طارق البكري: ما زلنا نقوم بتقسيم الطفولة بطريقة تقليدية ونحدد السنوات لها وكأنها مسلمات ثابتة

أوضح ضرورة إعادة التفكير في المناهج التعليمية التي تقدم للأطفال واليافعين من الروضة حتى الثانوية
- محفزات الطفل أضحت كثيرة ويبقى الكتاب خارج المنافسة كلما تراجع دوره لأن الطفل القارئ أعمق من الطفل غير القارئ
حوار ـ خميس السلطي:
يرى الكاتب اللبناني المتخصص في أدب الطفل الدكتور طارق البكري، الذي شارك مؤخرا في فعاليات في ندوة “أطفالنا وإعلام المستقبل” ضمن فعاليات معرض مسقط الدولي للكتاب في دورته الـ 24 المنصرمة، يرى أن الكتابة للطفل ليست غاية في حد ذاتها أو سبيلا لغاية، بل هي غواية عند الأديب المحب المجد، يقصدها الجامحون المولعون بلا تطلعات أو أهدافه ذاتية، هم يتلذذون إذا كتبوا، ويستمتعون إذا انتهوا، لا يمنعهم بلاء ولا وباء، ولا قلة نشر أو انتشار، ولا مانع من الموانع من المضي قدما كالثوار، ويضيف بقوله: تشرفت خلال رحلتي الطويلة نسبيا في عالم أدب الطفل وإعلامه بلقاء عدد كبير من الكتَّاب المجيدين الذين تحمسوا كثيرا في بداية مشوارهم لأدب الطفل، بَيدَ أنَّ معظمهم كما تحمسوا، انحسروا مرة واحدة. ومنهم من آثر الابتعاد بهدوء دون صخب .. حول هذا الحضور في عوالم الطفل التقينا به وكان حديثه أكثر شفافية وعمقا في الوقت ذاته ..
- في البداية نود أن نقترب بصورة أكثر واقعية حيث خيال الطفل وإدراك ما يقدمه له العقل من خلال توجهك الإبداعي؟ في تصورك الـشخصي كيف يتجسد ذلك؟ إلى أي مدى نستطيع القول إن عقل الطفل لديه الاستعدادات لمحفزات البحث والتقصي والإبداع؟
- لا شك أن ما طرحتم في هذا السؤال يأتي في صلب الأعمال التي أقوم بها تجاه عالم الطفولة وآدابها، فإن محور القصص الرئيس على تنوع أساليبها وأهدافها، والذي أدندن حوله يكمن في هذا الإطار بالذات، فعملية القص والتأليف عملية ثقيلة على الذهن، كما أن القراءة والفهم والاستيعاب عملية معقدة ثقيلة وليس سهلة كما يتوهم البعض، خاصة أن الفئة المستهدفة تعيش اليوم ظروفا مختلفة تماما عن عقد مضى من الزمان، فكل يوم هناك جديد، والعمل القرائي الموجه للأطفال اليوم يحتاج من الأديب أن يسبر العقول الجديدة المختلفة كلية عن أي مرحلة سابقة، والحاجة اليوم ملحة أكثر من السابق لكي نغزي عقول الأطفال بالقراءة الورقية فضلاً عن القراءة الإلكترونية والسمعية والبصرية، ومحفزات الطفل أضحت كثيرة، لكن يبقى الكتاب خارج المنافسة مهما تراجع دوره، لأن الطفل القارئ أعمق من الطفل غير القارئ، ومن هنا نفكر بأننا نتوجه للطفل القارئ أولا، وهو ليس بشخصية سهلة، لأنه لم يتأثر إلى حد هجر الكتاب تماما، كما أن التحدي يتطلب العمل لتوفير ما يتلاءم من العقول الجديدة، من حيث المضمون وكذلك من حيث الشكل، والأديب يحاول، لكنه يحتاج طبعا إلى جهد مقابل من ولي الأمر والمدرسة والمؤسسات والمجتمع لكي يتمكن من تحقيق التحفيز المأمول والغايات المرجوة.
- من خلال دراستك لأدب الطفل في مراحل مختلفة، وقراءتك للكثير من كتب أدب الطفل وكتب التربية وكتب الإعلام في الإطار ذاته إلا إنك لم تقتنع بكثير مما تورده هذه الكتب، لماذا؟ وما هي الطرق المثالية التي تستوجب أن تقدم للطفل وعقليته في هذا الجانب؟
- نعم، هذا صحيح، فنحن ما زلنا نقوم بتقسيم الطفولة بطريق تقليدية قديمة، ونحدد السنوات للطفولة المبكرة والمتوسطة والمتأخرة، وكأنها مسلمات ثابتة، وكنا فيما مضى نقرأ من بعض الأبحاث أن الطفل قبل أن يدخل المدرسة يتعرض لنحو 5 آلاف ساعة تلفزيونية، ثم جاء الكمبيوتر، ثم الأنترنت، وبهرنا بعالم الاتصالات والأجهزة الذكية، اشياء كثيرة غيرت أسلوب الحياة عند الكثيرين، فلم يعد التقسيم القديم مناسبا مع هذه الطفرة الكبيرة في التكنولوجيا، وبات الأطفال اليوم لديهم قنوات خاصة على اليوتيوب وسناب شات وتويتر وغيرها من الوسائط، ولا ندري ماذا يحدث الآن من تطور في هذه اللحظات، لذا فإننا نحتاج إلى إعادة التفكير في هذا التقسيم، كما أن علينا أن نعيد التفكير في المناهج التعليمية التي تقدم للأطفال واليافعين من الروضة حتى الثانوية، ثم الشباب في الجامعة.
- في ظل العوالم المفتوحة مع الطفل العربي، كيف هي قراءاتك لمستقبله وتعامله مع ما يقدمه الكاتب له؟ هل أنت قلق على مستقبله في ظل فوضى هذه العوالم؟ كيف تفسر ذلك؟
- نعم، وبكل تأكيد، في الماضي كنا نتحدث عن محاولات التغريب، الآن تخطينا هذه المرحلة بمراحل متقدمة، وكما قلتم فإنها فوضى، بل فوضى مطلقة، وأصبحنا في حالة تهميش للعقول العربية، ولا نغتر بما يقال هنا أو هناك ونقرأه من مدائح في صحفنا العربية، فالخطر داهم، والتهميش يجري على قدم وساق، أما كيف أفسر، فالأمر أقسى وأقصى من أي التفسير، إلا أننا رغم ذلك لا نخضع، بل نؤمن بأن أدب الطفل قادر على القيام بدوره، ومحاولة التوجيه والتسديد، بالرغم من الضعف العام وعدم الإقبال على القراءة، إلا أن ذلك لن يثني المخلصين، بل هو دافع للتحدي والثبات.
- يقولون إن في عالمنا العربي نوعا من التأخر في فهم واقع إبداع الطفل، والأخذ بمكتشفات عقله ومجرياتها ، إلى ماذا يعود ذلك؟ ما هو دور الجانب المؤسساتي المعني بالطفل في هذه الدول من وجهة نظرك؟
- ربما يكون هذا الكلام صحيحاً إلى حد بعيد، لكن لا نستطيع الجزم والحكم دون وجود بيانات أو دراسات وافية، لكن لا شك أن هناك محاولات وتجارب مهمة، ومؤسسات فاعلة تقوم بدورها في الجانب، وهناك مسؤولية كبيرة أيضا على أولياء الأمور، وكذلك المدرسة، ثم وسائل الإعلام، الكل المسؤول عن تحقيق الأماني والأحلام.
- إن صح القول إن الطفل العربي على وجه الخصوص في حالة قلق، هذا القلق تحسبه الأسر الواعية والمجتمعات اليقظة مما تقذفه عوالم التواصل الاجتماعي، وأيضا الألعاب الإلكترونية التي تظهر بكثافة بين حيث وآخر، كيف لنا أن نجنب أطفالنا من أن تتقاطع أفكارهم مع هذا الكم الهائل من “الغث” والذي بلا شك لا يخدم عقل الطفل وهو في إطار التكوين؟
- علينا التمسك بالعمل المؤسسي، وصب الاهتمام بهذا الجانب، لا يمكن أن نبقى مترقبين لما سيحدث دون أن نملك القدرة على صنع القرار، دائما نحن إما متلقين أو متلقفين، وقد نكتفي بالمراقبة والتفرج وانتظار حدوث التغيير، لا بد من أن نبدأ نحن بالتغيير، فلا شيء يتحقق دون إرادة حقيقية، وعلى مختلف المستويات، بدءا من الحكومات وانتهاء بالأفراد.
- من خلال التتبع لمسيرتك الأدبية نلتمس اعتقادك أن الإخلاص للطفولة يجب أن يكون أولوية الأولويات بالنسبة للكاتب وللمجتمع عموما، هل لك أن تقربنا من هذا التصور؟ كيف للكاتب أن يكون مخلصا في هذا الشأن؟
- الطفولة بالنسبة لي هم، وليس مهنة أو عملاً، الهم هو الذي يحرك اهتماماتي، لست منقذا، ولا أعتبر نفسي كذلك، لأن عملية الإنقاذ لا تقوم على فرد واحد، وكما يقال اليد الواحدة لا تصفق، هناك تقصير كبير من الجهات الكبرى في العالم العربي، ولا ألوم المؤسسات الرسمية، فهم ليسوا قادرين على الاتفاق في كثير من الأمور، والطفولة عند كثير منهم ليست من الأولويات، أما أنا فإن الطفولة هي أول أولويات، بل أولويتي الوحيدة، وليس عندها ما ينافسها، لأني أؤمن بأن الطفولة هي وحدها التي تستطيع أن تنهض بالعالم العربي من الكبوات التي يعيشها، جربنا الكثير من الوسائط والوسائل والأفكار، وما زلنا نتجاهل عالم الطفولة، نتعامل معها كأنها نوع من الفولوكلور، أو كأننا مرغمين على التعامل معه، وحتى المؤسسة الكبرى المعنية بالطفولة، وأعني وزارات التربية في العالم العربي نجدها مقصرة، لا نجد أن “هم الطفولة” هو الذي يحركها، لا يوجد في العالم العربي وزير للطفولة، ومعظم مجالس الطفولة عبارة عن ديكورات، ومكاتب إعلامية للتصوير والإعلام، أين النتائج، معظمها سطحي، وما زالت مؤسساتنا التعليمية هي الأضعف، أما خريجونا هم الأقل مستوى، ومن هنا تبرز مسؤولية الكاتب، لكننا لا نستطيع تحميل الكاتب كل المسؤولية، فهو مجرد كاتب، لا يملك القدرة على التحكم بالتغيير، هو يهتم بجزء، وإن كان هذا الجزء شديد الأهمية، إلا أنه لن تؤتى ثماره دون دعم ومشاركة المؤسسات المعنية، ولذا من الضروري دعم المؤلفين المبدعين من الشباب وتمكينهم وتدريبهم وتوفير كل وسائل الإبداع لهم لكي يتمكنوا من إحداث التغيير المطلوب، وهذا صعب، وليس من أوليات أحد، وعسى أن أكون مخطئا، وأرجو ذلك.
- قد يكون للمقررات الدراسية لمواد اللغة العربية وغيرها من المواد في مدارسنا التعليمية أثر بالغ في حالة تكوين ذائقة أدبية فذة للطفل، دعنا نقترب معك من هذه الحالة؟ كيف من الممكن أن تنقلها لنا؟
- لم أطلع للأسف على منهج اللغة العربية في سلطنة عمان، ولا استطيع الحكم قبل قراءته ودراسته في العمق، لكني أتصور أنه يشبه سائر المناهج العربية التقليدية، والمشكلة أننا لا نعطي مساحة كبيرة للغة العربية، ونظن أن اللغة العربية مسؤولية معلم المادة فقط، بينما هي مسؤولية كل المواد، وخاصة بالدول العربية التي تدرس المناهج العلمية باللغة العربية، لذا أرجو أن يكون هناك كتاب عربي موحد، لكل الدول العربية، مع تميز بعض الجوانب المحلية، لكن وجود تبادل بين الدول، واختيار الأنسب ثم نخرج بكتاب عربي موحد جميل وبديع، بمعنى أن كل دولة يمكن أن تقدم أفضل ما لديها ثم يتم تشكيل لجنة عربية موحدة مختصة بالمناهج.. وهكذا نقدم نموذجا فريدا بعد توحيد الجهود، فكل الدول العربية اليوم تشتكي.. فإلى متى نبقى نشتكي؟؟ ألم يحن أوان التغيير؟؟؟!!
- الخيال طريقة لأخذ الطفل نحو الابتكار والسفر للبحث عن المعرفة وتجلياتها، كيف للكاتب أن يصنع حقيقة الخيال في إبداعه لأجل الطفل؟ وماذا عن أوجه التحفيز التي من الممكن أن تشغل مخيلته هو الآخر ليكون ذا علاقة محمودة مع ما يقدمه الكاتب له؟
- الخيال جزء من الواقع، إن لم يكن هو الواقع نفسه، فكل شيء في الحياة بدأ في خيال الإنسان، كل التطورات الموجودة نتيجة خيال، لكن للاسف فإن معظم ما يأتينا اليوم ونتاج غربي أو شرقي، ونحن في الوسط نأخذ ولا نعطي.. لذا قد يتحمل الأدب جزءا كبيرا في هذا الجانب، وأعتقد أن وسائل الإعلام العربية مسؤولة كثيرا عن تراجع خيال الطفل، فضلا عن مؤسسات التعليم.. وهنا تتحمل الحكومات المسؤولية الكبرى.. لكن انشغال الحكومات بكثير من الأمور، كما أنها كما قلت سابقا غير مهتمة كثيرا بعالم الطفولة..
- قبل الختام لنقترب من مؤلفاتك وإصداراتك الأدبية الخاصة بالطفل، أيهما الأقرب إليك لأجله؟ ولماذا؟ وهل أنت راض عما قدمته لواقع الطفل للآن من بحوث ودراسات وأعمال؟ كيف تفسر ذلك؟
الحمد لله، كنت أتمنى أن أقدم أكثر، ولا أعتقد أني حققت ما أريد، لذا سأحاول قدر ما أستطيع، فأنا أعمل في كل الأوقات قبل أن يأتي الأجل، ربما نستطيع أن نضع نترك ما يفيدني بعد الموت.
-كلمة أخيرة؟
أرجو لأبناء السلطنة الأعزاء ولكل المقيمين على أرضها الطيبة الخير العميم، مع محبتي العميقة لأطفال السلطنة، وأود أن أشير أنني قبل سنوات صدر لي كتاب بعنوان (جراح ساخنة) وتم نشر خبر عنه في جريدتكم الغراء قبل وصولي إلى السلطنة للمشاركة في حفل توقيع الكتاب في معرض الكتاب، وخلال ساعة لم تعد هناك نسخ، وكان الكتاب جديدا، فأخفيت نسخة لي، وبعد فترة جاء عدة فتيان وقالوا لي إنهم جاؤوا من مكان بعيد استغرق أكثر من ست ساعات ليصلوا إلى المعرض للحصول على الكتاب، فقلت لهم إن الكتب نفدت، لكنهم لم يغادروا المعرض، وظلوا مصرين، وانتظروني حتى انتهاء المعرض عندها أعطيتهم نسختي الوحيدة لأني عرفت قيمة الكتاب عندهم، فأوجه إليهم اليوم تحية حب بهذه المناسبة، وإلى كل محب للقراءة في سلطنة عمان وكل البلاد العربية الحبيبة.

إضافة تعليق