عدالة في قبضة السلطة": قراءة في كتاب : "تقويض استقلال القضاء في سوريا في عهد الأسد الأب والابن وسبل الإصلاح".

يُشكّل القضاء في أي دولة حديثة صمام الأمان لحماية الحقوق والحريات، إلا أن الحالة السورية تقدم نموذجاً مغايراً تماماً؛ حيث تحول النظام القضائي عبر عقود من مؤسسة مستقلة إلى أداة لترسيخ السيطرة السياسية والأمنية.
وفي كتابه الجديد الصادر عن "دار الفكر" بدمشق، يسلط الباحث الدكتور فضل عبد الغني الضوء على هذه التحولات في دراسة معمقة بعنوان: "تقويض استقلال القضاء في سوريا في عهد الأسد الأب والابن وسبل الإصلاح".
يرصد الكتاب الآليات الممنهجة التي اتبعتها السلطة التنفيذية لتحويل "ميزان العدالة" إلى "سوط" لقمع المعارضة وتهميش المجتمع المدني، متناولاً المسار الزمني لهذا التدهور.
الجذور التاريخية: من الدستور إلى الطوارئ
بدأت رحلة التراجع، كما يوضح د. فضل عبد الغني، مع صعود حزب البعث عام 1963 وإعلان حالة الطوارئ، التي كانت أطول حالة طوارئ في التاريخ المعاصر. هذا الإعلان وفر الغطاء القانوني للالتفاف على الضمانات الدستورية ومنح الأجهزة الأمنية سلطات شبه مطلقة. ومع وصول حافظ الأسد للسلطة عام 1971 وإقرار دستور 1973، تكرست التبعية المطلقة؛ حيث نصت المادة الثامنة على أن الحزب هو "قائد الدولة والمجتمع"، ومُنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة شملت رئاسة مجلس القضاء الأعلى وتعيين القضاة وعزلهم.
حقبة "الوريث": وعود الإصلاح والمحاكم البديلة
عند تولي بشار الأسد السلطة عام 2000، سادت آمال في تحديث الإدارة، إلا أن هذه الوعود بقيت ضمن التعديلات الشكلية التي لم تمس جوهر الهيمنة الأمنية. ومع اندلاع احتجاجات 2011، زاد التغول الأمني بشكل غير مسبوق. ورغم إلغاء محكمة أمن الدولة العليا، تم استبدالها بـ "محكمة مكافحة الإرهاب" عام 2012، والتي اعتمدت تشريعات فضفاضة سمحت بملاحقة الناشطين السلميين تحت غطاء قانوني مشدد.
المحاكم الاستثنائية: "غرف مظلمة" خارج القانون
تُبرز الدراسة دور المحاكم الاستثنائية، مثل محكمة قضايا الإرهاب والمحاكم الميدانية العسكرية، في شرعنة الانتهاكات. وتعتمد هذه المحاكم بشكل أساسي على اعترافات منتزعة تحت التعذيب، وتفتقر لأبسط معايير المحاكمة العادلة. كما منحت المراسيم التشريعية (مثل المرسوم 14 لعام 1969 والمرسوم 64 لعام 2008) حصانة كاملة لعناصر الأمن، مما كرس ثقافة الإفلات من العقاب.
آليات التحكم والتفكك المؤسسي
لا تقتصر الهيمنة على النصوص، بل تمتد إلى "الموافقات الأمنية" التي أصبحت شرطاً لكل ممارسة حقوقية، بالإضافة إلى السيطرة على نقابة المحامين. وأدى تدهور الرواتب وانعدام الأمن الوظيفي للقضاة إلى تفشي الفساد المالي، حيث أصبحت الرشوة وسيلة لتسريع الإجراءات أو تخفيف الأحكام.
طريق الإصلاح: استعادة هيبة القانون
يخلص الدكتور فضل عبد الغني في دراسته إلى أن أي تحول سياسي ناجح في سوريا يتطلب إصلاحاً جذرياً للنظام القضائي كحجر زاوية، ويقترح جملة من الحلول منها:
- إعادة هيكلة مجلس القضاء الأعلى وفصل رئاسته عن السلطة التنفيذية.
- إلغاء المحاكم الاستثنائية والمراسيم التي تمنح الحصانة للأجهزة الأمنية.
- ضمان الاستقلال المالي والإداري للقضاة لتعزيز نزاهتهم.
إن بناء دولة حديثة في سوريا يمر حتماً عبر نظام قضائي مستقل يحمي الحقوق، ويضمن خضوع الجميع للمساءلة، بعيداً عن منطق التخوين والتهميش الذي ساد لعقود.
عن الكاتب
الدكتور فضل عبد الغني هو باحث حقوقي سوري، متخصص في القانون الدولي (ماجستير من جامعة دي مونتفورت، بريطانيا). يشغل منصب المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، وله إسهامات واسعة في توثيق الانتهاكات وتقديم الشهادات أمام الأمم المتحدة والهيئات الدولية. يُعد من أبرز الموثقين للانتهاكات القانونية والحقوقية في سوريا، وقد نال الجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023 تقديراً لجهوده الأكاديمية والحقوقية.

إضافة تعليق