ظلال “الوباء” تحجب الثقافة العربية

بات فيروس كورونا قريبا جدا من التصنيف كوباء بسبب سرعة انتشاره وتفشيه في العالم كله، ولم يقتصر تأثيره على الجوانب الصحية أو إلقاء ظلاله على السياسة والاقتصاد، فطرق باب الثقافة، وأفزع النخب المثقفة، ووقف حاجزا أمام إقامة فعاليات ثقافية كثيرة خصوصا في المنطقة العربية.

بالنظر إلى الظل الثقافي لكورونا عالميا نجد أن وزير الثقافة فرانك ريستر كان في طليعة المصابين، وهو ما أضجر الأوساط الرسمية خصوصا الثقافية منها في أوروبا، وفي سياق الاحترازات والتدابير الوقائية كان لمنظومات الثقافة قرارات مجبرة عليها، فدخلت الفعاليات الثقافية حيز التجميد خوفا من إحاطة عباءة المرض لها، ومن ثم تأثيرها على المثقفين، فتم إلغاء معرض باريس الدولي للكتاب، وتجميد معرض لندن الدولي للكتاب قبل انطلاقه بنحو 5 أيام، ومعرض لايبزيج للكتاب الذي يقام في ألمانيا.
في المنطقة العربية مر معرض القاهرة الدولي للكتاب دون وجود مخاطر بسبب قصر مخاطر الفيروس على مدينة ووهان الصينية، ومن حسن حظ السلطنة أن المرض لم يكن أحدث ضجيجه الصاخب عالميا وقت إعلان معرض مسقط الدولي للكتاب في فبراير الماضي؛ لكن المعرض تأثر، في المقابل هناك معارض دولية للكتب في عدد من الدول العربية شهدت التأجيل والمنع مثل معرض الرياض الدولي للكتاب بعدما أعلنت المملكة العربية السعودية تأجيله إلى أجل غير مسمى، وتعليق معرض فلسطين للكتاب والذي يقام في مدينة غزة، ومعرض تونس الدولي الذي كان مقررا إقامته في إبريل المقبل، إضافة إلى تأجيل الدورة الثلاثين من معرض أبو ظبي للكتاب، وإلغاء معرض الرباط الدولي للكتاب، وتأجيل فعاليات الاحتفاء بالرباط عاصمة للثقافة الإفريقية، وتأجيل معرض بغداد الدولي للكتاب.
التدابير الاحترازية الوقائية أيضا طالت كل الفعاليات الفنية والمسرحية والغنائية لارتباطها بحدوث تجمعات بشرية كبيرة والخوف من انتقال الفيروس من المصابين إلى الأصحاء، وهو ما نال من دور السينما والمسارح ودور الأوبرا، والوسط الرياضي الذي تم حجب الجماهير عنه في بلدان كثيرة، لكن فعالياته وبطولاته استمرت.
كما تتناول وسائل الإعلام الحصيلة الاقتصادية للخسائر، ونجد اهتمامات بالنشاطات الرياضية المتوقفة أو التي ستقام دون جمهور، فإن الفعاليات الثقافية، خصوصا الكبرى منها، تحتاج هي الأخرى لإلقاء الضوء عليها، لأن خسائرها ليست مالية فقط، وإنما تتجاوز ذلك إلى ضرب الحركة الفكرية والأدبية، وحجب الإبداعات عن الوسط الثقافي، وإذا كانت الفعاليات الفنية قادرة على التعبير عن نفسها أو الترويج للإنتاج الفني عبر وسائل الإعلام والانتشار عبر تقنيات الثورة الرقمية، وإذا كان المجال الرياضي قادرا على الحفاظ على ديمومته عبر تنظيم المباريات والدورات وإجراء المنافسات الرياضية دون وجود جماهير، كأسوأ الخيارات المتاحة، فإن الثقافة مجال له خصوصيته ورواده ومفكروه، كما أنه غير جاذب لسياسات الترويج الإعلامي كالرياضة والفن، ورقميا حجمه بسيط بجوار خسائر رأس المال والأعمال، كما أن انتشار الإنتاج الثقافي يعتمد بالدرجة الأولى على الفعاليات المتخصصة التي تبرز نتاج الحركة الفكرية، وحصيلة الإبداعات الأدبية، لتبقى الثقافة منعزلة إعلاميا حتى في حالة الأوبئة، رغم أن المتضرر الأول منها هو العقل البشري القادر على الإبداع وإفادة البشرية.

إضافة تعليق

19 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.