على طريق الصمود .. والتشبث بالهوية

بقلم: أ. حسن إسماعيل مروة

العربية الفصحى لغة جامعة، يقرؤها ويكتب بها، ويستمع إليها ما يقرب من ثلاث مائة مليون شخص من المحيط إلى الخليج.. إذ يسمع الخليجي في أقصى الشرق العربي إذاعة الرباط أو نواكشوط في المغرب الأقصى فلا يجد فرقاً بين ما يسمع من تلك الإذاعة وما يسمعه من إذاعة بلده، وكذا العربي في الرباط أو نواكشوط إذا سمع إذاعة خليجية.

والأعجب من ذلك أن المسلم الصيني أو البخاري أو الأفغاني يجلس إلى علماء العربية فيفهم منهم ويفهمون منه بهذه اللغة الفصحى التي اتسع انتشارها منذ أربعة عشر قرناً، فكانت عالمية بحق.
هذا الواقع هو الذي أثار حفيظة المستشرقين والمبشرين والمستعمرين منذ قرن ونصف، فحرصوا جميعا على إضعافه وإحداث زلزلة في عقائد أهله بطرائق كثيرة منها:
*-الدعوة الى إحياء العامية المحلية في كل بلد والكتابة بها وإهمال الفصحى مرة أخرى بدعوى أن تعلم الفصحى فيه جهد، والعامية لا جهد في تعلمها، وحينذاك – وإذا نجحت هذه الدسيسة – تحل محل اللغة الواحدة الأم عشرات من العاميات المحلية، وتتبعثر الأمة الواحدة إلى عشرات الشعوب، وحينئذ يسهل ازدرادها ثم ابتلاعها لقمة صغيرة وراء لقمة .
*-الدعوة الى الكتابة بالحرف اللاتيني بدلاً من الحرف العربي الجميل، كالذي سبقت إليه تركية وبذلك يبنى جدار الفصل بين حاضر الثقافة العربية وماضيها وما يحمله من أصالة وتراث، ولقد جنّد أعداء الأمة وعملاءهم ومن يرى رأيهم من أجل تدمير الأمة بتدمير لغتها لما يرون من أهمية للغة العربية في جمع شتات هذه الأمة وتوحيد صفها، كما سخّروا كل أدواتهم ، وأحدثَ ما توصلوا إليه في فن الدسّ والخديعة وفرشوا بين أيدي الناس حججهم، وللحق هي منطقية في ظاهرها ويرمون من وراء ذلك لفت الأجيال أولاً بأول عن هذه الرابطة المقدسة فقالوا :
*-يجب أن نكتب للعامة ونخاطبهم باللغة التي يتداولونها في السوق .
*-إن الفصحى لغة ثانية غير لغة التخاطب، ولا يتوصل إليها إلا بدراسة ومران .
*-العامية سهلة والفصحى صعبة، فإذا ألفنا الكتب بالأولى نشرنا الثقافة في ميدان متسع، ولم نحرم غير المتعلمين.
*-العامية لغة الحياة في السوق والمنزل، والفصحى لغة الكتب على الرفوف والحياة تفرض قانونها .
*-إن التلميذ في المدارس العربية يعيش ازدواجية بين اللغة التي يتعلمها في المدرسة، واللغة التي يتكلم بها في منزله ومع زملائه.
كل هذا صحيح ومنطقي ولكنه لا ينطبق تماماً على لغة حية نابضة بالحياة والدفء والجمال كاللغة العربية، وكل ما تقدّم من حجج ناجم عن تقصيرنا نحن في حق أنفسنا وحق لغتنا وتراثنا... لغة عمرها قرون وقرون ولا تزال بالنضارة نفسها ، ألقاً وتطوراً، تجمعنا وترصّ صفوفنا، ندعو إلى موتها ونعمل على دفنها حية، استجابة لجهلنا بها تارةً وإرضاء للمستعمرين تارةً أخرى .. بينما أعداؤنا الصهاينة بعثوا منذ مطلع القرن الماضي لغتهم العبرية الميّتة من قبرها وجمعوا أنفسهم وتنادوا من القارات الخمس الى تعلّمها وبعثها من جديد لأنهم اّمنوا بأهدافهم واّمنوا بلغتهم الميتة فأحيوها ومن ثم تمكنوا من بعث أنفسهم أيضا .. امةًً ودولةً وجامعةً .. فانتزعوا أعز ما نملك وأحب ما عندنا إلينا، اجل انتزعوا منّا سكناً لهم في فلسطين الحبيبة فوا عجبي الذي لاينقطع ... أمة تبعث موتاها لتحيا، ونحن نئد سبب حياتنا ورمز قوتنا وعزتنا بحسن نيةٍ أو جهلٍ وغباء ..
إنّ عدونا لا ينام وهو في كيد دائم وتخطيط وتدبير مستمر، ويحقّ له فمصالحه تقتضي ذلك.. إذ قال المستشرق ( ماسينيون ) يوماً ما فيما مضى : " لم نبحث في الشرق إلاّ عن منفعتنا، لقد دمرنا كلّ ما هو خاص ّ بهم، فدمرنا فلسفاتهم ولغتهم وآدابهم.. والشرقيون ليسوا من السذّج حتى يعتقدوا بكرم أخلاقنا، وقد تحققوا بالشواهد أننا نرغب أن نبقيهم ضعفاء " .
هل نحن أمة لا تقرأ أم أنها شقية لا تتعظ إلاّ بنفسها، ولا يكفيها الاتعاظ بالنفس من مرة، بل هي بحاجة لمرات ومرات، هل نحن لا نقرأ التاريخ الذي لا يزال يعيد نفسه، كم من مؤامرة وكم من سايكس بيكو، وكم من خدعة وضحك على الذقون مرّ على هذه الأمة .. واعجبي .
والاّن أدعو – من أجل أن نبقى أحياء، والأمل بين أيدينا – إلى :
1. الاهتمام بالمناهج المدرسية بدءاً بالمرحلة الابتدائية الأولى وحتى التعليم الجامعي وكذا بالمعلمين والمدرّسين، فمن هنا البداية الحقيقية، وأن نجعل مناهجنا مبنية على أساس تقديس اللغة والتراث، فأمة بلا هوية اّيلة الى الفناء لا محالة .
2. الاهتمام بوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، فهي المدرسة الثانية بل هي أهم من المدرسة إذ تدخل بيوتنا، حتى غرف نومنا بلا استئذان، فلها من الفعل والتأثير ما يعجز عنه أي سبيل آخر ..فليتها تتحول الى مدارسَ بانية، لا معاولَ هدمٍٍ وتخريب .
وسقى الله يوماً كان المذيع يخضع لامتحان عسير كي يلج الى رحاب هذا المبنى العظيم المؤثر، فكان معيار نجاحه سلامة لغته لا جمال شكله، وعلى مخارج حروفه، لا على غنجه وتهتكه .
3. إعادة النظر من جديد بجعل العربية مادة أساسية في التعليم الجامعي بكل مراحله، وإذا كان تطبيق القرارات ومتابعة تنفيذها غير قويم وعاجز، فهذا لا يعني أن القرارات والشعارات قاصرة.
لقد كان تعليم العربية لغير المختصين وغير الناطقين بها غرّة على جبين قطرنا صاحب القدوة في ذلك، كما هو قدوة في تعريب التعليم بجميع مراحله واختصاصاته وقد راحت تأتسي به الأقطار الأخرى .
فلم حدثت هذه الانتكاسة ؟ إن من يتحمل مسؤولية هذه الانتكاسة أمران :
- سوء اختيار القائمين على تدريس المادة وفساد ضمائر بعضهم .
- سوء تحديد مناهج تتلاءم مع متطلبات هذا التعليم وأهدافه، مع مراعاة الخصوصية لكل كلية او معهد .
إذا عرفنا أسباب الانتكاسة سهل علينا مواجهتها بسهولة ويسر دون أن نضحي بالفكرة العظيمة تلك.
وفي الختام .. إن هذه اللغة مرعية برعاية أبدية، كانت قبلنا وستبقى بعدنا رغم كل ما تعرضت له منذ القرن الهجري الثاني إلى يومنا هذا، فهي باقية، خالدة ولكن ما أدعو إليه وأتمناه أن ننال شرف الرعاية والتطوير، وأن نكون حداةً لقافلتها السائرة أفضل ألف مرّة من أن نكون كلاباً تنبحها .. فالتاريخ لا يرحم .
 

إضافة تعليق

5 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.