عبدالحميد الطائي .. لاتحاً

فريدة وخاصة هي الكتابات العربية التي تمتح من الشعر ، الذي هو ديوان العرب قديما، ودفترها المهلهل الآن ، وتتخذ من الموروث العام قديمه الغائب ومتاحه العصي ما يؤصل لرؤى ، أو يجذر فكرة ، أو يرسم مشهدا
ويتراءى لي حين يحاورني أحد ما عن لاتحات عبدالحميد الطائى (إن صح التعبير) في افتتاح مشهد كتاباته التي تنشر بين غلافين تحت اسم (حواس حروف) وعنوان (لاتح) بمعنى عاقل أو داهية ، من أن الأزمة التى يطرحها هذا الكتاب الذي يرفل في ثياب لغوية هي أزمة لسانية عربية على وجه الخصوص ، وأنا أرى أن الأزمة أزمة إنسان لا أزمة لسان، فما الكلام إلا فعل من الأفعال التي تترجم عن الإنسان ، وهي تحمل سيماه.إن القرآن الكريم مثلاً مطبوع بطابع الربوبية، والحديث الشريف مختوم بخاتم النبوة، وكل منها يمتاز بعلامات يلحظها كل من ألقى سمعه، وكل كلام دونهما يحمل أيضاً بصمات قائله. كما حمل هذا الكتاب بصمات الكاتب عبدالحميد الطائي وروحه ورؤاه و(اللغة فكر) يعني أن اللغة وعاء الفكر. فاللغة وعاء للأمة تجعل فيه أفكارها، وثقافاتها، ومعارفها، وتاريخها، وبها تصاغ مقومات وخصائص وجودها، ولو عدنا إلى التاريخ لوجدنا أن من يبتعد عن لغته إنما يفقد ذاته.وفقدان الذات يحمل معه فقدان الثقافة، وتشتت اللغة يعني انفصام الرباط الذي يجمع بين متكلميها، والنتيجة الحتمية هي اندثار الثقافة التي يمثلونها.ونتيجة ذلك كله فإن اللغة هوية، وانتماء روحي، وارتباط معنوي، وعامل جوهري قوي لغرس محبة الأمة والتعلق بماضيها وحاضرها، وحين يحضر الطائي ليضع حاله كمحب وعاشق ومستعيد لهيمنة لغتنا العربية، فإنه يتواثب بلا مبالغة في إذكاء الحمية لاستعادة تلك اللغة وعاءا حضاريا لا ينكر في التاريخ الإنساني.والإختزال اللغوي عالي الكثافة والإشعاع الذي يمارسه الكاتب في لاتحاته فن لا يجيده كثيرون ، ويصدق فيه قول من قال: ماقل ودل، باستخدام مفردات قليلة منحوتة بعناية لا تمنح بالضرورة - معنى مكتملا ، لكنها تحرض القارىء على التأمل ومحاولة استبيان المعنى المقصود في عملية ثنائية الأبعاد للقارىء فيها دور لا يمكن اسقاطه ، وأيضا لابد أن تتوافر لديه ثقافة نسميها ثقافة القراءة.ولا أبلغ من كثافة الاختزال الدال من قوله في مقدمته القصيرة الإيقاع ، المتوثبة للصحو: (للحرف العربي.. غاية تلقين وإيصال لمعنى مبين) ثم الدال الحافظ لخبر أزمتنا الموصولة بماض في (خير اللنات) الفقرة الثانية (صناع الهوية):
لن تحدق النظر
فيما يعصر أمامك، والظمأ المغبر
لفح شفاه الطابور الطويل أمامك
وفي (نداء الهوية) حين يمركز رؤيته بالجزم بأن النسق الكامل للإنسان، أيا كان هو استواء الصوت مع الكينونة الفعلية لا مع الظل، ولن يحار المرء في ارتداء أي صوت يصاحب الظل إن تداخلت الصور عليه ومنها صورة اللغة والانسلاخ من واقع يمتص من ماض ليرفل الغد.فاللغة هي وعاء فكري ومن الطبيعي المواءمة ما بين الحياكة والنول فلا نستعين بمادة رخيصة لصنع ثوب ثمين، وهذه اللغة العربية هي ناتج ونتيجة ولسيت محركاً وهدفاً.وإذا كان الرجل الذى يحمل على عاتقه مسؤولية صحيفة يومية تصدر بالإنجليزية والمشاركة في إنتاج دوريات عربية لها حضور ملموس في المشهد الصحفي والثقافي العماني والعربي، فإن تواصل التعاطي مع قضية اللغة يظل مطروحا ضمنا في أسئلة جد هامة عن كيفية استخدام اللغة الفصحى في وسائل الإعلام استخداماً لائقاً كما يفعل الطائي، وكريماً بمعنى ما يرتبط بهذه اللغة من قواعد ونحو وصرف ومن تأسيس تركيبي ونسقي في عملية صوغ الجمل والعبارات ومكان هذه الجمل في نص باللغة العربية.هذه الإشكالية وجدت في مرحلة معينة في بدايات الصحافة المطبوعة، وكان من الأمر الطبيعي أن يكتب الصحفيون بلغة عربية صحيحة وسليمة كالتي يكتبها عبدالحميد الطائي، الذي أعتبره صاحب موقف يحمد له في استعادة هذا الزخم اللغوي والثقل الرصين لأداء اللغة الصحفية.فحين تحولت الصحافة إلى الطابع الجماهيري بدأت اللغة تشكو من عدة أمور وبدأ هناك شيء من الإهمال في عملية استخدامها ، ومن بعدها ظهرت إشكالية أخرى بظهور وسائل الاعلام الالكترونية كالإذاعة والتلفزيون ، وهي اللغة العربية والعامية، فالاعلام المسموع والمتلفز دخلت عليه مواد عديدة لا تستقيم معها اللغة العربية.إن اللغة العربية ماتزال تشهد أطواراً من التراجع والانكماش والانكفاء بالمعنى الحضاري، فحتى تكون اللغة في حالة حضارية معينة يجب أن تكون المجتمعات في نفس الحالة.وهناك ما لحق باللغة العربية من التخلي والإهمال في المؤسسات التعليمية والتربوية يتناسب عكساً مع كل الشعارات والأطروحات التي يجري تداولها حول الاهتمام باللغة العربية والتركيز عليها كأحد مكونات الهوية.وحين أطل على تلك اللاتحات في مجملها أراها كتابة نوعية، وهو مصطلح في تصوري ما يزال معبرا عن نوع محدد من الكتابة يمكن أن تمتزج فيه أنواع متعددة من الأدب حيث يمكن أن ينصهر الشعر مع السرد والحوار مع تصوير المشهد.. وهكذا، كما يوجد ما يعرض مع الحوار المسرحي جنباً إلى جنب مع المشهدية السينمائية والإيقاع الشعري.والمتوغل في لاتحات عبدالحميد الطائي يرى الكتابة التي تتمثل منجزات الأنواع المكرسة وعلى رأسها الشعر، مثل المسرح والسرد والرواية والقصة وما إلى ذلك.وكذلك هي الكتابة التي تتمثل منجزات التقنيات السينمائية أيضا، مثل القطع والتواصل والاسترجاع، وإن كان الإسترجاع هنا لغويا يحمل مشهدية تتقاطع مع دلالات إنسانية واجتماعية وسياسية ورؤيوية أيضا، وكثير من منجزات الفنون غير القولية مثل النحت والتصوير والموسيقى. هذه المفهومات الأساسية من مثل التناغم والتناسق والتنافر، وهو ما يتبدى واضحا في تلك القوالب والأطر التي اصطنعها الطائي في هارمونيات يبدو ثقيلا التوافق معها لأول وهلة، ويستتبع تلقيها لمرات أخرى ، ولكن في سياق مختلف عما يحدث في الموسيقى مثلا.وفي الكتابة عبر النوعية حسب المصطلح الذي نحته على ما أعتقد الروائي المصري إدوارد الخراط، نلاحظ تلاقي هذا الفهم مع تقسيمات الطائي لأيقوناته اللغوية المتنوعة والمتعددة والمتتابعة، ونلاحظ العناية بالجرس الصوتي وبالنسق الصوتي، كما يحدث في الأعمال الموسيقية نفسها، نلاحظ مسألة التركيب النغمي ليس فقط من حيث الصوت بل أيضا من حيث الصور ومن حيث المجازات والمشاهد. هذا التركيب الذي يقارب أو يشابه أو يتمثل التركيبات السمفونية أو تركيبات السوناتة أو التركيبات الأخرى المعروفة في الموسيقى، أقصد التنويعات والمتتاليات... الخ. ومثل ذلك في النحت أو التشكيل وما إلى ذلك.وأنا لا أعني أن المبدع الراقى عبدالحميد الطائي قام بإقحام إحدى منجزات أو تقنيات فن ما أو نوع أدبي ما بجانب الأنواع الأخرى ولكنه آثر نوعا واحدا ، فلم ينشئ نوعا من التجاور الغليظ لموضوعاته وأفكاره، ولا نتوءا أو نشازا، بل أعني شيئا صعبا هو تمثل واستيعاب هذه المنجزات المختلفة من الأنواع الأخرى ومن الفنون الأخرى تمثلا واستيعابا تأمين ثم صهرها وإدراجها في هذه الكتابة، بحيث يتكون منها شيء لا أدري هل أسميه نوعا جديدا؟ إني أتردد قليلا في ذلك وإن كنت ما أزال أرى أن هناك فوارق أو خصائص تحسم هذه المسألة أو المشكلة، بمعنى أنه حتى مع استيعاب وتمثل منجزات هذه الفنون الأخرى، فإذا كانت السردية غالبة على النص فهو ينتمي إلى الخاطرة الكثيفة، وإذا كانت الإيقاعية غالبة على النص ولو كان فيه سرد أو غيره من منجزات الفنون الأخرى فهو شعر. وقد لاحظت غياب الحوارية عن تلك النصوص ولذا غلبت المشهدية على كل المشاهد المحتشدة فكانت كشريط سينما سوريالي أحيانا.وتطرح كتابة عبدالحميد الطائي أيضا إشكالية فنية هامة يتناولها الباحثون بالدرس والتحليل وبخاصة علماء اللسانيات حين كَـثُر الحديث نهاية القرن الماضي عن مصطلح التّوليد أو التّحويل الّذي يرتكز على مفهومين أساسيين: أوّلهما قدرة المتكلّم على إنتاج جملٍ لا حصر لها من عناصر لغويّة محدودة، وثانيهما مقدرة المتلقّي على تمييز ما هو مقبول نحويّاً ممّا ليس مقبولاً. وتحقيق هذين الشّرطين هو المسمّى بالتّحويل تارةً، والتّوليد تارة أخرى.وقد نُقِلَ عن تشومسكي الّذي أفاد من تقسيم دي سوسير للّغة إلى كلام ولسان أنّه كان يسعى إلى ضرورة أن يكون النّحو قادراً على توليد كلّ الجمل الممكنة في لغة محدّدة ـ ويسمّيها اللغة موضوع الدّرس ـ وذلك من خلال استخدام عدد محدود من القواعد. في حين أنّ اللّغة أيّاً كانت تتكوّن من مجموعة محدودة من الأصوات والرّموز الكتابيّة؛ ولكنّها تُنتج أو تولّد جملا لا نهاية لها، وبالتّالي فالنّظريّة مبنيّة على ما يسمّى بلا نهائيّة اللغة. لنتأمل مثلا:
حيث لا مناجاة لتراب
حميم.. يزول وصلال
نعم**
حيث لا مناسبة
تستدعى الاحتفاء.. تم
الترويج للحنق..
كبديل مناسب**
انظر الى الايقاعية الدلالية لـ(لا) النافية بعد حيث الظرفية التي تحتمل المكانية والزمانية ، فالكلام هنا واللسان (حيث لا) في لغة اختزالية وفي قدر محدود من الأجرومية النحوية مع عدد محدود فعلا من الرموز الكتابية والأصوات أنتجت جملة لا نهاية لها في النسق الدلالي العام.ولا أريد الاستطراد في هذا الشأن اللغوي، فالأمثلة متعددة وباذخة في تعاملاتها وعطاءاتها في هذا الكتاب الافتتاحي الجميل.ولكني أود في النهاية اللحاق والإمساك ببعض الطروحات التي تراءت لي وأنا أتنقل بعفوية بين مكونات هذا السفر الأول للكاتب عند الدّلالات والمفاهيم المستفادة من مفردات اللغة وتراكيبها عندما توضع في سياقات مختلفة، حيث نجد في اللغة دلالات تتولّد عن تصريف كلمة من الكلمات، أو استخدام قاعدة ما، أو تركيب جملة بحذف أحد عناصرها أو إضافة عنصر جديد لها، وقد تتولّد الدّلالة عن كثرة الاستخدام أو عن مفاهيم مستحدثة لكلمات توارثتها الأجيال بطريقة أو بأخرى. وهذا يقوم على انفتاح دلاليّ لألفاظ محدّدة. وقد يُلمحُ في تراثنا شيءٌ من هذا المفهوم. فالسّيوطي ينقل عن الرّازيّ قوله: لا يجب أن يكون لكلّ معنى لفظ، لأنَّ المعاني الّتي يمكن أن تُعْقَلَ لا تتناهى، والألفاظ متناهية.."ولو أخضعنا تلك الرؤية على بعض المفردات الواردة فى (لاتحات) لتبين لنا مدى التوفيق فى إنتاج دلالات لها خصوبة ربيعية اجتماعية وإنسانية وسياسية وذاتية أيضا مثل:عروق اللحظات/ نهم العين/ نوايا التراص/ نماء متنقل/ سرد دامع/ وجع التطبيب/ بوابة ظمأ/ اقزام الوغى/ انشطار كلمة/.ان الكاتب يأخذنا في لاتحاته الى ما يسمى فن الاختزال التشكيلي الذي يعني تصويرا غير مكتمل، على المتلقي ان يضيف اليه ما يكسبه معنى متكاملا يختلف من مشاهد لآخر، وربما هذا ما يسعى اليه مؤلف (لاتح) الذي لايتركنا على عتبات التلقي او التحول الى مجرد (رسيفر) يستقبل معنى سابق التجهيز، بل لابد له من المشاركة في ادراك المعاني والغايات بعد الرجوع الى الاحالات اللغوية الواردة مع كل نص.. لقد القى عبدالحميد الطائي كل مفرداته - رموزه الاختزالية - احجاره الصغيرة الثقيلة في كل البحيرات اللغوية الراكدة ، ليتركنا بعد ذلك نتأمل المعاني - ردود الافعال - التي تتسع دوائرها شيئا فشيئا الى ان تتلاشى!والسفر اللاتحي مكتظ بمفردات ودلالات لا حصر لها، ولكنه بمهارة وتقنية تحسب له لم يشأ تشتيت قارئه في بحور (لاتح) جديد بل قسم سفره وجزأه، وجعل لاتحاته هي جزؤه الأخير، وبذا صار على المتلقى التنقل بحرية هنا وهناك بين الأجزاء المنشطرة الملمومة، المجزأة المضمومة، المتباعدة القريبة، المتناثرة المتراصة في كل إنساني يمور فيه السياسي العام مع الهم الخاص والاجتماعي الإصلاحي مع الأيديولوجي الانتمائي عبر ادوات متنوعة تترواح بين النصح والنصيحة، النهي والإرشاد، الإقرار والاستفهام في جولات قصيرة متلاحقة بذاتها، منتظمة بتوازيها لاستبقاء قارئ كي يتمهل للإرتشاف العذب الذي لا يضيع مذاقه وأنت تطوى الغلاف الأسود الأنيق فتستبقيك عبارته التي لا تهادن روحك، ولا تغلق تأملك:
حين يولد
حرف، تكتمل
الكلمة.. وحين
تكتمل الكلمة
تولد الجملة.. ما
الجديد فى ذلك؟فتجد نفسك تجيب بعد تنهد قصير:
الجديد؟
الجديد؟
هو أنك جديد!!
ـــــ
شوقي حافظ * نشر في جريدة " الوطن" العمانية في 16/12

إضافة تعليق