عبد الوهاب المسيري عاشق لدمشق لم يمهله الأجل

دعوتُه ليحاضر في مكتبة الأسد، في إطار فعالياتها الثقافية إبان معرض الكتاب، فأجابني بلغة العاشق المتيم: دمشق لا أملك أن أرد لها طلباً.

اتصل بي الدكتور علي العايدي مدير مكتبة الأسد، صباح الخميس الثالث من تموز (يوليو) 2008، وكنت قد رتبت معه موعد المحاضرة وموضوعها؛ يقول لي بأسى : مات المسيري..

لم أستسغ الخبر، قلت: لكنه وعدني!! قال: سبقه الأجل.. تذكرت على الفور أن المسيري عندما وعدني علَّق وعده على الأجل..

لم يكن المسيري إنساناً عادياً ؛ لم تقنعه عشرات الكتب التي ألفها ونشرت له، وهو يصارع المرض العضال..

فعندما زار دمشق في نيسان (أبريل) من عام 2007 بدعوة من دار الفكر، ليحضر حفل تكريمها له، كان يتحدث عن عشر كتب يخطط لتأليفها..

لم يكن يجهل خطورة مرضه، ولم يكن يتجاهله.. كان يتحدث عنه عرضاً- كلما اقتضت مستلزمات معالجته غياباً أو سفراً- كما لو أنه أمر عادي، أو شأن خاص لا يستحق التفصيل فيه أو التوقف عنده، أو الإشفاق منه.

كان همه كله منصرفاً للبحث والتأليف، وعلى الرغم من أن المسيري كان فيلسوفاً متعمقاً نقد مسلمات الفلسفة الغربية، وقدم مقارباته الرصينة حول الحداثة وما بعد الحداثة، وحاور فيهما نظراءه من كبار الفلاسفة والمفكرين الغربيين، وعلى الرغم من التنوع المذهل في ثقافته وإنتاجه الفكري، وفي الشرائح العمرية التي يكتب لها؛ من مرحلة الطفولة إلى مراحل النضج، وفي المستويات الثقافية التي يتوجه إليها؛ من التخصص الدقيق للخواص إلى التبسيط الواضح للعموم، وفي الأنواع الأدبية التي يقدم فكره عبرها؛ من النص الأكاديمي، إلى النثر القصصي، والشعر الرائع.. على الرغم من كل ذلك، فقد كانت اليهودية والصهيونية وإسرائيل هاجسه الأكبر، كرس لها جُلَّ عمره واهتمامه، حفر حولها حتى بلغ منها الجذور، ودَرَس واقعها حتى تعرَّت له من كل أقنعتها الزائفة، واستشرف مستقبلها وحدد نهاياتها كما لو أنه يراها رأي العين..

أخضع أبحاثه كلها عنها إلى منهجية علمية صارمة؛ جعلتها بمثابة القوانين التي تحكم مسيرة التاريخ البشري.. كان النظر إلى استنتاجاته - بوصفها نبوءات حالمة مثل النبوءات الأسطورية المؤسسة لدولة إسرائيل - يغضبه أيما غضب؛ يرى فيه اختزالاً لمنهجيته العلمية التي يخضع أبحاثه واستنتاجاته لها.

لا يتسع المجال لتعداد أعماله الموسوعية الكبرى، وشذرات أفكاره متعددة الألوان والأحجام والأشكال والموضوعات، ولا للإحاطة بمواهبه وبسيرته المتميزة الفريدة التي يندر أن يجود بمثلها الزمان.

ففي الكتاب الذي قدمته دار الفكر في حفل تكريمه ما يغني عن البيان. (عبد الوهاب المسيري: دراسات مختارة في فكره): ذلك هو عنوان الكتاب الثامن الذي أصدرته دار الفكر في سلسلتها (علماء مكرمون) اختارت أربعة وعشرين كاتباً من صفوة أصدقائه ونقاده ليكتبوا عنه أبحاثهم كما رأوه في عيونهم..

كتبوا عن المسيري: صائد الذئاب المتلونة، وفيلسوف المفكرين والبسطاء، والطفل الجميل المشاغب.. كتبوا عن رحلة المسيري من عالم النقد الأدبي إلى عالم الفكر، ومن المعلوماتية إلى الرؤية المعرفية، ومن النموذج المعرفي إلى النموذج الحضاري، وعن الاجتهاد التوليدي في خطابه، وعن ثنائية الحياة والموت في فكره، وعن التداخل النصي في قصص الأطفال عنده، وعن مشروعه اللغوي ووحشية النموذج المعرفي الغربي في نظره، عن أسئلة المنهج في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية).. تحدثوا عن المسيري: المبدع، منشئ فقه التقدم، العاشق الهائم في بستان الحب، حامل أوجاع الفقراء المقهورين، الحالم بغد الفردوس الأممي، ومملكة الألوان.. تحدثوا عن مراياه المكتظة بالأحزان الأولى، وبأفراح اللحظة الغائبة المنسية، أنشدوا من شعره:  

لو كان لي ألف ذراع          

لو كان لي ألف قدم            

لضممت الأرض إلى صدري         

وأغمضت عيني في شغف          

فوق الجبل سأصلب ذاتي

حتى يصعد شدوي لكم

شدوي بدر للعشاق

يبزغ في جنات الحب

ماذا أفعل؟

إذا كانت الشرارة تبرق في عقلي

فتفتح أبواب السماء التي لا سقف لها؟

وأرى الخلود الأشيب.

فعن طريق السؤال تبدأ رحلة المعرفة.

***

سألعق الصديد يا بحيرة الحجر.

وأشرب التراب والدخان من خور.

بحيرةَ الحجر..

يا بحيرة السكون!!

لا تهب الريح في شواطئ العدم..

***

أرى أيدي الأخطبوط تعصرني، وتقودني إلى النبع الأسود.

 طويل هو الطريق المؤدي خارج الجحيم.

 شكوت إليه بؤسي وحزني،

وأخبرته عن جرحي،

وعن قلبي

 الذي لا يسأم التحليق

، فابتسم

انفجرت باكياً

فابتسم

ثم سمعته يهمس في أذني: 

ابنَ آدم!!

أنت في مركز العالم.

فلتقف ثابتاً!

لا تتزحزح!

لقد استخلفك الله في الأرض.

 انفرجت أساريري،

 ولم أخرج من الحلم.

 ***

لم يكتبوا عن المسيري الفنان، ما أشدّ ما يُظلم الفن بين أيدي المفكرين؟ هل يمكن لشاعر مرهف الحس إلا أن يكون فناناً؟! 

 كنت كلما زرته في دارته بمصر الجديدة، أتوقف عند كل لوحة أو تحفة علقها على جدران الدرج، أو زينت حيطان بيته من الداخل.. وعندما جاءنا في دمشق لتكريمه ، كانت الحميدية والأزقة المحيطة بالجامع الأموي عشقه؛ يتبرم مرافقوه من كثرة توقفه عند كل دكان تلفت نظره، فيها: ساعة جيب عتيقة، ولوحة أنيقة، وعلبة موزاييك دمشقية، فتتدخل  زوجته د. هدى حجازي برفق لإنقاذهم من طول التوقف.

يقول في مقدمته لقصيدة الملاح القديم لصمويل تايلور كوليردج، وقد ترجمها وعلق عليها وأغناها بعشرين لوحة فنية كلف برسمها رباب نمر:

 " لقد سحرني الجانب المرئي الواضح للقصيدة، فقد كان  كوليردج يحلم بكلمات كالأشياء، فتصبح الكلمة المجردة هي ذاتها الصورة المحسوسة".

 لم يمهل القدر دمشق أن تسعد بزيارة عاشقها  المسيري، في عامها الذي توجت فيه عاصمة للثقافة العربية، لكنها طربت به ومنحته من حنانها وجمالها ما لم يجده  في حيٍّه، فبادلها حباً بحب وإحساناً بإحسان.

أما دار الفكر فقد أسعدها كثيراً، أن تكون قد اقتطفت في العام 2007 آخر بسمات هذا القلب الكبير.

 

محمد عدنان سالم

 9/7/2008

 

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.