صناعة النشر تشهد نمواً لافتاً في الإمارات ومعارض الكتب نوافذ مشرعة على ثقافات العالم

تثير مناسبة معارض الكتب ونحن على مشارف انعقاد الدورة الخامسة والعشرين لمعرض أبوظبي الدولي للكتاب الكثير من الشجون والأسئلة التي تتعلق بالمنتج الثقافي وعلى رأسه الكتاب، والذي يحيل مباشرة على فتنة القراءة، التي هي الأصل، وهي التي تسبق في العادة، قضية التأليف والنشر وتسويق المنتج .
وفي هذه الأيام، في هذا العصر الذي تواصل وتفاعل من خلال ما وفرته تقنية التكنولوجيا، ومع تطور المدن وقيام المؤسسات الكبرى، وبروز فكرة معارض الكتب في المدن العربية والعواصم العالمية، أصبح هذا القطاع يلقي بظلاله على الكتاب، الذي بات بدوره خاضعا لعملية متطورة مع وجود مؤسسات نشر كبرى، ووسطاء ووكلاء توزيع وغيرها من الخدمات التي سرعت من انتشار هذا الكتاب، بل جعلت منه فضاء قابلا للقراءة بوسائل جد متطورة على شاكلة النشر الالكتروني ونظام "البي دي إف" وغيرها .
الكتاب كمنتج ثقافي، كان ينظر إليه في الماضي بوصفه ركنا أساسيا من أركان المعرفة، وذلك قبل شيوع مفاهيم "الثقافة" و"التثاقف" و"الكاتب المتخصص" و"الفيلسوف" و"المنظر الحداثي" وغيرها من مسميات الحداثة وما بعدها، كان أكبر لقب يطلق على الكاتب في ذلك الزمن الثلاثيني والأربعيني، هو لقب الأديب أو "الأدباتي" ومن حسن حظ الكتاب، في معمعة الوقت الراهن الذي غزته التكتولوجيا، وفي زمن "الكتاب في المعرض" أن يكون قريبا أكثر من الحالة الثقافية بوصفها منتجا عالميا، وبوصفه - أي الكتاب - أصبح لصيقا بهذا الكم الهائل من المعرفة والمعلوماتية، التي تجاوزت دفتي الكتاب نفسه، كما أصبح الكتاب وسيلة لبلوغ مرحلة متقدمة من الخبرات والتجربة الإنسانية، التي تجعل المرء مؤهلا ليضع قدمه على عتبة الانسجام مع محيطه الكوني والإنساني، من دون قيود وبحرية مطلقة .
 
هذا يعني، أن الكتاب بحد ذاته، وبسبب تعقيدات الحياة الراهنة، لم يعد مصدر المعرفة الوحيد، فهناك دائما تدفق هائل في المعلومات وتراكم في منتجات البحث العلمي التي هي في اتساع مستمر، وهو الذي جعل فعل القراءة مشروطا بتوافر حيز من الخدمة التي تسرع من عملية انتشار الكتاب وبوسائل تسويقية أصبحت ضرورية، ومن ذلك مثلا ما أصبح يعرف ب "صناعة الكتاب" وهو المفهوم الذي تم الاشتغال عليه وفق آليات تطور تسويق الكتاب في الغرب، وهو الذي سرعت فيه وسائل التقنية الجديدة، وأصبح متاحا في الساحات الثقافية الغربية، على غرار معرض القاهرة للكتاب ومعرض أبو ظبي للكتاب، وكذلك معرض الشارقة الدولي .
بعض الباحثين تنبهوا لحجم المشكلة التي أصبحت تواجه انتشار الكتاب لا سيما مع قلة الكم المعرفي الذي ينتج عربيا مقارنة، من كم الإصدارات التي تلبي الحاجة المعرفية عند الفرد، فجاء دور المؤسسات الأهلية والرسمية ليسهم بدوره في توفير حالة من التوازن بعد انخراطها في سلسلة من العلاقات والشبكات التي تعمل على تسهيل وصول الكتاب الجيد إلى الناس، ومن ذلك الدور المحوري الذي لعبته معارض الكتب، وما وفرته من آليات نشطت سوق الكتاب وعملت على سرعة تقديمه وتبادله بين الهيئات والمؤسسات والأفراد، ومن خلال ما قامت به المؤسسات الأكاديمية والتعليمية من دور في إصدار سلاسل الكتب في تخصصات العلوم والآداب وغيرها من مصادر التثقيف المتنوعة .
ويقر الخبراء اليوم بفعل القراءة في مستويات متعددة، ربما أهمها "القراءة التحليلية" التي هي بحسب الباحث الدكتور عبدالكريم بكار "أفضل أسلوب يمكن للمرء أن يتبعه في استكناه مضمونِ كتاب ما في وقت غير محدد، فهي محاولة للارتقاء بالقارئ إلى أفق الكاتب الذي يَقرأ له، ومحاولة النفاذ إلى معرفة شيء من مصادره وخلفيته الثقافية" .
والحقيقة أن تجربة الشارقة والعاصمة أبوظبي من خلال المعرضين الشهيرين "الشارقة الدولي للكتب" و"أبوظبي الدولي للكتاب" وتشجيعهما على القراءة في أوسع نطاق من خلال تبني مبادرات واستراتيجيات هادفة للتواصل مع الحضارات، من خلال فعل الترجمة، واستضافة نشاطات ثقافية وفنية على مستوى عال من الحرفية في التسويق قد خدم الثقافة في بعدها الاستراتيجي والكوني، وليس المحلي أو العربي .
إن ظاهرة مرتبطة بسلوك ثقافي منفتح على الغير، في المنهج والرؤية والطباع، وهي ظاهرة ليست حكرا على البلد المضيف وثقافته، قدر ارتهانها لمظلة شاسعة تلعب على عنصر المحاكاة، وهي ليست بالطبع مقتصرة على زيارة وتصفح جناح كتب دار نشر تابعة لدولة بعينها، قدر ارتباطها بالتفاعل مع منتجات ثقافية مشاهدة ومسموعة وموثقة على أشرطة، أو مختصرة في خلاصة المؤتمرات والندوات، التي تعقد على هامش المعرض، ويحضرها مثقفون وجنسيات متعددة ومتنوعة .
أصبحت الظاهرة على تماس مع حداثة القرن الجديد، وصار الكتاب الذي تعقد المعارض باسمه، مجرد واجهة لتحقيق غاية أكبر وأكثر اتساعا من مجرد الاقتناء، نحو معرفة أشمل تلبي طموح الفرد، ليس في اقتناء الكتاب وحسب، بل أيضا في التعرف بالآخر عن كثب، وفي المقارنة والجدل بين الرؤى والظواهر والمسلمات والمستجدات .
أصبح الكتاب في المعرض مجالا لنقل المعرفة خارج الصفحات الورقية المكتوبة، إلى بعد أشمل كما أصبح وسيلة القارىء ليتعرف أكثر من خلال المشاهدة والاحتكاك بالناس، وصارت الثقافة كمفهوم تتجاوز الكتاب بمنظوره التقليدي، لتسافر عبر الغيوم، وتقتحم جغرافيا شاسعة متعددة الوجوه، نحو ما هو أكثر من مجرد التوقف عند فكرة من أفكار الكاتب، منذ أول سطر من الكتاب ومتابعة نهاياتها - أي الفكرة - حتى السطر الأخير . - See more at: 

إضافة تعليق

3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.