صناعة العدو

عندما سقط جدار برلين ذات يوم من مطلع شهر نوفمبر 1989 تحققت مقولة "الكسندر ارباتوف"، المستشار الدبلوماسي لآخر رؤساء الاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف. قال ارباتوف: "إننا سوف نؤدي لكم ــ يقصد الغربيين ــ أسوأ الخدمات، ذلك أننا سوف نحرمكم من عدو"، وبالفعل فقد الغربيون آنذاك العدو الذي أتاح للغرب على مدى عقود عديدة من الزمن أن يقف جبهة موحّدة متماسكة أمام تهديدات الشيوعية.
وبهذا المعنى كان الاتحاد السوفييتي بمثابة "عدو جيّد"، حيث كان يتسّم بالقوة والصلابة. وزواله صدّع تلاحم الغرب ولم يعد لقوته مدلولها ومبرراتها التاريخية والاستراتيجية فالتهديد الشيوعي لم يعد قائماً. من هنا أصبح "البحث عن عدو" ضرورة، وإن لم يكن "جاهزاً" فمن المطلوب "فبركته". وهذه المسألة الخاصة بـ"فبركة العدو" هي موضوع وعنوان كتاب الباحث الفرنسي "بيير كونيزا" الذي يقول بالتحديد " صناعة ـ فبركة ـ العدو".
ولا يتردد المؤلف في القول أن الدول "الديمقراطية وغير الديمقراطية"، ومراكز الأبحاث الاستراتيجية، وأجهزة الاستخبارات وكل المؤسسات التي لها علاقة ما بصناعة الرأي العام بحثت كلها "بصورة واعية تماما" عن كيفية "صناعة عدو" ورسمت صورة للعالم زاخرة بمختلف أشكال التهديدات والمخاطر والتحديات. ذلك كله من أجل تحقيق هدف واحد هو "التصدّي لحالة البطالة التقنية التي أعقبت سقوط جدار برلين".
إن المؤلف يطرح بداية السؤال التالي: هل العدو ضروري؟ ويجيب عنه باقتضاب معتبراً أن العدو هو بكل الحالات عامل في زيادة تلاحم الأمة، وهو الذي يدعوها لزيادة قوتها، وهو الذي يدعوها لإعطاء الأهمية لقطاع الصناعات العسكرية، ويتم تحديد عدة نماذج من الأعداء برزت خلال ربع القرن الأخير. إذ هناك "العدو القريب".
حيث تكون المواجهات مباشرة مثل حالات الهند- باكستان واليونان- تركيا والبيرو- الاكواتور، وهناك "المنافس الكوني" مثل حالة الصين، و"العدو الداخلي" مثل حالة "الحروب الأهلية" في يوغسلافيا ورواندة وغيرهما، و"العدو الخفي" مثل الحديث عن النظرية المؤامرة "اليهود والشيوعيون"، وهناك "الشر المطلق" كحالة المتطرفين، هذا دون الحديث عن العدو الإيديولوجي والعدو الإعلامي ونماذج أخرى من الأعداء والخصوم.
بكل الحالات يقوم المؤلف باستعراض عدد كبير من النماذج ثم يعمد إلى إجراء مقارنات بين نقاط التلاقي ونقاط الخلاف وغايات تحديد العدو "الذي يتم اختراعه". أكان عدوا خارجيا أو داخليا أو حتى عدوا "خفيا ليس مرئيا في الواقع". وهذا ما يتكرر في مختلف بلدان العالم وقاراته. والإشارة في هذا السياق أن "القاموس الحربي المستخدم له دلالات متباينة أو مختلفة تماما لنفس الفعل تبعا للطرف الذي يستخدمه".
ويبيّن المؤلف كيف أن الخطاب، "ذا النزعة الثقافية"، المستخدم في الغرب يزيد من حدة القلق للتأكيد على "خطورة" العدو. هكذا يتم تقديم صورة لـ"الإنسان الأصفر"، الآسيوي عامة والصيني خاصة، على أنه بعيد عن الفضيلة وقاسي القلب ولا يحلم سوى باحتلال الغرب، مثل "العربي" العنيف. وكان يتم تقديم الشيوعي و"سكين بين أسنانه" والبورجوازي مع "سيجاره". وما يؤكده المؤلف أن "هذه الأساطير كلها برزت عندما كان الغربيون يسودون العالم" .
ومما يذكره المؤلف هو أن دكتاتور مثل الرئيس الليبي السابق معمّر القذافي كان يمتلك جميع صفات "العدو الجيد" إذ كان على رأس "نظام استبدادي، بوليسي" و"يثير عدم الاستقرار إقليميا". هنا يفتح المؤلف قوسين ليشير أن تبدّل نظرة بعض الحكومات الغربية له" لا يعني أن الرجل قد تبدّل".
ومن الجديد الذي يؤكد عليه المؤلف هو أن العالم دخل اليوم عصر "العدو الإعلامي". والإشارة أنه منذ القرن التاسع عشر لعبت وسائل الإعلام دوراً في نشوب الحروب. و"دور قنوات روبرت مردوخ التلفزيونية في الحرب الأخيرة ضد العراق هو المثال الأقرب".
الكتاب: صناعة «فبركة» العدو
تأليف: بيير كونيزا
الناشر: روبير لافون باريس 2012

إضافة تعليق