يلعبون باحتراف أكثر لجني رواتب خيالية أكثر. مثلهم مثل أي إنسان آخر يتقن عمله لجني وتحسين وضعه أكثر.. فلماذا نشجعهم هم بالذات دوناً عن غيرهم؟  يعني مثلاً، لاعب التنس المحترف الذي بذل عمره وشبابه ليتمرن ويحترف ضرب الكرة ضمن مستطيلٍ محدد.. ما دخلنا به إن أحسن التسديد أم لا.. وهل يعقل أن يضيّع أحد عمره في التمرّن على التسديد ضمن مستطيلٍ محدد!؟

سيقولون أنّ هناك إثارة وتشويق في أي رياضة وهذا ما يجعل المشاهدة عالية.. نعم، هذا ممكن عندما يكون اللعب مجاني (مجرد هواية وإملاء وقت الفراغ لأحد الأيام) ليس من أجل هدفٍ مادي. أي مشاهدتنا ممكن أن تكون نابعة من إثارة عندما يكون اللعب من أجل اكتشاف إمكانات الجسم البشري.. لكن أن يلعب اللاعبون ليتقاضوا أجوراً خيالة ولا شيء غيره ونشجعّهم نحن على ذلك دون غيرهم.. هو أمر فيه إنّ.


لكن هل كل الرياضات على هذا المنوال؟ مجرد مضيعة للوقت وجني المال الكبير..؟!

بالطبع لا، فهناك السباحة والرماية وركوب الخيل!.. ذلك الحديث الذي أمرنا أمراً على تعليمهم لأولادنا..

يأتي السؤال الجوهري الآن: ما هو الشيء الذي يخص هذه الرياضات لتُذكر هي فقط من بين جميع الرياضات؟ والسؤال الثاني: هل الترتيب في الحديث عن الرياضات هو ترتيب غير ملزم؟ أم أنّه مقصود وبعناية؟!

 

جميع الرياضات يشترط فيها وجود منافس.. وإتقانك للعبة هو وسيلة حتميّة لتحقيق انتصارك.. فالخصم (المنافس) هو جزء جوهري وأساسي في اللعبة.. وعدم وجوده يعني حتماً إلغاء اللعبة. لكن في السباحة الأمر مختلف.. فنستطيع أن نتعلّم السباحة ونتقنها تماماً بدون منافس.. يستطيع أي شخص أن يصبح سبّاحاً من الطراز الرفيع بدون أن ينافس أحداً، وبدون أن يعلم أي أحد بذلك.. وهذا غير موجود في أي رياضة أخرى، فهل رأينا لاعب كرة القدم أو السلّة أو التنس أو أية لعبة أخرى محترف بدون أن ينازل أو يبارز أحداً!؟


 المنافسة في السباحة ستكون من نوع آخر!.. المنافسة هنا ستكون معك أنت.. إنّها تعني أن تنتصر أولاً على نفسك، على ضعفك، وعلى خوفك.. أن تنتصر على سلبياتك الدفينة، أن تقهر خوفك وضعفك، أن تفجّر طاقاتك لتقوى بها.. السباحة تعني أن تتعلّم التوازن، توازن جسمك في الماء والسيطرة عليه وبالتالي توازن عقلك وردود أفعالك والسيطرة عليهما.. إنّها تعني أن تتعلم ضبط النَّفَس وبالتالي النَّفْس.. إنّها رياضة داخلية بامتياز، من أجل أن تتعلّم الاتزان.. من أجلك أنت فقط حتى ولو لم تنافس أحداً.. السباحة هي متعلقة فيك أنت وحدك.. في تدريب وتصقيل ما بداخلك.. في أن تتحدى ضعف نفسك، أو في أن تتحدى نفسك.. في تفجير طاقاتك الكامنة بدون قولبتها ضد أحد.. بل إظهارها لأنك يجب أن تمتلكها بدون قالب وبدون عدو.. هي أن تتغلّب على نفسك من أجل نفسك، لا شيء سواها..

ثم تأتي الرماية.. بعد أن يتقن المرء السباحة، أتقن التوازن مع نفسه.. سينتقل إلى الرماية.. إلى الرياضة الخارجية.. إلى الطريقة التي يتعامل فيها مع الأشياء.. فالرماية أيضاً لا تحتاج لتعلمها وإتقانها إلى عدو أو منافس.. ونستطيع أن نصبح رماة محترفون بدون إصابة بشراً واحداً.. بل تعليمها يشترط أن لا يتواجد أي شخص حي خشية إزهاق الأرواح عن طريق الخطأ..
الرماية تعني أن تتقن إصابة الأشياء عن بعد.. أن تتعلّم الإتقان.. إنّها حتماً ستحتاج إلى توازن!.. الرماية تعني أن تتعلّم مهارة الهجوم بعدما تعلمت ضبط النَّفَس والنَّفْس، بعد أن قويّت حصونك الداخلية.. إنّها أن تتسلّح وتصقل جوانبك الخارجية، أن تزيد ثقتك بنفسك وبقدرتك على إصابة الأهداف بدون أخطاء..

ثم يأتي ركوب الخيل.. بعدما تعلمنا السباحة (ضبط النفس والتوازن) وتعلمنا الرماية (مهارة الهجوم بطريقة احترافية بدون أخطاء) نستطيع الآن أن نتحمّل مسؤولية قيادة كائن حي..
الدين الإسلامي يعلمنا أنّ العدو مهما كان هو إنسان مكرّم أيضاً لأنّ روحه من روح الله تعالى، لذلك يجب أولاً أن نتعلم كيفية ضبط وترويض الفرس لننتقل منها إلى ما هو أكبر من ذلك، إلى ضبط العدو وترويضه.. أن نتعلم قيادة الفرس وإحسان معاملته وترويضه على الشكل الأمثل والصحيح قبل أن نتوجّه إلى قيادة الأمم..

 

السؤال الذي من الممكن أن يخطر على بال البعض الآن هو: لماذا كل هذه الأهميّة للسباحة؟! فالصحابة لم يتعلموا السباحة ولم يعلّموها لأولادهم وحقّقوا النهضة؟!!.. الإجابة ببساطة: التاريخ لا يعيد نفسه بشكل حرفي.. والصحابة على اعتبارهم قدوة لنا ولأي جيل، إلا أنّهم مرّوا بظروف خاصة لا يمكن تعميمها إطلاقاً.. فمثلاً، العلم لم يكن موجود آنذاك.. واستطاعوا الصحابة أن يحققوا حضارة بدون العلم، لكن هل نستطيع نحن الآن تحقيق أي حضارة بدون العلم..؟!  وجود الوحي وتأييد الله تعالى لهم عن طريق الرسول هو أمر لا يمكن أن يتكرر بتلك الطريقة..  والسباحة هنا تندرج تحت هذا الباب..  فهناك أمور حدثت ولن تحدث مرة أخرى..

 

سؤال ثاني، لماذا قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: "علّموا أولادكم" ولم يقل "تعلّموا"..؟
بالحقيقة لا أرى سبباً غير أنّ بشكلها الحالي الذي قالها الرسول الكريم "علّموا أولادكم" تعني أن نتعلم نحن لنعلّم أولادنا..إنها تعني أن يخصص الأب جزء من وقته اليومي ليشاركه مع أولاده، في أن يعلب معهم هذه الرياضات من أجل صناعتهم.. إنّها تعني إمضاء وقتٍ طويل معهم في تعليمهم ليصبحوا محترفين، وبالتالي مراقبة نموّهم وسلوكهم.. ومشاركتهم مئات الأحاديث خلال هذه الفترة الطويلة.. إنّها تعني عدم الرسمية بين الأب وأولاده، علاقة موانة متبادلة حتى أثناء صناعتهم وتعليمهم، بل ربما علاقة موانة متبادلة من أجل صناعتهم وتعليمهم!.

 

إنّها خلطة وتوليفة رياضية باختيار ربّاني لضمان الجودة في الإنسان المسلم وبالتالي للجيل بأسره..

 

براء أصفري


9-7-2010



إضافة تعليق

9 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.