عبد الوهاب المسيري وحوارات في الثقافة والمنهج...

أغنى عبد الوهاب المسيري حياتنا الثقافية والفكرية بأعماله الإبداعية و التأليفية، وهو من المفكرين الذين جمعوا مابين الأصالة والحداثة وليس هذا فقط بل إنه قدم أعمالاً موسوعية استغرقت منه جهداً وزمناً طويلاً، وبالوقت نفسه لم يهمل مشروعه الإبداعي (قصة وشعر وأدب أطفال...)

ولا  نأتي بجديد إذا قلنا: إنه من الذين أحبوا دمشق وبادلته دمشق الحب بالحب وفاء بوفاء، إذ احتضنت موسوعته الشهيرة (الصهيونية واليهودية) يوم تهرب الكثيرون من مد يد العون إليه.‏

قبل وفاته بفترة قصيرة زار دمشق وكان مما قاله: إنه لا يستطيع مهما كانت أحواله الصحية إلا أن يلبي نداء دمشق...

ودمشق اليوم تحتفي به عبر إبداعه ونشر ما بقي من تراثه الذي لم ير النور، إذ أقدمت دار الفكر في دمشق على طبع أربعة كتب حوارية كانت قد أجريت مع الراحل، وقد أشرنا إلى بعضها سابقاً.‏

حررت الكتب: سوزان حرفي وصدرت كما أسلفت في دمشق ، عن دار الفكر الجزء الأول من هذه جاء تحت عنوان: الثقافة والمنهج...‏ كتاب رحلة في فكر المسيري وآرائه وهو المعروف بسعة إطلاعه على التيارات الفكرية الحداثية ومابعد الحداثية، ومن المفكرين الذين فككوا الكثير من طلاسم العولمة وأشاروا إلى مكامن الخطر ونقاط القوة، وقدم وجهات نظر مهمة للاستفادة مما يجري على الساحة العالمية، وبالوقت نفسه وضع خطوات للتقليل من مخاطر هذه العولمة المتوحشة.‏ إذا كنا لا نستطيع الإحاطة بمحتويات الكتاب كلها فإن الواجب يقتضي منا أن نقدم مختارات من أسئلة تؤرق المشتغلين في المجال الفكري ومما لاشك فيه أن لدى المسيري الجديد الذي يقوله في هذا المجال.‏

 العرب ونوبل...

أعلنت منذ أيام نتائج نوبل للآداب العالمية لعام 2009 م وذهبت إلى الأدب الألماني، وهذا ما جعلني كون الموسم حديثاً وثرثرة حولها جعلني أبدأ باختيار السؤال الذي وجه إلى المسيري ليكون البداية.‏ طبعاً يتحدث بداية عن ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى الانكليزية أو الفرنسية واللغات التي يقال عنها عالمية...

ويرى أن ترجمة الأعمال الأدبية العربية إلى اللغات الأجنبية ليس لها بالنسبة لنا مردود ثقافي، وإنما مردود إعلامي، ونرجو أن يتفاعل بعض المثقفين الغربيين مع هذه الأعمال، فلعلها تثري تجربتهم وتوسع آفاقهم كما يفعل مؤلفونا مع ما يقع في أيديهم من أعمال أدبية أجنبية، فوفق معلوماتي لا تزال مثل هذه الأعمال الأدبية العربية المترجمة إلى اللغات الأوروبية محل اهتمام المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط. وأعتقد أن هذا غير صحي بالنسبة إلى العالم الغربي، إذ لماذا لا يهتمون بأعمال الكاتب العربي والقضايا النقدية التي يثيرها النقد العربي مثلما ننشغل نحن بآخر صيحة عندهم وآخر ما تخرجه المطابع، وبالبنيوية وما بعدها الاهتمام بالآخر دون الهوس به مسألة صحية للغاية.‏

وعن نوبل يقول: يجب أن نتذكر أننا لم نحقق العالمية من خلال جائزة نوبل كما يقال، واللغة العربية لم تصبح لغة عالمية بسبب أن هيئة ما في السويد وجدت أن من المناسب منح الجائزة لأديب عربي مصري، فعالمية أدبنا إن كان حقاً عالمياً وهو كذلك في تصوري - مزية كامنة فيه لا تضاف إليه من قبل هيئة غربية يقال لها عالمية، ولا يمكن لأي هيئة مهما أوتيت من قوة وسلطان أن تمنحنا ما ليس فينا!‏ أما بالنسبة إلى اللغة العربية فهي لغة يتحدث بها الملايين وهي اللغة التي أنزل بها القرآن الكريم، وقد أثرت العربية كذلك في كثير من اللغات مثل التركية والفارسية و السواحلية والأردي ولا أعتقد أن جائزة نوبل تفوق في أهميتها كل هذه العناصر الزمنية والدينية، وبالمناسبة هناك مؤلفون منحوا جائزة نوبل ثم طواهم النسيان تماماً مثل: بول هايس، وهو مؤلف يهودي ألماني منح الجائزة عام 1910م ولا يأتي ذكره الآن إلا في الدراسات المتخصصة وفي الكتب عن جائزة نوبل.‏

 ومع هذا يمكن القول: إن اللغة الانجليزية قد أصبحت ما يشبه اللغة العالمية فهي لغة الاقتصاد والعلاقات الدولية، ولذا إذا أردنا التوجه لشعوب آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية فإن اللغة الانكليزية مع الأسف هي سبيلنا إلى ذلك ومن هنا تكمن أهمية ترجمة أهم الأعمال الأدبية والفكرية العربية إلى اللغة الانكليزية.‏

المسيري شاعراً...‏

وحول ديوانه الشعري الذي حمل عنوان: الخبرة والحيرة والبراءة قال: ديوان الشعر الذي نشرته هو القصائد التي كتبتها عبر الأربعين عاماً الماضية واحتفظت بها في درج مكتبي، أنا أعرف أن هذه القصائد قد يكون لها جمالها الخاص، ولكنها ليست من عيون الشعر.‏ وقد اطلع بعض أصدقائي على هذه القصائد وبدؤوا يشيرون عليّ بضرورة نشرها وخاصة أنها تعبر عن تطوري الفكري، شأنها شأن رحلتي الفكرية وقد أحجمت بعض الوقت ولكن بعد نشر رحلتي الفكرية... وبعد أن وجدت اهتمام القراء بتطوري الفكري وبسيرتي غير الذاتية وغير الموضوعية رأيت أن الديوان يمكن أن يكون مكملاً لرحلتي الفكرية، ومن هنا تسميتي له بأنه سيرة شعرية شبه ذاتية شبه موضوعية.

خلاصة القول....‏ الكتاب رحلة ممتعة وشائقة مع فكر المسيري ولابد من الإشارة إلى ما قالته محررة الكتاب في مقدمتها، إذ أشارت إلى الدفاع الذي قدمه المسيري عن الهوية إذ قالت: كان دفاع المسيري عن الهوية لكونها السلاح وبداية الطريق ليس من باب الكلام المرسل أو الشعارات التي يرددها بصدق كثير من مثقفي الأمة وإنما عن دراية بسبل تأكيد الهوية، فقد رأى المسيري أن أولى خطوات النهضة هي إعادة الثقة فيما نملك، فلدينا قيمة مطلقة من استخلافنا في الأرض إلى جانب قيم واقعية متمثلة في الموروث الحضاري والقيمي، وثانية الخطوات هي إعادة تعريف الآخر وفقاً لما يطرحه والنتائج التي يحصدها من هذا الطرح وعدم الاكتفاء بتعريفه وفقاً لما يفرضه من تحذيرات ثم الوقوف والتحرك في الحاضر صوب المستقبل تسوده قيم الإنسانية المشتركة وليس الفردوس الأرضي المزعوم.‏  

نشر في جريدة الثورة

الخميس 15-10-2009م
ديب علي حسن

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.