عميد المعارض العربية الوحيد الذي تهمله دولته فيهجره المثقفون إلى عواصم أخرى

برغم كل الظروف السيئة التي عاشها ويعيشها لبنان، وبرغم كل الانتقادات والمدائح يستمر المعرض وقد بلغ من العمر الخامسة والخمسين. الأهمية كمنت في الاستمرار والعناد والإصرار على دور بيروت، وعلى الدور الرمزي الثقافي للمعرض فيها
.
كان إذا تأخر عاماً عن موعده اخترع القيمون عليه موعداً آخر. كثيراً ما نتحدث عن تقصير النادي الثقافي العربي في مهمته، لكن من يعلم أن معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت هو المعرض الوحيد الذي يقيمه ناد أو مؤسسة خاصة، ويعيش ويثابر ويتابع أنشطته بميزانية متدنية يجمعها المسؤولون عنه من جبايات دور النشر، ينتبه إلى أننا نظلم النادي أحياناً عندما نطلب منه المزيد، ومع ذلك لا بأس بالمطالبة بتطوير التجربة، لا ضمن الإمكانيات المتاحة، بل ضمن الإمكانيات التي يمكن أن تتاح بمزيد من الجهد والحركة. كل معارض الكتب العربية الأخرى تصرف عليها الجهات الرسمية مبالغ طائلة، وتقيمها من خلال وزارات أو لجان رسمية أو مؤسسات تخصّها الدولة بهذه المهمة.
لكن مهما يكن، فمعرض بيروت بدأ قبل طفرة الذهب الأسود. لم يسبقه معرض على الريادة، فهو حمل بحق لقب عميد المعارض العربية، وقد مرّ عليه كل هذا العمر ولم يتقاعد أو يسترح أو يخلّ بالعهد. وإذا تطلعنا إلى الخط البياني الذي يرسم سيرته وجدنا أنه تطور من سنة إلى أخرى، وكان تطوره مطّرداً من البداية إلى اليوم. لم يتراجع عدد المشاركين فيه ولا المساحة التي يقام فيها ولا عدد الزوار، لكن ما هو حقيقة لا يمكن الهروب منها أنه لم يكمل مسيرة تطوره بالسرعة التي تتناسب والعصر الذي نعيشه، وقد استطاعت لهذا السبب دور عربية أخرى أتت بعده بسنين طويلة أن تتخطاه من حيث استقطابها عدداً أكبر من الناشرين العرب والأجانب، ومن حيث عدد الزوار وأرقام البيع وطبيعة الأنشطة المدعومة بالطبع.
إحصاءات
وفي مشوار سريع مع الأرقام التي يطرحها النادي الثقافي العربي، نتبين وجهة التطور. فعندما افتتح المعرض الأول في 23 نيسان 1956، في وست هول الجامعة الأميركية، لم يستمر لأكثر من ثلاثة أيام، في حين يستمر هذا العام مثلاً 14 يوماً، وفي أعوام أخرى وصل إلى 17 يوماً بعد تمديده تلبية للطلب. ثم مع تزايد الطلب لم تعد القاعة تتسع للمشاركات المحلية والعربية، فانتقل المعرض العام 1966 إلى قصر الأونيسكو. ثم نقل إلى الجامعة العربية من 1968 حتى 1970 بسبب الأشغال في قصر الأونيسكو. بعد ذلك أعيد المعرض إلى قصر الأونيسكو. ومن المعرض التاسع عشر حتى الأربعين بقيت القاعة الزجاجية مقراً دائماً له، كلما ضاقت وُسِّعت حدودها نحو موقف السيارات المحاذي، إلى أن بلغ الضيق مبلغاً لا يحتمل، فانتقل العام 1996 إلى ساحة الشهداء، ثم إلى «اكسبو بيروت» العام 1979، واستمر فيه حتى العام 2003، ومن 2004 حتى الآن لا يزال المعرض مستمراً في قاعة بيال. ولمّا تعطل قيام المعرض في الأعوام 1975 و1976 و1989 و1990 فإن النادي كان يعوض عن ذلك أحياناً بمعرضين في العام الواحد عندما تتيح الظروف الأمنية. وفي نظرة إلى تطور عدد الزوار نجد في الأرقام 70 ألفاً العام 1978، ليصل إلى 350 ألفاً العام 1997 ما عدا مجموعات الطلاب التي تتوافد إلى المعرض من المدارس مباشرة، وهو يتراوح حالياً بين هذا العدد و400 ألف زائر، وهذا رقم جيد إذا كان يساوي عُشر سكان لبنان، وهو رقم جيد بالطبع للناشرين لو أن كل الزوار يشترون ولا يأتون للسياحة الثقافية المجانية.
أما بالنسبة إلى عدد دور النشر المشاركة، بحسب معلومات النادي، ففي المعرض الأول شاركت 23 داراً، بينها فرع دار المعارف المصرية في بيروت، إلى جانب الجامعة العربية والمجمع العلمي العراقي. وفي معرض العام 1981 وصل العدد إلى 91 داراً، ثم وصل العام 1985 إلى 150 داراً وفي العام 1993 وصل العدد إلى 170 داراً. وتطورت المشاركة العربية حتى وصلت إلى 35 ناشراً في السنوات الأخيرة. ومنذ المعرض السابع والأربعـــين بدأت مشاركات مهرجان فرانكفورت وكونراد أدينادر. هذا العام تشـــارك 7 دول عربية و23 مؤسسة عامة وهيئات دولية وخمس جامعات، بالإضافة إلى 180 ناشراً. وكان عدد دور النشر العربية في بعض الدورات يصل إلى 40 داراً.
صعوبات كثيرة عاناها المعرض، فقد عاش سنين طويلة تحت خيمة الحزن ورحمة الحرب والتجاذبات الأمنية، وبقي المسؤولون عنه مصرّين على الحفاظ على موعده، لأن الثقافة يجب ألا تتراجع أمام المدّ السياسي، وألاّ تموت أمام المخاطر الأمنية، وأن الحياة يجب أن تستمر رغم كل شيء. فالثقافة، في أي حال، عـــصب أساسي في حياة العاصمة اللبنانية، كما أن هذا المعرض، بما يمثل من تاريخ ثقافي وما يدور على هامشه من حياة ثقافية، يشكل عصب الأنشطة الثقافية اللبنانية.
صعوبات كثيرة عاناها المعرض، في ظل التوتر السياسي والأمني الذي تلى مرحلة الحرب الأهلية، لا سيما بعد حادثة تفجير موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري والاغتيالات التي تلته، وكان ذلك سبباً في عدم التمكن من إقامة احتفال اليوبيل الذهبي، منذ خمس سنوات، كما يليق بمعرض رائد في المنطقة العربية، بل أكثر من ذلك تأجل المعرض في تلك السنة أربعة شهور، ليقام في ظروف سياسية وأمنية أفضل، إلا أن الأزمة اللبنانية طالت، فكان الاحتفال عادياً. ونتذكر أن رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة (الذي كان رئيساً للنادي الثقافي العربي في العامين 1973 و1974) منعه الوضع الأمني من الوصول إلى قاعة الاحتفال، التي تبعد عن القصر الحكومي مئات الأمتار فقط، لإلقاء كلمة الرعاية، ما جعلنا نستمع إليها من خلال الشاشة. الجو نفسه منع عدداً من الدول العربية والأجنبية من المشاركة في المعرض سنوات عديدة، كما جعل بعض المثقفين العرب يخشون الموافقة على المشاركة في الكثير من الأنشطة. حتى إن الفرنسيين الذين يقيمون معرضاً خاصاً بالكتاب الفرانكوفوني في بيروت سنوياً منذ أوائل التسعينيات، ألغوه سنة أو سنتين بسبب الأحداث.
ولم يبق المعرض نفسه بمنأى عن الانقسام السياسي الذي لا يزال يشقّ لبنان، فقد دخل إلى إدارة المعرض وأجنحته، وكانت التهم تساق من هنا وهناك، وقد غلبت صبغة 14 آذار على إدارة النادي، التي بقيت، قبل اللعنة الطائفية التي قسمت الوطن بالطول والعرض، بعيدة عن أي تهمة سوى العروبة والوطنية ودَفْعِ العمل الثقافي إلى الأمام. وغلبت على نقابة اتحاد الناشرين، التي تشارك النادي في إحياء المعرض، صبغة 8 آذار. وتبقى النوافذ مشرعة على همس هنا ولمز هناك، ومع ذلك يستمر التعايش، لأن التعارض ليس بالوضوح الذي يكال به. ومعروف أن نقابة اتحاد الناشرين في لبنان ألغت معرضها الخاص، «معرض لبنان الدولي للكتاب»، بعد دورته السابعة، وانضمت إلى معرض النادي تحت اسم «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السادسة والأربعين. وكان معرض الناشرين يرعاه من بدايته حتى نهايته رئيس مجلس النواب نبيه بري. في حين استقرت رعاية معرض النادي على رئيس الحكومة نهجاً لمّا يزل مستمراً حتى اليوم منذ الدورة الحادية عشرة. قبلها لم تكن الرعاية حكراً على مسؤول أو رمز. والحقيقة تقال إنه عندما حُدد رئيس الحكومة للرعاية لم يكن الأمر سوى إيجاد صيغة دائمة تريح المسؤولين من عناء البحث عن شخصية الافتتاح، إلا أن الحريرية كانت أقوى من أن يخفف النادي من حضورها قبل وبعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري. قبل الدورة الحادية عشرة كان النادي في مكان آخر، وكانت الرعاية التي تناوبت على المعرض بعيدة عن أي صبغة سياسية، بل ماذا لو علمنا أن المؤرخ الراحل قسطنطين زريق كان راعي المعرض في دورته الأولى، والأديب ميخائيل نعيمة كان راعي الدورة الثانية.
هزالة الأنشطة
إن الانعكاسات السلبية لترددات الوضع الأمني والسياسي على المعرض جعلت القيمين عليه يرون في الاستمرار، لا التطوير، هدفاً أولياً لهم. لذا يجيء برنامج الأنشطة في أكثر الدورات الأخيرة هزيلاً، بالإضافة إلى ما يفرضه على هذا البرنامج ضعف الإمكانيات وضعف التدبير.
ولأن بدايات المعرض تذكّرنا بالمرحلة الذهبية لبيروت، عاصمة الثقافة العربية، بيروت قبلة المثقفين العرب ومركز النشر الأكثر حرية، ومركز التوزيع الأكثر سرعة وتلبية، ومركز الانفتاح على الثقافة الغربية... لأن البدايات تذكرنا بذلك كله يتدفق الحنين إلى زمن نتذكر فيه أن نزار قباني (الذي كان عضو هيئة إدارية في النادي الثقافي العربي العام 1956) كان نجم أمسيات المعرض، وقد تناوب من الشعراء العرب على منبر الشعر في أنشطة المعرض أيضاً محمود درويش وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وآخرون. حتى إن النادي نفسه شهد حضور شخصيات مهمة في رئاسته وهيئته الإدارية، وقد ذكرنا الرئيس السنيورة، ونضيف مشاركة الرئيس تقي الدين الصلح، ووجود النائب محمد قباني على رأس النادي لعشرين سنة متتالية، والنائب جوزيف مغيزل لثلاث عشرة سنة، وبقي الوزير السابق طارق متري عضو هيئة إدارية لاثنتي عشرة سنة. واللافت في تاريخ النادي المقترن بالمعرض، أن سميح البابا، الذي تسلم رئاسة النادي مرتين، لم يغب عن الهيئة الإدارية منذ دخوله إليها في دورتها الثانية العام 1957 إلا مرتين اثنتين، وهو اليوم لا يزال مثابراً على دوره النضالي في إدارة المعرض، رغم تقدمه في العمر (أطال الله عمره).
إن تطوير المعرض والمثابرة عليه وشمول أنشطته كل الحياة الثقافية، على مدى 55 سنة، جعلت اللبنانيين أكثر اهتماماً به، وقد فرض نفسه كمعرض أول ورئيس في لبنان، برغم وجود معارض أخرى خطت خطوات مهمة ثم تراجعت، وبات موعده مناسبة لتسابق الشخصيات السياسية على تسجيل حضورها فيه، وانتظاره من قبل العديد من المواطنين ليكون مناسبة سنوية لشراء الكتب، وأحياناً مناسبة يتيمة. كما بات المؤلفون والناشرون يتسابقون على التوقيع في أجنحة المعرض لاصطياد عدد أكبر من المريدين والأصدقاء.
أما على المستوى العربي، فقد تسببت الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان بغياب الكتاب المصريين والسوريين والأردنيين والمغاربة واليمنيين والخليجيين وسواهم من الذين كانوا يتهافتون على كتب المعرض والمشاركة في أنشطته. وقد تحولوا عن بيروت جميعاً إلى معارض بديلة في العواصم العربية، يقيمون فيها بأمان وبالمجان، كونهم يأتون بدعوات مدفوعة لاستكمال «بريستيج» المعرض.
على المستوى الدولي، لا نلقى من تسمية المعرض بالدولي غير الاسم، فلا جهد من القيمين على المعرض في اتجاه تطوير الحضور الدولي، بسبب ضعف الإمكانيات، وتراجع مستوى المعرض أساساً.
إن لقب «عميد المعارض» لم يعد يعني بأي حال من الأحوال أقواها، فالتسابق بات في مكان آخر، ثقافة مصر وأموال المملكة العربية السعودية، معرض القاهرة اليوم هو في صدارة المعارض العربية، إلا أن معرض الرياض يتطور اليوم بخطى مهمة، ومن شأنه أن ينافس على الدرجة الأولى. وفي الجدول المنشور إحصائيات معارض عربية أساسية، تبين أرقام الدورات، أي العراقة، وعدد أيام المعرض، وعدد الدول ودور النشر المشاركة، والجهة المسؤولة. وكلها مؤشرات لوضع كل معرض في مكانه ومكانته، وقد اعتمدنا التدرج بحسب الخانة الأولى أي الأقدمية، وإن كانت بعض دور النشر تتوقف سنوات ثم تعود. كل الإحصاءات المقدمة مأخوذة من معارض العام 2011، إلا بعض الدول التي شهدت وضعاً أمنياً منعها من إقامة معرض طبيعي، معرض دمشق مثلاً، فاعتمدنا رقماً سابقاً. ولمزيد من معرفة قيمة المعارض العربية، استأنسنا بأرقام موازية لثلاثة معارض دول فاعلة من المنطقة المحيطة بنا، أعني معرضا للكتاب في القدس، ومعرض طهران ومعرض اسطنبول.
الإمكانيات تتكلم
وبالعودة إلى مشكلة الإمكانيات التي تكمن في اعتماد المعرض على إيراداته البسيطة، وهذا ما يحد من إمكانية تطويره، لأن الإيرادات فيه تتساوى عموماً مع التكاليف، وأن أي عجز يمكن أن يقع يدفع ثمنه أصحاب دور النشر المشاركة، من خلال رفع أسعار إيجارات الأجنحة، ما يخفف قدرة الدور على تقديم حسومات مهمة للمستهلك اللبناني، الذي يعاني بدوره ضائقة اقتصادية، خصوصاً أن ضرب الطبقة المتوسطة في لبنان، التي يعتمد عليها سوق الكتاب عموماً، منذ زمن بعيد، أرخى بسلبياته على معارض الكتاب وصناعته في لبنان.
نقطة أخرى يمكن أن تضاف إلى ضعف المعرض غياب جيل الشباب مع غياب الأنشطة المختصة بهذا الجيل في المعرض، وعدم شمله في برنامج الأنشطة، وعدم التفكير في استقطابه وجذبه، من خلال دراسة اهتماماته والاستجابة لها، خصوصاً ما يتعلق بمفهوم القراءة المتعلق بالنشر الالكتروني والتقنيات الجديدة. إلا أن ما يعوّض ذلك الاهتمام بالأطفال الذي بدأ يبرز مع الدورات الأخيرة، من خلال الحيز الواسع في مساحة العرض، للعب الأطفال وأنشطتهم، ثم من خلال الندوات التي تتناول موضوع كتب الأطفال، تأليفاً وتسويقاً ومطالعة. لكن ضعف الاهتمام بتأليف كتب الأطفال في لبنان، وضعف مشاركة كتب الأطفال المصرية والفرنسية والإنكليزية، وضعانا أمام نقص واضح لهذا الحيز المهم في المعرض. فالأطفال قد يسحبون أهلهم إلى المعرض فيساهمون بردف المعرض بجمهور جديد.
عميد المعارض العربية، الذي كان يحدد بدء تقويم سنة الكتاب العربي، يجب أن يستمر، واستمراره، بل تطويره مسؤولية الجميع، المسؤولين قبل المواطنين بالطبع، لنطمئن أكثر على صحة الكتاب والقراءة. في لبنان.

إضافة تعليق