عبد الله الغذامي : ثقافة القراءة هي شرط لقراءة الثقافة

 لنجعل الصورة في خدمتنا لا أن نكون ضحية لها

علمٌ من أعلام اللغة العربية، وهامة ثقافية متفردة في تاريخ الأدب الخليجي والنقد العربي، سعى جاهدًا لإشعال جذوة الفكر العربي وإثرائه بنقده المتميز، وقاد معركة ضد التخلف والجهل في سبيل النقد البناء المبني على التساؤل والاستشكال والمحاسبة والفهم الصحيح لروح النص قبل إطلاق الأحكام العرفية.

ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا في المملكة العربية السعودية بالحداثة، وظل لعقدين أو ثلاثة من القرن المنصرم مهاجما من فئاتٍ كثيرة، رأت في نقده خروجًا عن المألوف، إلى أن تغيرت المفاهيم المجتمعية، وأصبح د. عبد الله الغذامي مؤسسة نقدية بكل معنى الكلمة، لها إستراتيجيتها العلمية والأدبية والثقافية.

)مشارف مقدسية( حاورت د. عبد الله الغذامي أستاذ النقد والنظرية في قسم اللغة العربية/ كلية الآداب- جامعة الملك سعود، والحائز على الدكتوراه من جامعة اكستر البريطانية، لتطالع أوراقه الأدبية وتقرأ رؤيته لكثير من القضايا على الساحة العربية بعامة، والسعودية بخاصة.

* د.عبد الله كيف تفسر للقارئ ماهية النقد والنظرية، وما هي الإستراتيجية المتبعة لنقد بنّاء واعٍ يقوم على المساءلة والاستشكال والوعي؟

- شكرًا لسؤال مجلة )مشارف مقدسية( حيث أشارت إلى النظرية، وهذا هو لب الموضوع؛ فالقضية المعرفية تتكئ بالدرجة الأولى على وجود نظرية، وهذه النظرية هي خلاصة معرفية تساعد على تنظيم الرؤية، وعلى إعطاء فسحة من التصور المنضبط منهجيًّا، فإذا كنا ننطلق من نظرية، وتوسمنا في المنهج بالدرجة الثانية، فحينئذٍ سيكون لدينا رؤية تقفز بنا من مفردات وتفصيلات الظاهرة الأدبية، إلى تصور كلي لموقف الإنسان من الثقافة، وعلاقة الثقافة في تكوين ذهن البشر، وما دام سؤال (مشارف مقدسية( ينص على النظرية فهو سؤال يؤسس لهذه البنية المعرفية، وهذا الذي يعطي للنقد قيمة فكرية معرفية فلسفية، وليس مجرد وسيط بين النص والقارئ.

 

من يحتاج إلى الوسيط بنظرك؟

- الناقد، وليس القارئ، لأنه يتعامل مع النص بشكل مباشر، وعلى سبيل المثال لا الحصر امرؤ القيس أُعجب به الناس دون الحاجة إلى نقاد، ومحمود درويش يستمعون لقصائده ولا يعوون لما يقوله النقاد ولا يهمهم.

* كيف نفسر النقد؟

- النقد هو نشاط معرفي، ونشاط فلسفي وفكري يتوسل بالنظرية والمنهج.

* ما هي الإستراتيجية المتّبعة في النقد؟

- النقد نوعان: نقد بنّاء، ونقد هدّام يقوم بهدم النص وإعادة بنائه، وليست عملية سلبية، وغالبًا ما تكون عملية إيجابية تشريحية، أي تقوم بنقض البنية ثم إعادة ترتيبها مرة أخرى، لمعرفة الخصائص والمزايا والسمات التي في النص نفسه، عبر تفكيكه ثم إعادة تركيبه، فإذا توسلنا بالأسس المعرفية، والتزمنا بالانضباط المنهجي، نكون أمام ثلاث فئات- ثلاث كينونات- واحدة النص، والثانية الناقد، وبينهما العنصر الثالث )المنهج(، لأن المنهج يحمي النص من سيطرة الناقد عليه، كما أنه يحمي الناقد من سيطرة النص عليه.

* هذه العلاقة المتبادلة أو الثنائية إلى أين؟

- عبر هذه الثنائية نقترب للموضوعية، وهذه الثنائية ضرورية ولا بد من ضبطها، فالنص الجيد يدعو الناقد للنظر إليه، والقارئ المتذوق والمتدرب، والمتثقف يجد نفسه مندفعًا باتجاه النصوص، وبعد ذلك نضبط العلاقة بين الطرفين، وهذا ما يفعله المنهج تحت توجيه النظرية، كونها الأساس التي يمكن أن يشتغل عليها أي ناقد.

* لكن هناك بعض النقاد يقومون بهدم فكر النص.

- هذا يحدث أحيانًا، وغير ضار بالنص، لاعتباره جزءًا من التفاعل والتبادل المعرفي داخل الثقافة نفسها، وكثيرًا ما نلاحظ من الذين يقفون في عداء ضد النصوص، هم بالتالي يخدمون النصوص، بلفت النظر إليها، والتسويق لها، وأحيانًا أخرى يستفزون طرفًا آخر للدفاع عنها، وبالتالي يحولونها إلى قضية، فنلاحظ أي فعل نقدي سواء كان بالمعنى الإيجابي، أو بالمعنى السلبي، ينتهي بخدمة النص، وفي كثير من الأحيان النقد السلبي يخدم النص خدمة أكبر، لإثارة الانتباه.

ربما للحث على الاستشكال أليس كذلك؟

- من الأشياء التي عُرفت عن )مارك توين( حين إصدار روايته ولم ينتبه لها النقاد، كان يقوم بكتابة مقالات بأسماء مستعارة ضد هذه الرواية، لأن هذا النقد هو الذي سيجلب انتباه القراء لينظروا في هذه الرواية، فأحيانًا تنتهي المسألة بخدمة النص.

* هل عملت هذا مع نفسك؟

- مطلقًا، ولا أحتاج لذلك، وبفضل من الله كانت أعمالي تجد القبول من القراء، ولن ألوم أحدًا إذا فعلها.

* هل استطعتم صناعة فكر محلّل ناقد برؤى واعية سليمة أمام جيل المستقبل من خلال تدريسكم للنقد والنظرية؟

- هناك علاقة إيجابية متبادلة بيني وبين تلاميذي، وقد استفدت من أسئلتهم الذكية،

واللماحة، وربما سؤال وليد الصدفة اللطيفة، يثير الانتباه، ويدفعني لإعطاء إجابة تفضي إلى بحث كامل في قضية من القضايا، وهذا ما أدين به لتلاميذي، و)الجاحظ( كان يقول " لا خير في علم لا يُحاضر به" لأن العلم ينمو إذا جرى تبادله وتفعيله مع الناس، مثل الأرض لا بد أن تُحرَث لاستخراج بذورها واستقبال الماء الصافي العذب، والعلم يحتاج إلى هذا النوع من التداول بين الأطراف. أتمنى من الله عز وجل أن أكون قد أسست حبًّا للأسئلة، وحبًّا للمعرفة، وحبًّا لنوع من الشجاعة العلمية والشجاعة المعرفية، كلها آمال وأهداف كبرى غرستها في جيل تعلّم على يديّ وما زال.

* أستاذ النقد لم يكن يومًا بعيدًا عن قضايا المجتمع خلال كل المراحل التاريخية، كيف يحلل د. الغذامي المتفرد في نقده، قضايا المجتمع العربي قاطبة، وما آلت إليه في الألفية الثالثة بدءًا من الإعلام؟

- في كتابي )الثقافة التلفزيونية( كان يتجه إلى قراءة الخطاب الإعلامي وخطاب الصورة وثقافة الصورة، كلها مجتمعة يفرضها التغير الثقافي على مستوى العالم، وبما أننا جزء من العالم الذي أصابه التغيير، لم تعد الناس تتأثر بقصائد أحمد شوقي أو أدونيس، بل أصبحت تتأثر بالأغاني والمسلسلات والسينما والمسرحيات، وهذه أنواع من الخطابات المهمة جدًّا والمؤثرة بالناس، يجب أن نتجه إليها وننظر فيما تفعله الصورة بتكوين المعاني في أذهان الناس.

* ما نسبة تأثير الصورة على الناس؟

لها تأثير كبير في رؤية الناس لأنفسهم، وفي رؤيتهم للعالم، فالصورة ليست بحاجة إلى مترجم ولا إلى لغة، ولا إلى مستوى لغوي، يتساوى في استقبالها الفيلسوف والعامة من الناس الأميين، ولكنهم يختلفون في عملية تأويل الصورة وتفسيرها. لذلك كان من الضروري اتجاه النقد بهذا الاتجاه، وهذا سبب وجود كتابي عن )الثقافة التلفزيونية(، ما يؤكد أننا كأمة عربية وإسلامية موجودة في أذهان العالم عبر الصورة.

* ما شكل الصورة، وهل تعتبرها إيجابية أم سلبية؟

- نبدأ بما يجري في فلسطين، إلى صور الحرب في العراق، مرورًا بصور أفغانستان، وباكستان، وما يجري بكل العالم العربي، نحن في نظر العالم عبر الصورة الحية المتحركة. هناك من يفهمنا سلبًا وهذا كبير جدًّا، وفي من يسيء إلينا وهذا موجود بكثرة للأسف، لذلك نحن بحاجة لجعل الصورة في خدمتنا، بد من أن نكون ضحية لها.

* كيف يتم ذلك؟

- بأن نكون منتجين للصور، ولسنا مادة للصور، فمن ينتج الصورة هو الذي يصنع الحدث، وعلى سبيل المثال لا الحصر )الانتفاضتان الفلسطينيتان الأولى والثانية(، صنعت الحدث، ومثّلت الصورة حركة ضخمة جدًّا على مستوى العالم، وأعطت قيمة عظمى لنا كأمة عربية، وجعلت القضية الفلسطينية حية، وعادلة، في عين القاصي والداني من العالم، وأصبحت حاضرة في أذهان الناس. عندما يتحرك الأطفال والنساء في فلسطين ضد الدبابة )الإسرائيلية( ويقفون في وجهها، هذا بحد ذاته إنتاج للصورة.

* ولكن لا يوجد أي تحرك عالمي.

- هناك تحرك حقيقي للواقع، ولأول مرة في تاريخ الأمة العربية رئيس أمريكي يتكلم عن قيام دولة فلسطينية، وهذا أمر ليس بالبسيط، لأننا كنا عاجزين بالفترة الماضية عن تحقيق اعتراف بوجود الفلسطينيين حين كانت المقولة فلسطين أرض بلا شعب، واليهود شعبٌ بلا ارض ، فلنضع اليهود في هذه الأرض، لأن الفلسطينيين في تلك الفترة يمثلون فراغًا تامًّا بالذهن » أرض البشري، لكنهم حققوا الكثير بانتفاضتهم، حتى صار على المستوى العالمي ضرورة قيام دولة فلسطينية.

* ولكن اللوبي الصهيوني شوّه الصورة عندما حول محمد الدرة إلى طفل صهيوني يُقتل بيد فلسطينية!

- هذه لعبة )حرب صور( بيننا وبينهم، ولكن الذي انتصر صورة محمد الدرة الحقيقية على مستوى العالم، والعالم يدرك كله بأن محمد الدرة قُتل برصاص )إسرائيلي(، والذي التقط الصورة وكالة الأنباء الفرنسية، وبالتالي العالم شاهد الحدث وعرف الحدث، فنحن دخلنا إلى الفكر البشري، وعبر الانتفاضة دخلنا إلى عالم الصورة.

* ماذا ينقصنا؟

- الدخول إلى العالم عبر صور أخرى مماثلة للانتفاضة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، انتصار المقاومة اللبنانية على )إسرائيل(، دخول الفضائيات العالمية لتصوير موسم الحج والحجاج، احتجاج العربي الإسلامي الشامل ضد الرسوم الدانمركية، كلها مواقف مقاومة ورفض للاعتداء بأساليب سلمية متطورة، وهذا الذي يفرض وجودنا، وما علينا إلا التركيز على الصور الإيجابية لكي نحسن صورتنا أمام العالم.

* هذا يقابله سلبيات كثيرة.

- لا أحد ينكر هذه السلبيات مطلقًا، وجود عمليات قتل وتدمير، وتهديم مساجد، وكنائس، وهذه الصور بحد ذاتها كارثة، وما علينا إلا أن نشرع بِحثِّ الجميع باتجاه الصور الإيجابية، لكي نحسن صورتنا أمام العالم.

* ما أثر الإعلام على المجتمع؟

- أثر كبير وخطير جدًّا، لأن الإعلام هو الذي يعيد صياغة المجتمع وتركيبته، فالأوربيون والأمريكيون لا يعرفوننا بشكل مباشر، وإنما يعرفوننا عبر الإعلام، ويكوّنون صورًا عنّا عبر النسخ الإعلامية، لذلك لا بد من الدخول عليهم عبر الإعلام لكي نعدّل تصوراتهم عنا.

* من خلال صناعة الصورة؟

- صناعة الصورة تملك الإنجاز الحقيقي، فالانتفاضة الفلسطينية لم تكن خدعة، أو رسما كاريكاتيريًّا، وليست إعلانًا مدفوع الثمن في إحدى الصحف الأوربية، وليست دعاية عن أحد المجتمعات العربية، فالانتفاضة كانت مقاومة حقيقية، لأناس أصحاب قضية عادلة وصحيحة.

* ولكن لا نرى العالم بصورته الإيجابية أمام ما يحدث في غزة!

- نحن أحدثنا الأخطاء، كون الصراع في غزة فلسطينيًّاـ  فلسطينيًّا، فقدمنا صورة سلبية للعالم، والإشكال لدينا، أما لو كان الوضع بين الفلسطينيين توافقيًّا متحالفًا، لقدمنا صورة رائعة للعالم، فالأخطاء التي نرتكبها تنعكس سلبًا على الصورة التي نقدمها للعالم.

* ما معنى الإعلام المسؤول؟

- هو أسوأ صيغ الإعلام، لاعتباره الإعلام الرسمي الحكومي المؤدلج، الدعائي، وهو الذي يضرنا، ويقتلنا . وإن أخذنا مثالا للانتفاضة مرة أخرى، فهي قامت بدون إعلام، ولا جهاز إعلامي، فالعالم يصورها، وما علينا إلا أن ننتج الحدث، لأن العالم سيأتي لتصوير الحدث، وأجهزة الإعلام تبحث عن أحداث لنقلها للعالم، فإذا لم يكن لدينا أحداث، لن تحدث عملية نقل طبعًا.

* ما السبيل لصناعة إعلام حقيقي؟

- أن نجعل قضايانا الحقيقية الصادقة هي القضايا الأساسية التي نتحرك من أجلها، لنصنع إعلامًا حقيقيًّا، وبمقدورنا أن نقوم بتمثيل حقيقي لقضايانا الصحيحة لننجح. أما إذا تحركنا من أجل إرضاء أطراف أخرى في العالم، لن نصنع إعلامًا، وبالتالي سنصبح تابعين.

* ماذا ينقُص الإعلام العربي؟

- ينقصه أنه إعلام عربي، وإعلام رسمي، وإعلام مؤسساتي، وإعلام حكومي.

* هذه الفضائيات التي تتوالد يومًا بعد يوم!

- الفضائيات ميزة، وميزة إيجابية، تنقذ رسمية الإعلام العربي، ولكن ما نلاحظه كلما تقدمت إحدى الفضائيات في حريتها، تراجعت بعد ذلك، لإنقاذ الذات من حرية الفضاء بسبب النزاعات العربية نفسها، ولا أحد يريد أن يسمح للآخر بأن يكون حرًّا، بعد أن صارت الصورة جميلة ذات برامج راقية جدًّا، ودرجة الحرية تتراوح أحيانًا بحسب جرعات الحرية، ولكن عبر اللعبة يستطيع المشاهد أن يرى عددًا من الفضائيات، ويستخرج من بينها أجزاء مبعثرة يشكل منها صورة.

* هناك فضائيات حرة بعيدة عن الإعلام الحكومي.

- حتى الفضائيات الحرة تقف عوائق في وجهها، وربما تُقفل، والحرية نسبية، لو بدأنا نتبعها جزءًا جزءًا سنستخلص ما نريد.

* ماذا يحتاج إعلامنا؟

- إلى حرية.

* والمثقف؟

- أيضًا يحتاج إلى حرية، وإن لم يكن الإعلام حرًّا والمثقف حرًّا، فليس هناك إعلام، وليس هناك مثقف.

* من هو المثقف؟

- الصادق الذي يستطيع أن يوصل كلمته دون أن يؤذي الآخرين، هناك فرق بين الأذية، وبين الصدق والصراحة. وهناك المثقف المأجور، الذي يعير صوته للآخرين، حتى لو لم يكن الأجر دفع الثمن، وأحيانًا يكون الأجر في تجنب ما يشاهد، وأحيانًا أخرى المثقف مقيِّد لنفسه خشية الوقوع في المشاكل. والمثقف الشجاع والحكيم والذكي يستطيع أن يحرر نفسه من إغراءات السلطة، وإغراءات الوظيفة، وإغراءات المال، وإغراءات المجاملة، سواء كانت السلطة أو المجتمع. إذا تحرر من هذه الأنماط يكون حرًّا، وإذا خضع لأي واحدة منها لن يكون حرًّا.

* مَن المثقفون ومَن الموظفون؟

- هناك علماء، لكن صعب وصفهم بالمثقفين، وهناك موظفون من الصعب وصفهم بالمثقفين، ورسميون صعب وصفهم بالمثقفين، حتى وزارات الثقافة في العالم العربي قاطبة هي وزارات موظفين، وليست وزارات مثقفين.

* أين موقع المثقف إذًا؟

- المثقف لا يصلح أن يكون في موقع الوظيفة، لأن الوظيفة تفسد المثقف، وتجعله موظفًّا، منفّذًا، وتجعله متسلطًا على الآخرين، والمثقف الذي يقبل أن يكون موظفًا يتوقف عن أن يكون مثقفًا.

* هل لدينا الكثير من هؤلاء المثقفين الحقيقيين؟

- ليسوا بالكثير، وذكرهم التاريخ في فترات، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ محمود درويش استقال من المنظمة لأنه لا يتفق مع سياساتها وكان برتبة وزير، وطه حسين في زمانه، وحمد الجاسر، وهناك أناس بالمغرب العربي وفي بلاد الشام ومصر لم يستطيعوا تغيير الأوضاع.

* والشاعر نزار قباني؟

- نزار شاعر، من الصعب أن أسميه مثقفًا؛ مثّل قصيدته، خدم قصيدته، وظل أسيرًا لخدمة قصيدته أكثر من أي شيء آخر، وهذه مشكلته.

* كيف تقرأ نزار كإنسان؟

- نزار قباني نرجسي الذاتية، وأعلى بكثير من أي شيء آخر، أختلف معه، ولكنه شاعر جميل، وراقي، وأحفظ بعضًا من شعره وأستمتع به، لكن من الصعب عليّ أن أقول عنه تنويري، أو تقدمي على الإطلاق.

* بالرغم من مفرداته الحضارية؟

- هو شخصية نرجسية ذاتية عالية جدًّا، وظل يخدمها ما أثر على دوره في المجتمع.

* هل واقعنا التعليمي في العالم العربي قادرٌ على صقل الفكر العربي؟

- يجب ألا ننتظر من التعليم أن يفعل ذلك، ويُفترض أن ننظر للتعليم على أنه يدرّب مهارات، ويصنع قدرات، وقد يدرب كوادر تخرج لخدمة المجتمع، ولا يجب أن نحمّل التعليم فوق طاقته.

* كيف تنظر للتعليم؟

- التعليم ليس مؤسسة لتخريج المثقفين، أو لتخريج المفكرين، ولن يحدث هذا، لو كان التعليم يخرّج مثقفين، ومفكرين، كان المعلمون أنفسهم من كبار المثقفين والمفكرين. إنهم مهنيون يؤدون دور المهنة، مثلما نفتح معهد لتعليم الخبازين، أو لتعليم الطباخين، أو لتعليم الفوتوغرافيين، لكن لن نستطيع تعليم واحد منهم أن يكون طباخًا عالميًّا- مبدع في المطبخ العالمي-، هذه موهبة أخرى، لأن الموهبة مختلفة عن قضية التأهيل المهني.

* إذا كان التعليم يؤهل مهنيًّا كيف يخرج المثقف؟

- المثقف، هو المفكر، يخرج بناءً على أنظمة، وعلى تأهيل، وشروط أخرى مختلفة، تبدأ من التمرد الذاتي.

* على من يتمرد؟

- المثقف، المفكر، يتمرد على المؤسسة التعليمية بحد ذاتها، لكن لا نتوقع من المؤسسات التعليمية أن تخرّج عشرين طبيبًا مقابلهم عشرين مبدعًا، وهذا مستحيل.

* لماذا؟

- المبدعون ينشؤون بشروط أخرى مختلفة

هل تعتبر أن المتمرد على ذاته هو الأفضل؟

- التمرد على الذات هو الذي يعطي أبعادًا للتجاوز الكبير، ويصنع عباقرة، لأن الإنسان يظل متجاوزًا لذاته باستمرار، ويدفع بها إلى أن تكون أعلى وأعلى. وليس التمرد على المجتمع، الذي قد يكون لمجرد الفوضى، والغوغاء، ولمجرد إِحداث إرباك اجتماعي.

* هذا يعني أن التعليم لا يستطيع إيقاظ الوعي لدى الأمة؟

- لست مراهنًا على التعليم مطلقًا لأنه مؤسسة للتربية المهنية، هو قادرٌ على أن يحقق للإنسان قدرة، ولا يمكن أن يحقق له المستوى المعرفي والفكري. الإنسان بمفرده يستطيع تحقيق ما يريد. سقراط هو من صنع نفسه، وأفلاطون من أين تخرج؟ والجاحظ والعقاد والمتنبي لم تخرجهم مدارس، وأيضًا الشاعر نزار قباني لو صنعته مدرسة، لأصبح جميع زملاء نزار مثله، وأساتذة نزار يجب أن يكونوا أحسن منه لأنهم خرّجوه، ولكن نزار تمرد على ذاته وصنع مشروعه الخاص.

* لكنك أشرت إلى ذاته النرجسية.

- تمرد على ذاته، بالرغم من أنه أنموذج عالٍ للذاتية النرجسية.

* د. عبد الله الغذامي مدرس ومؤلف ومفكر، كيف يجمع ويوفق بين ثلاث عناصر؟

- د. الغذامي في الجامعة مهني، ملتزم بشروط المهنة، وبشروط الأكاديمية كمؤسسة يعمل فيها موظفًا أكاديميًّا، وخارج الجامعة د. الغذامي مفكر حر، ولا يمكن أن يكون مفكرًا حرًّا بالجامعة نفسها، لأنه يربك التلاميذ، ولا يحقق لهم المستوى التعليمي المطلوب، لكن خارج هذا الإطار يتحرك.

* كيف تتحرك؟

- أتحرك بقدمين، أو أركض على فرسين، أحدهما الأكاديمي، والآخر المفكر الحر.

* ما هي أهم الأركان التعليمية المفقودة بواقعنا؟

- البذل الكامل على البحث العلمي وإعطاء البحث العلمي حقه؛ فالبحث العلمي مقدس في الجامعات الأوربية والأمريكية ويُعطى له الإمكانات، وبالتالي هناك مؤسسة علمية نشطة بحثيًّا، أما العالم العربي تحكمه الأنظمة الإدارية- البيروقراطية- بالرغم من وجود مراكز للأبحاث العلمية.

* هل نحن بصدد البحث عن وحدة متكاملة لعقلنة القضايا يجتمع فيها العلم والفكر والثقافة والأدب والاجتماع لتحقيق المعنى الحقيقي لكلمة )اقرأ( المقدسة من السماء، وبناء مجتمع واع لقضاياه متماسك في أموره، كون )اقرأ( نزلت للتفكر والتدبر؟

- لا شك أن )اقرأ(  نزلت للتفكر والتدبر في ذلك، لكن ليس بالإمكان على الإطلاق أن نصنع شيئًا يتضمن كل الأشياء- محال تمامًا-، ولا بد أن نركز تركيزًا شديدًا على التخصص الدقيق، وعلى التفصيل الدقيق لكي ننجح، والذي يجنح إلى جمع كل الأشياء، سينتهي به المطاف بأن لا يحصل على أي شيء، ولا بد لكل إنسان أن يخلص لكل نقطة بحثية جزيئية ويعطيها حقها كله لكي يفلح.

* ما هي الهوية الثقافية، وكيف لنا الحفاظ عليها؟

- الهوية الثقافية لها ركنان أساسان لا ثالث لهما؛ الدين واللغة، والباقي متغيرات، نحن لا نلبس مثل الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا نأكل مثلما كان يأكل، فهل يعني هذا أننا خرجنا عن ديننا وعن لغتنا؟ طبعًا لا، ولكن نخرج عن جلدنا لو تنازلنا عن ديننا، أو تنازلنا عن لغتنا، فالهوية هي في الركنين وما عداهما هي من التقاليد والأعراف، ومن الممكن أن تتغير حسب الظروف وحسب الحاجات.

* كثير من المتغيرات بدأت تبعد اللغة العربية عن الواقع!

- لا أظن ذلك، والكثير من الذين تكلموا عن تدهور اللغة العربية وحلت محلها العاميات غير مقنعين، بدليل أننا لو فتحنا أي فضائيات بجميع أشكالها سنجد مع العامة التي تُقدم في التلفزيون- ليست عامية البلد- بل لهجة عامية تقترب من الفصحى، ولا ينقصها إلا مبادئ النحو الصعبة، وبالتالي اللغة الفصحى حققت الكثير في المجالات العديدة، وتقدم كبير بالمفردات، بالمجاز، بالاستعارة، بالجمل، معظمها تتجه اتجاه الفصحى، و)النحو ( يمثل إشكالا كبيرًا وجهلًا عظيما.

* هل يمكن أن يُفقد فيما بعد؟

- قطعًا لا، ما دام هناك القرآن الكريم )إنِاَّ نحَنَ نزَّلنْاَ الذِّكر وَإنِاَّ لهَ لَحَافِظُونَ(، واللغة العربية الفصحى موجودة، والشعر موجود، والروايات بكثرة.

* لماذا الإشكال في مادة النحو؟

- لأن تدريس النحو ليس سهلا والإبقاء عليه في الذهن ليس سهلًا، ربما يستطيع الناس تمثُّله في الكتابة، ولكن من المستحيل تمثله في اللسان، هذه مشكلات صعبة وتُدخلنا في قضايا أخرى، كقضية تعليم اللغة، واكتساب النحو، ويجب أن تُخدم بأساليب متنوعة.

* إلى ماذا نحتاج في زمن الخوف، بل في زمن التناقضات الثقافية، وإلى أين سنصل؟

- نحتاج إلى الإيمان وَحده، الذي ينقل الإنسان من مآسيه العظمى ليتجاوزها، لكن الإنسان البعيد عن الإيمان يضطرب أمام الأحداث بمفرده، لعدم وجود السند المعنوي الكبير ليلجأ إليه، فإذا فُقد هذا السند تصبح المواجهة ضعيفة.

: * في حوارك مع الزميل إبراهيم العريس في صحيفة )الحياة(  قلتَ بالحرف الواحد : " نحن لن نستطيع تحرير المكان من الذاكرة، فكيف نحرر الإنسان".

هل الإنسان العربي معتقل فكريًّا؟

- الإنسان العربي ليس معتقلا فكريًّا، بل محاصر فكريًّا بالمكان، بالزمان، بالذاكرة، والإنسان العام يخضع لهذا الحصار، والمثقف الحر يحذّر من هذا الحصار.

* فصَلت في الخطاب بين الإنسان المثقف والإنسان العادي.

- لا، أنا لم أقل الإنسان المثقف، قلتُ الإنسان الحر، لأن المثقف نفسه محاصر بأشياء أخطر من ذلك.

* ما الأخطار التي تحاصر المثقف؟

- المثقف محاصر بأيديولوجياته، ومحاصر بمصالحه، ومحاصر بمخاوفه، ومحاصر بطموحاته وآماله الذاتية، ومحاصر بحساباته الخاصة، وهذا ليس إنسانًا حرًّا.

* من الإنسان الحر بنظرك؟

- هو الذي لا يسمح لأي حصار أن يتمكن منه.

* أضفتَ في الحوار نفسه أن " هناك مصيبة ما، عند الناس، لأن الناس في أيامنا هذا لا يتوقفون عن القول بأننا بحاجة إلى زعيم فرد دون أن ينتبهوا أن الثقافات الإنسانية تجاوزت مرحلة الرمز وسقطت كل الرموز" .  أليست الحضارات الإنسانية تُبنى على أكتاف أفراد؟

- هذا كان في الماضي، أما الآن لم تعد الأفراد قادرة على قيادة الجماهير.

* لماذا؟

- تغير الزمن، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ عندما كانت بغداد تحت سطوة هارون الرشيد كانت لا تعرف ما يجري في لندن، ولا ما يجري في بكين، ويمر أشهر ولا أحد يعلم شيئًا، لوجود الحد الجغرافي، والحد من الذاكرة، وحدود للأحداث، وبالتالي يمكن أن يسيطر الحاكم. أتكلم هنا عن قضية فرد يقود مجتمع، فإن لم يكن المجتمع تحت هيمنة هذا الفرد كيف يقوده؟ والإنسان اليوم في مختلف بقاع العالم هو في الأماكن الأخرى، ومقتل )بنظير بوتو( علم عنها العالم بلحظة واحدة، وتأثُّرنا للحدث يتساوى مع تأثُّر الباكستانيين، يعني لا يوجد حد فاصل، والرمز لا يتحقق إلا إذا جرى ترميزه.

* كيف يُرمز؟

- يُرمز عندما يكون هناك هيمنة من الفرد على الجماعة، فإن سقطت الهيمنة انتهى الرمز، بعدما أصبح البشر كأنهم في وطن واحد، والعالم الآن أمام خيارات وليس أمام حصر الرموز، والترميز في حالة الحصر والإحاطة. وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ أم كلثوم كانت تغني لمدة ساعتين ويسمعها الناس، أما اليوم لا يمكن أن يحدث هذا الشيء، ولا يوجد الوقت لتوفير الساعتين، وهناك البدائل بوجود 70 مطربة يغنين 70 أغنية منوعة.

* هذا الحصر هل يتبعه آليات؟

- يتبعه آليات كثيرة، أنا لو كنت من شعب هارون الرشيد لا أرى في ليلي أو نهاري غيره، ولا في خيالي غير هارون الرشيد، وبالتالي هو الرمز. إذا حجّ أصبح لدي أمل لأحج معه، وإن غزا غزوتُ معه.

* كيف نعرّف الرمز؟

 الرمز قيمة ثقافية، والقيمة الثقافية تكون محددة زمانيًّا ومكانيًّا، فإذا استحال تحديد

القيمة الثقافية زمانيًّا ومكانيًّا تصبح غير محددة، فالقيم الثقافية التي نتعامل معها الآن تأتينا من العواصم الغربية مثل ما تأتينا من العواصم العربية، وبالتالي عندي عواصم العالم كلها ومطابخ العالم كلها، وأمراض العالم كلها.

* هذا يعني لا يوجد لدينا رموز؟

- نحن وغيرنا. كان ديغول في فرنسا بوقت ما، هو الرمز المطلق، واليوم لا يوجد لديهم رمز داخل فرنسا، سنجد أناسًا يميلون إلى السياسات الأمريكية، وأناسًا يميلون إلى سياسات العالم الثالث، وأناسًا يميلون إلى العنصرية الأوربية والتفوق الأوربي.

* اختلاط الثقافات؟

- أجل، نتيجة لاختلاط الثقافات، حيث كانت الثقافات في السابق عندها حدود، كل ثقافة تنتهي عند حد وتبدأ ثقافة أخرى، فاختلطت الثقافات ولم يعد هناك رمز مطلق، وكل ما بقي ثقافة الصورة تقود الآن، على عكس الماضي، كان الفرد يقود.

* ألا نستطيع الجمع بين الرمز والقائد؟

- الرمز والقائد من مخلفات الماضي، من تركة الماضي، جون كندي لن يتكرر في أمريكا، تشرشل لن يتكرر في بريطانيا، عبد الناصر لن يتكرر عند العرب، أم كلثوم لن تتكرر، هذا لا يعني لا يوجد أصوات، ولكن لم ينجح مثل صوت أم كلثوم، لأن شروط الثقافة في زمن أم كلثوم غير شروط الثقافة في زمننا هذا.

* ما شروطنا الثقافية؟

- بعد انفتاح الحدود أصبحنا أمام عالم مفتوح، وفضاء مفتوح، يجعل الصورة هي المسيطرة، وانتهى عهد الرموز، لا يمكن استعادتها.

* ألا يوجد عقول؟

- هناك عقول، ولكنها لا تستطيع أن تمارس ما كانت تمارسه قبل خمسين عامًا.

* ما دور المثقف في المجتمع؟

- المثقف ليس له دور في ظل الفضاء المفتوح، لأن الفرد لا يستطيع الهيمنة بوجود قوة الجماهير، والجماهير أقوى من زعمائها، وأقوى من المثقفين، وقراء المثقف أقوى من المثقف نفسه، لأن الكتل البشرية تتأثر بوجوه متنوعة، ولم يعد فكرها خالٍ لاستقبال واحد، يستقبلون المئات، وهناك الخيارات، والذي يسود من هذه الخيارات هو الذي يؤثر.

* في كتابك )الخطيئة والتكفير(  تعلق الكاتبة فاطمة حسين بقولها: " إن الكتاب نزّاع إلى النقد الألسني، وهو أقرب إلى تربوي يدرك أهمية دوره في مجتمع تحتاج ذائقته الأدبية إلى قدر من الجرأة لتتفاعل مع الحياة وتتذوقها". ما هي عوامل نمو التذوق الأدبي؟

- التذوق الأدبي هو قيمة ثقافية تقليدية، والنمو يتم عبر التكوين الذاتي بالقراءة، بمقدار ما يكون هناك قراءات يكون هناك قدرة على التمييز بين الأشياء، والعقل البشري يتحرك بالقياسات، فإن لم يحدث عنده منظومة قياسات، لا يستطيع أن يتذوق، ويتعطل الذوق عنده بوجود شيء واحد، أما بوجود مجموعة أشياء يكون اختياره خاضعًا لشروط الذوق.

 

* كيف نعرف الذوق؟

- الذوق مُكون ثقافي من المنظومة الثقافية، لها أبعاد نفسية وعلمية ومصالحية، وأبعاد تأخذ برؤية الإنسان لنفسه، وللمستقبل، وللمحيط، فشكل عنده حسًّا عميقًا جدًّا يوجّه اختياراته.

* هل الذائقة الأدبية بحاجة إلى جرأة كما قالت الكاتبة؟

- الذائقة حس تلقائي بشري، لكن أحيانًا قد نقمعها بسبب سلطات أخرى أو تخوفات.

* تتغير الأفكار بتغير المرحلة العمرية أو الزمانية؟

- تتغير بالضرورة حتى مع تغير الفيروسات وتغير الجو، أن يكون الإنسان في جو حار، أو في جو بارد، أو في يوم السبت أو في يوم الأحد، كلها عوامل تُضاف لوجود الإنسان فتؤثر على منظور التركيبة الموجودة عنده.

* هل تغيرت عند الدكتور عبد الله؟

- يجب أن تتغير، لو لم تتغير لكتبت على نفسي النهاية.

* حُظيتَ بزاد معرفي وأكسبك التدريس خبرة عميقة، ماذا أضفت لطلابك؟

- كنت على درجة من الإخلاص والمحبة لطلابي بحيث قدمت لهم نفسي بكامل صورتها الإيجابية والسلبية، لكي أجعلهم ينظرون إليّ كجسر، يعبرون فوقه للضفة الأخرى، آمل أن أكون قد حققت هذا الهدف.

* تواضع زائد؟

- محاولة لجعل التجربة الذاتية أنموذجًا للآخرين لينظروا فيها- ولا أقول ليستفيدوا- وليبنوا مواقفهم بناء على هذا النمط.

* أنتَ راضٍ عما قدمت؟

- إلى حد ما راضٍ، لكن مهما كان الإنسان راضيًا، يتوق إلى الأفضل، والرضا عن الذات يجعل الذات تتوقف عن مزيد من العطاء.

* أحيانًا يقول البعض: إن الدكتور الغذامي لا يختلف مع الآخرين بنقده بل مع أفكاره أحيانًا؟

- هذا صحيح، ومن قاله صادق، ويقرأ عملي بطريقة جيدة.

* كيف يقرأ د. الغذامي الأدب النسوي في العالم العرب، ولماذا اخترت في بحثك النسوي هذا الاستشكال؟

- هناك تقدم ضخم في كتابة المرأة العربية بالرغم من تأخرها عن الكتابة، في كل الثقافات، ونستطيع أن نحدد متى بدأت المرأة الكتابة، ومتى دخلت المدرسة، ومن أول كاتبة، ومن أول صحافية، ومن أول طبيبة، بينما في عالم الرجال لا نستطيع القول مثل هذا الكلام، فهي دخلت متأخرة ومرت بظروف صعبة، وواجهت كيانًا كبيرًا جدًّا على مر العصور، لذلك كان من المهم النظر في الطريقة التي دخلت المرأة فيها إلى الكتابة وكيف مرت بمراحل. لقد جاء التقدم عاديًّا، ورفيعًا جدًّا، ومفيدًا للثقافة الإنسانية والثقافة المجتمعية، لأنه أعطى عينًا أخرى على الكون، كان الكون ينظر بعين واحدة وأصبحت هناك عين أخرى تساعد، وقد تصل بنا بيوم من الأيام إلى أن ينظر الكون بعينين.

* كيف ترى الحراك الأدبي النسائي السعودي؟

- لا يمكن أن يختلف عن الحراك الأدبي العربي لأن العالم العربي كتلة واحدة يتأثر في بعضه البعض، ولو تذهب )مشارف مقدسية( لأي كاتبة سعودية، وتستعرض قراءاتها، ستجد % 90 منها لكاتبات عربيات، كونهن دخلنَ بالتقلبات والتحولات نفسها، كما هي موجودة في أي ركن عربي، في القصة، في الرواية، في الكتابة، في الصحافة، في الإعلام، وعمومًا لا أنظر أبدًا إلى جنسية معينة، بل أنظر إلى امرأة عربية.

* ماذا تقصد في كتابك )المرأة واللغة( عندما تقول فيه:" طريق المرأة العربية إلى موقع   إبداعي لن يكون إلا عبر المحاولة الواعية نحو تأسيس قيمة إبداعية للفحولة وتنافس من خلال كتابة تحمل سمات الأنوثة، وتقدمها بالنص اللغوي لا على أنها استرجال،  أي قيمة إبداعية، تجعل الأنوثة مصطلحًا إبداعيًّا بإزاء مصطلح الفحولة" ..؟

- بكل تأكيد، لأن الرجال هم صانعو الثقافة، وبالتالي القيم الثقافية هي قيم فحولية، هذه مادة مصنوعة، فإن دخلت المرأة لتلبس القيم الفحولية أو للسعي لتقويتها فهي لا تقدم شيئًا، لأنها قيمة مخدومة اصلا، إنما المرأة ستقدم صورة إبداعية وقوية وتخدم الثقافة، إذا قدمت القيمة الأنثوية، أي تأنيث اللغة مقابل تفحيل اللغة، يكون الإنجاز ضخما، وهو يحدث الآن بالتدريج، ويحتاج إلى مسافة، لأننا نواجه ثقافة عمرها قرون، بثقافة لا تزال عمرها عشرات السنين، فنحتاج إلى زخم كبير وقوة في العطاء والإبداع لكي نحقق هذه الذروة مقابل الذروة الأخرى.

* لماذا هذا التصنيف لغويًّا، وكيف نوفق بينهما؟

- إذا لم نفعل فسنلغي المرأة، فالمرأة تؤسس القيم الأنثوية، والرجل قد أسس القيم الفحولية، فلسنا بحاجة إلى توفيق بل بحاجة إلى جهد إبداعي ينتج إيجابيًّا بهذا الاتجاه مثل ما أُنتج في الاتجاه الآخر.

المفكر الديني د. عدنان باحارث يقول: " إن المرأة إنسان كامل إلا من الأنوثة"

كيف تفسرها؟

- هذه لعبة لغوية، لا يوجد فيها حقيقة علمية، ولا حقيقة دينية، ولا حقيقة اجتماعية، فأنا لا أنسى اللعب اللفظية.

* لماذا تفرق بين إبداع المرأة وإبداع الرجل؟

- يجب التفريق، فإذا لا نفرق لا نعطي المرأة حقها في الإنجاز. يجب أن نفرق لكي نعي مقدار ما تنجزه المرأة ونقدر هذا الإنجاز، ونوفق بهذا الإنجاز.

* كيف تقيم هذا الإنجاز؟

- الإنجاز يُقيّم بمشاهدة الأعمال التي تتحرر فيها المرأة من الاسترجال، من محاكاة الرجل.

* كل الأديبات العربيات مسترجلات؟

- طبعًا لا، هناك % 10 فقط منهن، و% 90 لا يقدمن إنجازًا ثقافيًّا ومعرفيًّا حقيقيًّا، ومن يحقق إنجازًا معرفيًّا حقيقيًّا أولئك النساء اللواتي يؤسسن لقيم تمثل الأنوثة كقيمة عليا وليست قيمة دنيا.

* مَن من هؤلاء اللواتي أسسن لقيم عليا؟

- منهنّ: مي زيادة/ باحثة البادية/ شادية عالم/ أميمة الخميس/ نازك الملائكة/ فدوى طوقان/ سلمى الجيوسي.

 

* غادة السمان ألم تؤسس لقيم عليا؟

- غادة السمان لديها مشكلة، أنها احتقرت الأنوثة في نصوصها، لذلك أخفقت في تحقيق هذا الجانب.

* تقصد )الأستاذ طلعت( احتقرت الأنوثة؟

- أجل في كتابها )الأستاذ طلعت(  حولت الأنوثة إلى رجل وصارت تعطي قي عليا لسلوكات الرجل المذكر، ووقفت ضد خصائص المرأة من الحمل والولادة ورضاعة الأطفال، واعتبرتها أشياء معيبة تضر بالجسد المؤنث، وهذه الأشياء الأساسية لكينونة الأنثى كجسد معطاء للقوة، قللت من قيمة الخصائص العظمى للأنثى، وهذا ضد مشروع التاريخ.

* د. عبد الله الغذامي الإنسان هل يفرق بين المرأة والرجل؟

- أفرق بمعنى الإيجاب، وليس التفريق للتقليل من شأنها عند بعض الأطراف، وهناك ثلاثة أشياء للتفريق الصحيح، عندما نقول إن الرجل أفضل من المرأة فهذه خطيئة كبرى، والمساواة بين الرجل والمرأة بمعنى دمج المرأة بالرجل يعني إلغاؤها بلغة أخرى وهذه خطيئة كبرى. التفريق بين المرأة والرجل يتم على أساس أن المرأة كينونة إنسانية لها سماتها ومواصفاتها الخاصة، والرجل له كينونته الإنسانية وصفاته الخاصة، وكل واحد مختلف عن الآخر من الطرفين بصفات هي خصائص، ليست عيوبًا وليست حسنات، لا فرق بين الإنسان الطويل والإنسان القصير، ولا أفضل من واحد على الآخر، فهذا انحياز عنصري، ولو قلت إن الطويل يختلف عن القصير ولكل واحد له خاصية، هذا لا يعني أن الطويل أذكى، ولا القصير أغبى، كلاهما يمكن أن ينتج صفاته الحسنة أو القبيحة، فلا يمكن أن نقول: إن المرأة أقل من

الرجل بمعنى أن كل ما تفعله المرأة دونيّ، وكل ما يفعله الرجل ممتاز. برأي المرأة لها سمات وخصائص، والرجل له سمات وخصائص، عبر هذه السمات والخصائص ممكن أن تكون المرأة فاضلة وعظيمة ومنتجة، وممكن ألا تكون كذلك، والرجل كذلك بالسمات الموجودة عنده يمكن أن يكون فاضلا وعظيما ومنتجًا، وقد يكون طاغيةً وجبارًا ومنتقما وقاتلا، فإذن يجب أن نفرق ما بين السمات والخصائص المختلفة، وما بين الأفعال، وتُنسب الناس إلى أفعالها، وليس إلى صفات سابغة عليها.

* إلى أين سيصل د. الغذامي في نقده؟

- لا يمكن أن أقول لي هدف سأصل إليه؛ لأن النقد هو هدف متحول باستمرار، وسنظل نجري وراء أهدافنا، لا نهاية للأهداف ولا حد لها، لذلك يجب أن نسعى باستمرار لأن نقول هناك وراء الأكمة أكمة، وهناك وراء الأخرى أخرى وثالثة ورابعة، إلى أن يؤدي الإنسان وظيفته في هذا الكون، ويستلم الراية شخص آخر.

 

* لدينا أزمة ثقافية؟

- عندنا أزمات كثيرة ولا يمكن أن يصبح أحد في المجتمع بخير وبقيته معيبة، والمجتمع كالجسد )إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء(، والثقافة بدون أزمة لا تعمل، فإن كانت بحالة استرخاء لا تنتج، فالأزمة هي تحفيز للعقل، مما أودعه الله في الإنسان- ولما تحمّل الإنسان الأمانة، أبَين السموات والأرض والجبال حملها، وحملها الإنسان- فمسؤولية الإنسان كبيرة، والذي لديه أزمة ينتج ويتحرك، أما الإنسان الذي لديه راحة، يقول العرب عنه: » اليأس إحدى الراحتين «.

* أيهما يرى د. الغذامي ثقافة القراءة أم قراءة الثقافة؟

- كلاهما، ثقافة القراءة هي شرط لقراءة الثقافة، ولا يمكن أن تتحقق قراءة الثقافة إلا بعد أن نعبر مرحلة ثقافة القراءة.

* ألدينا مشكلة في ثقافة القراءة؟

- لا أظن ذلك مع العلم كل الناس تقول هذا الكلام، وكل ما أعتقده أن الناس تقرأ، لكن الفارق ماذا يقرؤون؟ فالكتاب الديني منتشر ويُقرأ، والكتب الرياضية تُقرأ، وكتب الموضة، والمجلات الملونة، وبالتالي هناك أنواع من القراءات بعضها قوي جدًّا، وبعضها ضعيف جدًّا، فإذا فكرنا بالقراءات الجماهيرية سنجدها مساحتها عريضة وواحد من الكتب لأحد المشايخ باع أكثر من مليوني نسخة وحقق رقما عاليًا في المبيعات، لذا من الصعب أن نقول مجتمعنا لا يقرأ، لكن علينا أن نقول: ماذا يقرأ مجتمعنا؟ هذا سؤال عن نوعية المقروء- أي قراءة الثقافة- وليس عن عدم وجود قراءة.

* الإبداع الأنثوي، والإبداع الفحولي، ما دوره في تركيبة المجتمع وثقافته؟

- إذا اجتمع الإبداعان، وعملا مع بعضهما البعض، لا شك أننا سنكون أمام مجتمع إيجابي ومعطاء، أما إذا رجح أحداهما على الآخر، أو أصبح فيهما ركود، لاشك أن الأمور في حالة تردي.

* بأي أسلوب تتعامل مع بناتك؟

- أنا صديق لبناتي، وحياتي العائلية مبينة على الصداقة، أي أمارس ذاتي، بعيدًا عن التصنع حالة الغضب والرضا والجد والمزاح، وهنّ يستقبلن مني كل شيء، غضبي إذا غضبت، عنادي إذا عاندت، جدي إذا كنت جادًّا.

* سارت إحداهنّ على طريقك؟

- مطلقًا، الأولى أدب إنجليزي، والثانية فنانة تشكيلية، والثالثة رياض أطفال، والرابعة فنانة تشكيلية، والخامسة في المرحلة الثانوية.

* نجاح مع ستة نساء، وللزوجة دور كبير في هذا النجاح، هل لك أن تحدثنا؟

- حياتي إيجابية مع زوجة أعطتني وما زالت تعطيني وقتًا لأن أعمل على كتبي، وأعمالي، وأنا مدين لزوجتي بهذا الوقت التي حصلت عليه للعمل. سافرت معي لكل بلدان العالم من أجل العمل، والبعض كان يعتبر سفرنا بداعي السياحة، ولكن معظم سفري كان للعمل حتى في فصل الصيف.

* أتتقبل نقدها؟

- هي شديدة النقد وأقبله بصدر رحب، ولا ترحمني.

* تابعت تحصيلها العلمي إلى جانبك، ماذا قدمت للعائلة؟

- بالتأكيد، درست في بريطانيا وفي أمريكا، وركزت على دورات اللغة، والفن التشكيلي، وأيضًا التربية الاجتماعية، وعلى ثقافة الغذاء الصحي، والوقاية الصحية، أي ركزت على الجوانب لتأسيس بنية عائلية صالحة.

حاورته: آمنة بدر الدين الحلبي

 

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.