عقوبة القذف لمن يتهمون الناس بالباطل

أكد علماء دين أن شريعتنا الإسلامية ترفض وتدين نشر شائعات مغرضة ونقل وتداول أخبار وبيانات غير موثقة من شأنها إلحاق الأذى بفرد أو جماعة أو مؤسسة، وأوضحوا أن الشريعة الإسلامية جاءت بعقوبات رادعة لكل من يشوه صورة الشرفاء ويتهم الأبرياء، وتطبيق هذه العقوبات الآن من شأنه حماية المجتمع من الانفلات الإعلامي وحماية حقوق كل أفراد المجتمع .
“الخليج” طرحت قضية الانفلات الإعلامي وما يترتب عليها من تداعيات خطيرة على عدد من علماء الإسلام لبيان التأثير السلبي للإعلام المنفلت في المجتمع، وتوضيح القيم والأخلاقيات التي جاء بها الإسلام لضبط الممارسة الإعلامية، والعقوبات التي جاءت بها الشريعة لردع كل من يلحق أذى بآخرين عن طريق النشر والتشهير، فماذا قال علماء الإسلام؟
د .إسماعيل الدفتار، أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، يؤكد أن تشويه سمعة الشرفاء عن طريق نشر الشائعات والاتهامات العشوائية من أقبح الرذائل التي شاعت في بلادنا العربية والإسلامية، فالإسلام يرفض رفضا تاما اتهام الناس بما ليس فيهم، وإحاطتهم بالشائعات الكاذبة لتشويه سمعتهم والنيل من مكانتهم والانتقام منهم .
ويوضح د .الدفتار أن رذيلة اتهام الناس بالباطل وإحاطتهم بالشائعات الكاذبة اعتبرها الإسلام من مظاهر الفسق والفجور، فالحق سبحانه وتعالى يحذر في كتابه العزيز من هؤلاء الفسقة، الذين يحاولون الإساءة إلى الشرفاء بما يرددونه عنهم من أقوال ظالمة وأوصاف غير صحيحة وسلوكيات قبيحة لم تصدر عنهم فيقول: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”، كما يؤكد الحق سبحانه وتعالى مسؤولية الإنسان عن كل ما ينقله مما سمعه ورآه، ويحذره من نقل أو إشاعة ما ليس له به علم يقيني فيقول عزوجل: “ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا”، وينبه الخالق عز وجل إلى الرجوع إلى المصدر الصحيح للتأكد من صدق ما يشاع فيقول: “وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم” .
وإلى جانب هذه النصوص القرآنية التي تفرض على المسلم أن يتأكد من صحة وصدق كل ما يصدر عنه حتى لا يتهم الآخرين بما ليس فيهم ويشيع معلومات مضللة عن الناس، جاء تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر الخطير، الذي يحول المجتمع إلى فوضى فيقول عليه الصلاة والسلام: “أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة هو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال” أي بالدليل على صحة ما ردده وأشاعه بين الناس .
فوضى الإعلام
الدكتور جمال النجار أستاذ الإعلام الإسلامي بجامعة الأزهر يؤكد أن المجتمعات العربية والإسلامية أصبحت للأسف ساحة مفتوحة لكل أشكال الشائعات المغرضة والمعلومات المضللة، فلا تنتشر الشائعات والأكاذيب والافتراءات من خلال كل وسائل النشر في المجتمعات المتحضرة التي تمارس حرية حقيقية، كما يحدث الآن في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية، وهذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات غير الصحيحة أو غير الدقيقة المتداولة في مجتمعاتنا يكفي لتدميرها من الداخل، فالشائعات المغرضة والبيانات غير الصحيحة تدمر معنويات الناس وتصرفهم عن العمل الجاد، وتضعف في نفوسهم قيمة الولاء والانتماء للوطن، فمادام الكل يسرق وينهب ويخرب ويدمر ويهدر المال العام ويسطو عليه، فلماذا نعمل نحن بأمانة وإخلاص ونحرص على المال العام ونقسو على أنفسنا من أجل إجادة العمل؟
وينبه الدكتور النجار إلى أمر مهم، وهو أن الحرية الإعلامية في بلادنا العربية والإسلامية تحولت في بعض المجتمعات إلى فوضى، فكثير من الصحف تتسابق في نشر شائعات وتكهنات وانطباعات ومعلومات غير دقيقة وبيانات غير صحيحة، وهذا يصيب الناس بالإحباط واليأس وعدم تصديق كل ما يتردد من تصريحات وما يعلن من برامج للإصلاح السياسي أو الاجتماعي ومواجهة الفساد بكل أشكاله .
وهذه الفوضى الخلاقة تضر باستقرار مجتمعاتنا، وهي تؤكد أن الحرية الإعلامية والسياسية في بعض دول عالمنا العربي تسير في الطريق الخطأ ولا تحقق الأهداف المرجوة منها، ولا تستفيد من التجربة الغربية .
ويؤكد أستاذ الإعلام الإسلامي أن الإسلام مع الحرية المسؤولة، واستمتاع الإنسان بكل حقوقه السياسية والدينية والفكرية، ومع حرية الرأي والإبداع والتفكير السليم وليس مع حرية الفوضى، وحرية الهدم وحرية اتهام الناس بالباطل، وحرية التطاول على ثوابت الدين وعلى الرموز الدينية والوطنية، كما يحدث الآن في بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية .
ويشير أستاذ الإعلام الإسلامي بجامعة الأزهر إلى ضرورة الالتزام بميثاق الشرف الصحفي والإعلامي، الذي يستمد مبادئه وأصوله من تعاليم الإسلام وأحكامه ويقول: حتى نقضي على كل هذه الفوضى ونحفظ للشرفاء حقوقهم في حياة كريمة من دون شائعات مغرضة ومن دون إسفاف وتطاول ومن هنا لا بد من أن نلتزم بميثاق الشرف الإعلامي الذي يفرض علينا أن نتحرى الصدق والأمانة والموضوعية قبل نقل خبر أو ترديد معلومات أو نشر ما يسيء إلى سمعة الشرفاء .
هذا الميثاق الإعلامي الإسلامي الذي يدعو إلى الالتزام به أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر ليس كيانا هلاميا بل هو موجود ومتداول ومنشور وصدر عن العديد من مؤتمرات الإعلام الإسلامي، وهو يكفل كل الحريات الإعلامية والفكرية والثقافية ولكنه يضعها في إطارها الصحيح، ويحدد لها ضوابط وقواعد حتى لا تخرج عن أهدافها وتتحول الحرية في يد المنفلتين والعابثين إلى وسيلة هدم وظلم وإرهاب .
العقوبة الشرعية
العالم الراحل فرحات المنجي كان له رأي في هذه القضية حيث قال: إن المواجهة الجادة لكل مظاهر الانحراف الإعلامي والفكري الذي يمارسه البعض عن عمد للإضرار بمجتمعاتهم تتمثل في تطبيق العقوبات الإسلامية، فالإسلام وضع لكل جريمة عقوبة، وعقوبة الذين يتهمون الناس بالباطل ويشوهون سمعتهم ويحاولون النيل من كرامتهم عن طريق نشر الأكاذيب واختلاق الوقائع وإلصاق التهم الباطلة بهم كما يحدث الآن في كثير من بلادنا العربية والإسلامية معروفة وواضحة وهي العقوبة الشرعية لجريمة القذف .
وعلينا أن نتأمل قول الحق سبحانه وتعالى: “والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم”، ولو طبقنا ما جاءت به هذه الآية الكريمة على عدد محدود من الناس لاختفت من مجتمعاتنا كل صور قذف الشرفاء واتهامهم ظلما وعدوانا بما ليس فيهم .
وتساءل الشيخ المنجي، رحمه الله: كم جريمة قذف ترتكب يومياً في وسائل إعلامنا؟ كم ضحية يقع يوميا في بلادنا باسم الحرية الإعلامية؟ كم امرأة شريفة شوهت سمعتها من دون وجه حق باسم حرية الصحافة والإعلام؟
لقد أرسى الإسلام كل قواعد وأسس وضوابط الحريات حتى تحقق أهدافها في حياة الناس دون عدوان على الحرمات، ومن دون أن تستغل لتصفية حسابات بين خصوم أو متنافسين في ميادين السياسة أو الاقتصاد أو الرياضة أو غير ذلك من ميادين المنافسة التي يجب أن تكون شريفة وحضارية وبعيدة عن كل السلوكيات الشاذة والمرفوضة في ميزان شريعتنا الإسلامية السمحة .
حماية الأعراض
سألت الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث الإسلامية: أليست عقوبة القذف قاسية ولا تتناسب مع المناخ العام الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية؟ قال: الهدف من أي عقوبة أن تكون رادعة، وعقوبة جريمة القذف في شريعتنا الإسلامية ليست قاسية، فلا يمكن أن يكون الحق قاسياً على عباده وهو الرؤوف الرحيم بكل خلقه مهما ارتكبوا من جرائم وقبائح، والهدف من تشديد هذه العقوبة هو حماية أعراض المسلمين والمسلمات من ألسنة السوء وصيانتهم من كل ما يخدش كرامتهم ويجرح عفافهم، فأقسى شيء على النفوس الحرة الشريفة الطاهرة أن تلصق بها التهم الباطلة .
ويرى أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر أن ترك ألسنة بعض الناس تنهش أعراض الشرفاء على رأس الرذائل التي تؤدي إلى فساد المجتمع، ولذلك لا بد من عقوبات رادعة تخرس هذه الألسنة وتردع أصحابها، ولن نجد أنسب من تشريعات الإسلام وعقوباته .

إضافة تعليق