عالم الرموز السرية

استخدم البشر منذ الأزمنة القديمة لغة "الرموز السرية". وكان الشاعر هوميروس قد تحدث عنها. وفي الوقت نفسه تزامن "الترميز" مع البحث عن "فك الرموز". هكذا عرف المسار التاريخي الإنساني نوعا من الصراع الدائم بين أولئك الذين "يخترعون" اللغة الرمزية، المشفّرة، وبين أولئك الذين يبحثون عن فكّها. والباحث هيرفي ليهنينغ، المختص في تاريخ "الترميز" يقدم كتابا تحت عنوان "عالم الرموز السرية".

والذي يبحث فيه تاريخ هذا العالم "منذ القديم حتى عصر الانترنت"، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب. إن المؤلف يقترح في هذا الكتاب نوعا من "الرحلة" إلى عوالم الرموز والطرق التي جرى استخدامها في "الترميز" خلال مختلف العصور، وفي جميع الأمكنة، كما يقدّم المؤلف سلسلة من "النماذج" التي يمكن أن تلقي الضوء على "الرسائل الرمزية، المشفّرة" بحيث تصبح "أسرار مخترعيها" مكشوفة إلى هذه الدرجة أو تلك.

ويشرح "هيرفي ليهنينغ"، كيف أن الاستخدام الشائع، والمعمم إلى درجة كبيرة، لشبكات الانترنت يجعل من "الترميز" أداة لا بد منها. ثم إن منظومات المعلوماتية ومؤسسات البطاقات البنكية والهواتف المحمولة مجهّزة كلها بمنظومات "أمنية" تواجه في بعض الأحيان "تحدّي" مكتشفين "مجهولين" يتوصلون إلى فك رموزها.

وفي كل الحالات يرمي "الترميز" إلى تحقيق هدف محدد هو "المحافظة على السرية" وعلى صحة المعلومات وإمكانية تبادلها بين الذين يعرفون "أسرار" فك رموزها. ويشير المؤلف أن أقدم "وثيقة مشفّرة" تم العثور عليها تعود إلى الأزمنة القديمة وهي عبارة عن "لوح من الفخار" وُجد في العراق ويعود تاريخه إلى القرن السادس عشر قبل العصر الميلادي. وكان أحد صانعي الفخار قد كتب عليها أشياء تخصّه عبر "تحوير" الرموز المستخدمة.

ويشير المؤلف أن الفترة الواقعة بين القرن العاشر وحتى القرن السابع قبل الميلاد عرفت تقنيات للترميز عبر تغيير موقع الحروف في الرسائل المشفّرة المتبادلة. وكان المرسل والمرسل إليه يمتلكان "أدوات متماثلة" تسمح للأول بـ"صياغة" الرسالة وللثاني بـ"فك رموزها".

وبعد استعراض عدد من المنظومات في مجال "الترميز" والانتقال من الحروف إلى الأرقام منذ القرن العاشر تقريبا تتم الإشارة إلى أن اللجوء إلى استخدام "الترميز- الشيفرة" ازدهر كثيرا خلال الحرب العالمية الأولى. وكانت الكفاءات العالية التي تمتّع فيها الفرنسيون في هذا المجال سمحت لهم بـ"فك رموز" العديد من رسائل العدو، مما وفّر لهم "أوراق رابحة" هامة. وكان الضابط الشهير "جورج كلمنصو" قد أولى أهمية استثنائية لعالم الرموز وفكّها في رسم الخطط الحربية.

أما في الحرب العالمية الثانية فقد لعب الترميز "دورا حاسما" في انتصار "الحلفاء" على "المحور". وليس انتصارهم فحسب، بل "التسريع" في ذلك الانتصار، كما ينقل عن بعض الأخصائيين. وكان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل قد اعتبر اللجوء إلى "الرسائل بالرموز" و"فكّها" أحد العوامل الرئيسية في انتصار الحلفاء.

ومن أدوات "الترميز" الأكثر شهرة في القرن العشرين هناك "الآلة الكاتبة" المعروفة باسم "اينيغما"، أي "اللغز" التي اخترعها مهندس هولندي اسمه هوغو الكسندر واستغلّها ارتور شيربيوس تجاريا في ألمانيا. والقاعدة الأساسية في عمل تلك الآلة كانت اختراع "آلة كاتبة كهربائية- ميكانيكية" بحيث أن الضغط على أي حرف على لوحة حروف الآلة يؤدي حسب دورة كهربائية إلى إضاءة مصباح صغير يدل على الحرف "الفعلي" المعادل له في الرسالة المرمّزة.

الكتاب: عالم الرموز السرية

تأليف: هيرفي ليهنينغ

الناشر: اكسيل بروكسل 2012

إضافة تعليق

5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.