عبد الوهاب المسيري والخطاب الإسلامي الجديد (5)

الحقل الثالث الذي كانت اسهامات المسيري الفكرية فيه حاسمة هو حقل الدراسة حول العلمانية:

والعلمانية مصطلح من أهم المصطلحات ذائعة الصيت في الخطاب التحليلي الاجتماعي والسياسي والفلسفي الحديث في الشرق والغرب، ويثير هذا المصطلح إشكالية كبيرة في الفكر المعاصر سواء في الغرب أو في الشرق لأنه يشير إلى أكثر من مدلول، فله رؤية جزئية تذهب إلى وجوب فصل الدين عن الدولة، كما أن له رؤية شاملة ذات بُعد معرفي تحاول تحديد علاقة الدين بكل مجالات الحياة وتنكر وجوده في أسوأ حال أو تهمشه في أحسنه، أو بمعنى أدق تقوم على فصل الدين عن الحياة وليس عن الدولة أو البعد السياسي فقط للحياة.

يرى عبد الوهاب المسيري أن فصل الدين عن الدولة عملية موجودة في كل المجتمعات، ومن الممكن القبول بالفصل أي علمنة المجال السياسي إذا كانت المرجعية النهائية للمجتمع هي القيمة المطلقة (أخلاقية – إنسانية – دينية) وليس صالح الدولة أو المصالح الاقتصادية.

كما يرى المسيري أن علم الاجتماع الغربي لم يستطع تطوير نموذج شامل ومركب للمصطلح من منظور إنساني عالمي مقارن، لذا نحاول الوصول إلى نموذج تفسيري مركب وشامل للعلمانية من خلال طرح التعريفات المعجمية ودراسة وصف المفكرين الغربيين لمعالم النموذج المتحقق في المجتمعات العلمانية الغربية الحديثة، وكذلك المصطلحات التي استخدموها في عملية الوصف ثم تفكيك وإعادة تركيب لها لإبراز وتوضيح أبعادها المعرفية والنموذج الكامن وراءها حتى تبين الوحدة الكامنة وراء تعددها أي تعريف العلمانية.

والنموذج التحليلي التفسيري المركب الشامل الذي يقترحه المسيري يفرق بين نوعين من العلمانية على جهة تحديد المصطلح هما: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.

العلمانية الجزئية: هي: رؤية جزئية للواقع (براجماتية – إجرائية) لا تتعامل مع الأبعاد الكامنة والنهائية والمعرفية من ثم لا تتسم بالشمول.

أما العلمانية الشاملة: فهي رؤية متماسكة الأبعاد، رؤية تضطلع بتفسير العالم ككل، وتصلح لأن تكون فلسفة قائمة بذاتها فهي في حقيقتها رؤية شاملة للواقع ذات بعد معرفي كلي ونهائي تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات الميتافيزيقية بكل مجالات الحياة فإما أن تنكر وجودها تمامًا في أسوأ حال أو تهمشها في أحسنه، وترى العالم باعتباره ماديًا زمانيًا كل ما فيه في حالة حركة، ومن ثم فهو نسبي، ويتفرع عن هذه الرؤية منظومات معرفية (الحواس والواقع المادي مصدر المعرفة)، وأخلاقية (المعرفة المادية هي المصدر الوحيد للأخلاق) وتاريخية (التاريخ يتبع مسارًا واحدًا وإن اتبع مسارات مختلفة فإن سيؤدي في نهاية الأمر إلى نفس النقطة النهائية). (انظر: العلمانية الشاملة، رؤية معرفية، وكذلك مناظرته مع عزيز العظمة في: حوارات لقرن جديد، العلمانية تحت المجهر، دمشق: دار الفكر، 2000).

وربما كان جهد المسيري الفكري على صعيد قضية العلمانية وتوضيح أهم خلفياتها الفكرية وتجليتها الفلسفية والحضارية من أهم إنجازاته بعد جهده على صعيد قضية الصهيونية واليهودية والدولة الإسرائيلية.

أمّا الحقل الرابع الذي اجتهد فيه المسيري اجتهادا مشهودًا فهو العمل على تأكيد نسبية الفكر الغربي: حيث اتسم اطلاع المسيري على الفكر الغربي بالعمق الشديد، فهو من أهم من تخصصوا في عالمنا العربي في دراسة الفكر الغربي وخاصة في طبعته الأمريكية لتخصصه الأكاديمي في الأدب الإنجليزي، ودراسته في أمريكا.

يقول المسيري: "إذا كان الغرب قد تحول إلى مطلق فيجب أن يستعيد نسبيته وتاريخيته وزمنيته، وإذا كان يشغل المركز فيجب أن يصبح مرة أخرى عنصرًا واحدًا ضمن عناصر أخرى تكوّن عالم الإنسان، وإذا كان يعتبر نفسه عالميا وعاما فيجب أن نبين خصوصيته ومحليته، أي أن الغرب يجب أن يصبح "غربيا" مرة أخرى لا عالميا، وهذا لا يمكن أن يتم إلا باستعادة المنظور العالمي المقارن بحيث يصبح التشكيل الحضاري الغربي واحدًا له خصوصيته وسماته تماما مثلما لكل التشكيلات الأخرى خصوصياتها وسماتها". (مشروع الفكر الغربي، رؤية نقدية، الفكر الإسلامي، نشرة المعهد العالي للفكر الإسلامي، العدد 15، يوليو 1994، ص 30).

ولقد انعكست عملية تأكيد نسبية الفكر الغربي في تطوير الخطاب الإسلامي، فلم يعد الغرب "مطلق" بل استعاد: نسبيته، وتاريخيته، وزمنيته.

ولقد مكّن الاطلاع العميق للمسيري على الفكر الغربي إلى إدراكه عمق الأزمة التي يعيشها العالم الغربي ابتداء من حربين كبيرتين شاركت فيهما معظم الدول الغربية (وإن سميت زورًا وبهتانا حروبًا عالميا رغم أن أطرافها وأغلب الأرض التي جرت عليها غربية) وانتهاءً بمشاكل الحضارة الغربية الكثيرة مثل تآكل مؤسسة الأسرة بل وتلاشيها، وانتشار الإيدز، والمخدرات، وتزايد اغتراب الإنسان الغربي عن ذاته وعن بيئته، وبروز الفكر الغربي الاحتجاجي الذي بدأ يكتسب مزيدًا من المركزية والمصداقية.

لقد كانت رؤية الخطاب الإسلامي للغرب اختزالية إلى أقصى حد، فغالبًا ما يكون المقصود بالغرب هو: "تحالف صليبي صهيوني استعماري".

كما تختزل العلاقة مع الغرب على المستوى السياسي المباشر، ولم تكن تتضمن كتابات الظاهرة الإسلامية نقدًا علميًا رصينا للأبعاد والخلفيات الفلسفية والمعرفية التي تقدمها للعلوم الاجتماعية والتي تكمن خلف سياسات الغرب ومعطياته الحضارية وتوجهاته العدوانية، وإذا تضافر هذا مع المبالغة في التقليل من شأن التفوق المادي للغرب والتحقير من شأن هذا التفوق ومن تمكن منه من عالم اليوم، فإن الأمر يزداد سطحية في التعامل مع الغرب (هشام جعفر، العمل الإسلامي بين الطرح السياسي والطرح الحضاري) ذلك الكل الواحد الذي ما فتئت الكتابات الإسلامية تتكلم عنه باعتباره واحدا مصمتا لا تباينات تشقه ولا اختلافات حادة تقسم واحديته، فجاءت اسهامات المسيري في تطوير الخطاب الإسلامي على هذا الصعيد تسد تلك الثغرة المعرفية والفلسفية وقدمت نقدًا علميًا رصينا للأبعاد والخلفيات المعرفية للحضارة الغربية فكان خطابه أكثر تركيبا وثراء وإحاطة بالظاهرة، ذلك أن عملية تحول الغرب من مركز مطلق إلى أحد التشكيلات الحضارية تجعل من الممكن علينا أن ننظر إليه براحة دون قلق إذ ليس علينا قبوله بخيره وشره (كما يفعل دعاة التغريب) أو رفضه بقضه وقضيضه (كما يفعل الغلاة) وإنما يمكننا دراسته كمتتالية حضارية بما تتسم به من سلبيات وإيجابيات.

رحم الله عبد الوهاب المسيري، فبمثل هذه النوعية من الرجال تعيش الأمم. 

إضافة تعليق

2 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.