علاقة التنمية البشرية بثقافة المحبة

موضوعان كبيران يشكلان المساحة الأوسع في الحياة الثقافية العربية العامة منذ أواسط القرن الماضي وحتى الآن، أولهما ثقافة التنمية وثانيهما ثقافة الحب.
تمت الدعوة إلى إعادة صياغة السياسات الثقافية في إطار احترام الخصوصيات ودعم الهوية الوطنية والحضارية ضمن تعميق مفهوم الثقافة العربية وتأكيد الانتماء الوطني لها بحكم تمثيلها للعمق الثقافي الإنساني الحضاري المنفتح على الثقافة الإنسانية ككل.

وشكل مشروع العواصم الثقافية العربية والإسلامية مجالاً مهماً لهذا الأمر، الأمر الذي فتح فضاءات واسعة لجهود إبداعية في مختلف أوجه المنظومة الثقافية، وانطلاقاً من أن التركيز على المفهوم الثقافي وترسيخه كان يهدف باستمرار إلى إدماج الثقافة في جوهر عملية التنمية.

 أما موضوع ثقافة الحب والذي شكل أيضاً مجالاً كبيراً لأبحاث النخب الثقافية في المجتمع العربي وعقدت من أجله مؤتمرات وحلقات بحث كان من أهمها مؤتمر ثقافة الحب والكراهية الذي عقدته جامعة فيلاديلفيا الأردنية في مؤتمرها الثالث عشر والذي تضمن محاور عن الحب الصوفي والحب والكراهية في الإطار الديني وفي الأدب واللغة وفي الإطار الاجتماعي والفنون ووسائل الإعلام والاتصال والذي خلص إلى الاهتمام بثقافة الحب وتعزيز مبادئها وقيمها في مجمل المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والإعلامية منها.

 كما أكد على الدور الواضح والمفصلي للنخب الثقافية والفكرية والإعلامية في نشر ثقافة الحب بين الجمهور العام لتكون أساساً للتفكير والسلوك وبناء العلاقات الفردية والجماعية.

 وركّز على موقف الثقافة العربية من الحب والإشادة بالمؤلفات التراثية المتخصّصة في هذا المجال والدعوة إلى إعادة نشرها وترويجها بين القرّاء والجمهور انطلاقاً من أن الاهتمام بثقافة الحب يعزز محبة الناس لأوطانهم وحقهم المشروع في مقاومة الاحتلال والدفاع عن الهوية والوجود بكل الأشكال.

 وإذا أخذنا في الاعتبار أن الحب هو ثاني أكبر وأعمق المحاولات الإنسانية نجاحاً بعد الإيمان بالله للخروج من أنانية الوحدة وأسر الذات الفردية والاندماج في الوجود الإنساني والاجتماعي الرحب وهو طريق الخروج من وحشة العزلة والأنانية إلى فضاء التعاون والتعاطف فإن الدمج بين المفهومين الهامين الذي قدمت فيه لهذا المقال بين ثقافة التنمية وثقافة الحب يعد مركز الانطلاق للعمل التنموي لأن الحب أو ما أستطيع أن أعبّر عنه بـ (المحبة) هو أساس العمل للتنمية والإبداع فالدمج بين هذين المفهومين هو العملية الإخصابية المؤدية لنجاح خطة التنمية.

 وفي ذلك استطاع الاعتماد على معنى الحب لغةً ومضموناً فمعنى الحب في اللغة وفق «ابن منظور» يتركز على خمسة مفاهيم هي البياض والصفاء، والعلو والظهور، واللزوم والثبات، واللب والحفظ والإمساك.

 كما أن المحبة تفسر بالإرادة والإيثار وهو ما جعلني أقارب بين ثقافة التنمية وثقافة الحب أو المحبة.

 ففي معنى الإرادة ارتكزت إلى قوله تعالى: «فيه رجال يحبون أن يتطهّروا» وفي معنى الإيثار قوله تعالى: «إن استحبّوا الكفر على الإيمان» وفيه قوله تعالى: «وأما ثمود فهديناهم، فاستحبّوا العمى على الهدى».

 ويأتي معنى المحبّة أيضاً بالإثابة ومنه قوله تعالى: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين».

 فالحب نقيض للبغض والكراهية وهو في معناه مضاد للأنانية وفي ذلك يهدف الحب إلى جلب المنفعة للآخر وإلى إنكار الذات والتمسك بالقيم الاجتماعية المخلصة. وجميع دارسي مضمون الحب أو المحبة يؤكدون أن أساسه هو الزهد في النفع الشخصي والارتقاء إلى مرتبة من المحبة الروحانية تستمد من محبة الله التوجه إلى الكمال المطلق من منطلق محبة الله لذاته لا لثوابه وإحسانه وهو أساس مفهوم الإيمان بالأديان بشكل عام.

 يقول تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله».

 وإذا كانت الدراسة الاجتماعية والتربوية والنفسية الغربية ركّزت على المفهوم الجنسي للحب كما عند فرويد واعتمدت على نمو اتجاهات علمية تركزت على دراسة وتحليل واقع مسألة التربية الديموقراطية التي تشكل، وفق منطلقات الدراسات الغربية عملية متكاملة تتمثل في مبدأ العدالة الاجتماعية مبتعدين بمنطلقاتهم البحثية عن القيم الروحية للمجتمع التي ترسخها الأديان، الأمر الذي أفقد منتوج الحضارة الغربية المعاصرة ومجتمعاتها بنية التماسك الاجتماعي وأدى إلى الكثير من الفساد والحروب والاختراعات التدميرية والعمل على تجاوزها آليات ومنظمات إنسانية وهو ما جعل الكثير من الباحثين يناقشون هذا الأمر مؤكدين في الوقت ذاته على أهمية البعد الروحي لعملية التطور والبناء بمفاهيم المحبة الكامنة في الروح الإنسانية الراقية والمستندة إلى قيم وبنية صافية. الأمر الذي دعاهم إلى التأكيد على قيمة الحب في الحياة الإنسانية القابلة للتطور والبناء والعطاء وهو ما نستطيع أن نستعيده في دراستنا لإشكالية الحب أو لمفهوم الحب في تراثنا العربي الإسلامي الذي بيّناه من خلال المعاني اللغوية والأهداف في المضمون الإسلامي والتي تفتح لثقافة التنمية فضاءات واسعة من حيث تبنيها كقيمة إنسانية واجتماعية تؤمّن ديمومة الحياة الهانئة للجميع.

 

إضافة تعليق

3 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.