عجائب السماء تبتسم لهواة التصوير الفلكي

قال الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في كتابه “أفكار”: “الصمت الأبدي لهذا الفضاء اللانهائي يخيفني ويشعرني بالرهبة” . إذا كان هذا الفضاء يرهب باسكال، فإنه يدعونا إلى التأمل والتفكر واغتنام الفرصة لتجسيد هذا التأمل على هيئة صور رائعة تظهر عظمة ملكوت الله في هذا الكون الشاسع . وربما هذا يعيدنا إلى العام 1512 عندما فجر البولندي نيكولاس كوبرنيكوس الذي كان راهباً وعالم رياضيات وفلكياً وقانونياً وطبيباً وإدارياً ودبلوماسياً وجندياً بولندياً، مسألة مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها في كتابه “في ثورات الأجواء السماوية” .
كان كوبرنيكوس ينظر إلى الفلك نظرة الهواية، لكنه مع ذلك صاغ إحدى أهم النظريات في التاريخ محدثاً ثورة في علم الفلك وبالتالي في العلم المعاصر، مشجعاً العلماء والباحثين على تحدي القوانين السائدة . أنفق كوبرنيك 20 عاماً من العمل على نظرية مركزية الشمس وكان عمله الأساسي تحت عنوان “عن دوران الأجرام السماوية” وانتهى منه في عام ،1539 وظهر عمله هذا لأول مرة في عام 1543 في مدينة فيرمبورك قبل وفاته بعدة سنوات . وكوبرنيكوس كان يمكنه أن يثبت صحة نظريته لو كان يمتلك آنذاك كاميرا ليلتقط صورة للسماء، وبالتحديد للنجم القطبي كما فعل أحد الهواة في ولاية ميتشغان الأمريكية عندما ترك عدسة كاميرته مفتوحة لأكثر من نصف ساعة ليجسد حقيقة لا مناص منها وهي أن الأرض هي التي تدور، والدليل على ذلك أن هذا الدوران يظهر في الصورة على هيئة دوائر ضوئية حول النجم القطبي التي تبدو أنها ساكنة في مكانها (ظاهريا بالطبع)، وذلك لأنها توجد على امتداد محور دوران الأرض الوهمي الذي تدور حوله . أما ما نشاهده في الصورة من ألوان صفراء طيارة فهي حشرات سِراجُ الليْل التي كانت تحلق في المكان لحظة التقاط الصورة لتكون جزءاً من هذا النور الذي يملأ الكون .
وفي الولايات المتحدة أيضاً حيث التقط أحد الهواة في كاليفورنيا صورة تجمع بين الأرض والسماء، فالأولى تجسدها شجرة صنوبر معمرة يزيد عمرها على 4000 سنة والسماء يجسدها نور مجرتنا درب التبانة الذي انطلق منذ 30000 سنة وهو الزمن اللازم لقطع مسافة 30000 سنة ضوئية تفصلنا نحن سكان الأرض عن مركز المجرة . ومن المعلوم أن الموقع الطرفي للأرض يمكننا من مشاهدة المجرة بأكملها من الجانب لأن مجرتنا في الأصل عبارة عن قرص حلزوني الشكل يبلغ قطره 80000 سنة ضوئية ويحوي ما بين 200 -400 مليار نجم . هذه الصورة التي التقطها أحد الهواة احتاجت منه إلى سنتين من العمل ليصادف وقت اصطفاف المجرة في السمت فوق قمة جبل بيتون في جزيرة الرينيون الفرنسية الذي يعتبر أصلا فوهة لبركان قديم خامد .
وفي الجبال التي تحيط بمحطة ناكانو للرياضات الشتوية في اليابان يخيم برد زمهريري تتجمد فيه شلالات المياه وفي نفس الفصل تتزين السماء بأجمل الكوكبات النجمية وهي كوكبة الجبار (أوريون) وكوكبة برج الثور والعنقود النجمي (الثريا) . ومن المعروف أن نجوم هذه الكوكبات ذات لون أزرق وهو ما يشير في علم الفيزياء الفلكية إلى أنها نجوم ساخنة ملتهبة أي فتية شابة وعملاقة حيث تصل درجة الحرارة على سطحها إلى 30000 درجة مئوية . وكل نجم في علم الفلك له لونه الذي يدل على درجة حرارة سطحه وعلى عمره . ومجرتنا تزخر بكل أنواع النجوم ومن يتأملها في إحدى ليالي الصيف أو الشتاء، ويحاول أن يلتقط لها صورة من فوق أحد الجبال كجبل أولوداج (جبل الرهبان) في تركيا الذي يعتبر أعلى قمة في غرب البلاد ويبلغ ارتفاعه 2543 متراً، يمكنه أن يوجد علاقة بين أضواء المدن وأضواء النجوم بشى ألوانها، خاصة إذا كانت درجة حساسية الكاميرا عالية جداً، فعند ذلك يمكن أن تظهر درب التبانة على هيئة شريط أبيض يعبر السماء ليجسد بالفعل التسمية التي أطلقها الأقدمون عليها بدرب اللبانة أو التبانة .
دار الخليج

إضافة تعليق