عبد الوهاب المسيري.. وحوارات عن العلمانية والحداثة

الإنسان كائن يوجد داخله ماهو متجاوز للسطح المادي والحتميات التاريخية والبيولوجية).
نتيجة توصل إليها من بدأ رحلته المعرفية علمانياً مادياً، ليخلع ثوبه المادي، منحازاً إلى أن ظاهرة الإنسان لا يمكن تفسيرها إلا باللجوء لنماذج غير مادية، منتشياً بيقين الخالق عبر المخلوق..
(الإنسان هو المؤشر على وجود الله في عالم المادة والطبيعة والزمن والتاريخ).
أدرك الدكتور عبد الوهاب المسيري، عبر منهجه القائم على قراءة الأحداث والتطورات المتلاحقة المحيطة بالإنسان، أن التفسير هو أهم مراحل الفهم، ولأجل ذلك تتبع أسلوباً تفسيرياً مبنياً على النقد والتحليل.
فهمه للعالم ورؤيته للكون قامت على اكتشافه أن الحياة الإنسانية مركبة، رافضاً مبدأ الواحدية (أحادية الأبعاد) وكل تفرعاتها (الجوهر الواحد- البعد الواحد- عبادة الطبيعة- عبادة التكنولوجيا-عبادة العقل- عبادة العاطفة- عبادة المثالية الخالصة- عبادة الروحية الخالصة..) كلها على ما يرى عناصر متكاملة متناقضة، تكون الكائن الفريد- الإنسان، الذي تأتي أهميته من أنه يقع في مركز التقاطع بين كل هذه العناصر.. والتقاطع هنا يعني التركيب، فالإنسان (كائن مركّب لا يمكنه أن يعيش إلا داخل حياة مركبة لاهي بالمادية الدنيوية ولاهي بالروحية الآخروية).
التقاطع يتمثل في عدم إنكاره الدنيا وضرورة فهمها والتمتع بها، وبذات الوقت يتبدى هذا التقاطع بعدم ذوبانه في اللذة والاستهلاكية، لأنهما يدمران حدود الإنسان. يجتهد المسيري بتقديم تعريفات جديدة للكثير من المصطلحات التي نتوهم أننا ندركها وفق معطيات العصر الحديث.. لم يخطر ببالنا التساؤل، هل بقيت تلك المفاهيم والمصطلحات متناسبة مع تطورات الحياة.. ألم يدخلها التغيير والتبدل هي الأخرى كما طبيعة الأشياء.
في كتاب (العلمانية والحداثة والعولمة) الصادر حديثاً عن دار الفكر، تجتمع الكثير من الحوارات الراصدة لآراء المفكر الموسوعي الدكتور عبد الوهاب المسيري، الذي حقق انجازاً غير مسبوق في دراسته التشريحية لليهود واليهودية والصهيونية في موسوعته الشهيرة. تلاحظ سوزان حرفي محررة الكتاب أنه من خلال كل الحوارات التي أجريت مع المسيري طوال أربعة عقود كانت ذات القضايا تتكرر، الأسئلة والإشكاليات، السجالات الفكرية والسياسية الدائرة في العالم العربي والإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن الحادي والعشرين، هي ذاتها، لم تتغير ولم يحسم الموقف منها.
ولكن خارج هذه الدائرة- دائرة العالم العربي الإسلامي- تبقى ميزة المسيري عرضه لتعريفات جديدة، تفريقه مابين التعريفات الوردية وما تحقق بالفعل في الواقع، وضمن ذلك يأتي بحثه عن تعريف جديد للعلمانية.
عرفت العلمانية في أواخر القرن التاسع عشر بقولهم (هي فصل الدين عن الدولة)، الدولة في ذلك الوقت كان لها مضمون تاريخي وحضاري محدد، كانت دولة صغيرة وكياناً ضعيفاً.. إلا أنها الآن تعملقت و توغلت- على حد قول المسيري- تطورت فيها مؤسسات أمنية وتربوية ذات طابع أخطبوطي، أصبحت دولة باستطالات أخطبوطية، الإعلام تعملق وتغول فيها هو الآخر، وأصبح قادراً على التدخل بأخص خصوصيات الإنسان.. والنتيجة اختفاء الحياة الخاصة، إذاً كيف يمكن الحديث عن فصل الدين عند الدولة.. (آليات العلمنة لم تعد الدولة وحسب، وإنما آليات أخرى كثيرة، لم يضعها عن سكوا تعريف العلمانية في الحسبان من أهمها الإعلام والسوق.. ولذا حينما نستخدم لفظ علماني فهو لا يشير إلى الواقع، وإنما للتعريف الذي تخطاه الواقع).
فرق المسيري بين ما سماه (العلمانية الجزئية) وهي فصل الدين عن الدولة من ناحية، وبين ما سماه (العلمانية الشاملة) من ناحية أخرى، وهي رؤية شاملة للكون بكل مستوياته ومجالاته، لا تفصل الدين عن الدولة وحسب، وإنما تفصل كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن كل جوانب الحياة العامة. بداية، ثم عن كل جوانب الحياة الخاصة نهاية، إلى أن يتم نزع القداسة عن العالم، أي أن يتحول العالم (الإنسان والطبيعة) إلى مادة استعمالية. هي رؤية شاملة لأنها تشمل كلاً من الحياة العامة والخاصة.
على نفس المنوال يقدم المسيري فهمه الخاص لمعنى الحداثة التي تعرف (استخدام العقل والعلم والتقنية في التعامل مع الواقع).. ويعرفها هو (استخدام العقل والعلم والتقنية المنفصلين عن القيمة في التعامل مع الواقع). وهو البعد المعادي للإنسان، استخدامها خارج أي نطاق إنساني أو أخلاقي.
فالحداثة المحققة في عالم الغرب هي حداثة تسقط أي قيمة، بمعنى أنه لا يوجد أي معايير بين إنسانية أو أخلاقية أو دينية، وهو ما تقوم عليه الدولة الأميركية، هي لا تميز بين الإنسان والأشياء، والقيمة الوحيدة التي تعترف بها هي القوة.
لميس علي
جريدة الثورة
27/9/2009

إضافة تعليق