عندما تنسى أمة لغتها!!!!!!!!!!!!

محمد عدنان سالم
17/05/2008
التحديات التاريخية
لم تواجه لغة في العالم ما واجهته اللغة العربية – على مر التاريخ- من تحديات، ولم تصمد صمودها..
فبعد نقائها ونصاعة بيانها الذي تجلى على ألسنة العرب في أسواقهم التي تصدرها سوق عكاظ فكان أرقى نموذج لها؛ عهد إليها الوحي الإلهي بحمل رسالة الإسلام إلى الإنسانية بأصقاعها وأجيالها كافة، فكان ذلك أول تحدٍّ لها وأخطره {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَها } [ الشورى 42/7].
تبدو لنا خطورة هذا التحدي من المدى البعيد الذي كان عليها أن تبلغه بسرعة قصوى لم يسجل التاريخ نظيراً لها، فلقد انطلقت الدعوة الإسلامية بلسانها العربي المبين فيما يشبه الطفرة، لتغطي في أقل من ربع قرن، قسماً كبيراً من قارتي آسيا وإفريقية ولتتجه نحو أوربة، ولترث أكبر حضارتين عالميتين هما الفارسية والرومية.
وتبدو لنا عظمة هذا التحدي من القبول الطوعي للغة الدعوة والترحيب بها من قبل شعوب البلدان المفتوحة، إلى درجة العشق والتبني، والإسهام الفعال في وضع قواعدها النحوية والصرفية وأوزان أشعارها وأساليبها البلاغية.
لم تفرض الدعوة الإسلامية لغتها بقوة القانون، ولم تضق ذرعاً باللغات المحلية والقومية، ولم تطرح نفسها بديلاً عنها، فقد كانت واعية كل الوعي لعالمية رسالتها ودورها الإنساني الذي يعترف بالتعدد واختلاف الألسنة والألوان والأجناس ؛ يرى في ذلك آيةً من آيات الله، ووسيلة من وسائل النمو والتعارف بين الشعوب. تعارفاً جعل الشاعر الهنديَّ محمد إقبال ينشد:
أنا أعجمي الدّنِّ لكن خمرتي صنع الحجاز وكرمها الفينان
إن كان لي نغم الهنود ولحنهم لكن هذا الصوت من عدنان
وعبر هذا الاختيار الواعي انتشر تعليم اللغة العربية، لغة القرآن والأذان وشعائر الحج، في كل بقعة وطئتها قدم مسلم. ولم يكن قد مضى على انطلاق الدعوة الإسلامية كبير وقت عندما بني مسجد هوايهوا أولُ مسجد في مقاطعة كانتون في الصين، وكان تعليم العربية لغة القرآن والصلاة مواكباً لبناء المسجد، وما فتئت المدارس الإسلامية التي تدرس بالعربية والصينية معاً تتنامى منذ ذلك التاريخ، من دون توقف حتى بعد تأسيس الصين الشعبية عام 1949م.
ولئن كان ذلك يوضح لنا السرعة الخارقة التي وصلت بها دعوة الإسلام بلسانه العربي المبين إلى الصين في أقصى الشرق، فما عساها تكون في إفريقية التي استقبلت أول هجرة في الإسلام، ضمت كوكبة من أصحاب الرسول الذين هاجروا إلى الحبشة في السنة الخامسة من بعثته صلى الله عليه وسلم، فراراً بدينهم من الفتنة، بعد أن كانت قد استقبلت كثيراً من القبائل العربية قبل الإسلام استوطنت الحبشة والسودان؟!
ثم كان من تأثير اللغة العربية في إفريقية نشوء اللغة السواحلية المكونة من العربية ولغات إفريقية أخرى، انتشرت داخل القارة الإفريقية، وقامت بدور الوسيط لإدخال الكثير من المفردات العربية إلى اللغات الإفريقية، ولإعطاء اللغة العربية مكانة مميزة في معظم البلدان الإفريقية.
وإننا لنجد التأثير ذاته من اقتحام نسبة كبيرة من المفردات العربية على سائر لغات البلدان الشرقية التي دخلها الإسلام كالهند وباكستان وتركية وإيران وأفغانستان، ومعظمها ما زال يستخدم الحرف العربي في لغته ويكتب به.
وفي الأندلس التي احتضنت ازدهار الحضارة العربية الإسلامية قروناً كان الغرب فيها يغط في نوم عميق؛ يلفه الجهل والتخلف من سائر أركانه، ترك المسلمون بلغتهم العربية تراثاً علمياً ثراً لا يحصى عدده، مثلما تركوا بصمات وكلمات كثيرة لا تزال مبثوثة في اللغة الإسبانية حتى اليوم، تحملها لافتات الشوارع مثل ساحة (ألي أتار) في غرناطة التي خلدت اسم علي العطار المقاوم المسلم العنيد إبان نكبة الأندلس.
وعندما هاجر العرب- مسلمين ومسيحيين – إلى أمريكا اللاتينية، مطلع القرن العشرين الماضي، قاموا بتأسيس الجمعيات والنوادي والمدارس والصحف؛ يمارسون عبرها نشاطاتهم الثقافية والاجتماعية، ويرفدون الثقافة العربية بأدب مميز؛ استطاع حماية أبنائهم من الانصهار والذوبان، ونسيان لغتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، ذلكم هو أدب المهجر.
كان هذا أول التحديات؛ أثبتت اللغة العربية فيه قدرتها الخارقة على الانتشار الجغرافي السريع، لتصبح بحق لغة العالم الأولى، تؤثر في لغاته المحلية، وتتعايش معها دون أن تلغيها..
أما التحدي الكبير الثاني فكان التحدي العلمي الذي فرضه ارتقاء المسلمين في معارج الحضارة، تحت راية الأمر الإلهي لهم بالقراءة، وحثهم على استخدام كل ما يتعلق بها من مفردات: الكتاب والقلم والقرطاس والمداد والعلم والعقل والتفكر والنظر والتدبر، فراحوا يجوبون الآفاق طلباً للعلم، ما إن يعثروا عليه في أي لغة وبأي وعاء حتى يترجموه ويدرسوه وينقدوه ويحللوه، ثم يصهروه في بوتقتهم ليعيدوا إنتاجه خلقاً جديداً خاضعاً لقيمهم ومعاييرهم.. لم ترعبهم فلسفات الإغريق التي أحكمت الكنيسة الإغلاق على كتبها في قبرص، خشية أن يضل بها الناس، فطلبها المأمون غرامةً عند فتحه الجزيرة، فكان سعيداً بالحصول عليها؛ ما إن وصلته حتى وضعها في أيدي مترجميه في بيت الحكمة، مثلما كان القبارصة سعداء بالتخلص منها.. ولم يلبث هؤلاء التراجمة أن استوعبوها، واشتقوا لها من العربية مفرداتٍ أكثر دقة في التعبير عن مضامينها..
وتتلاحق التحديات تروم النيل من هذه اللغة العتيدة فلا تخرج منها إلا أصلب عوداً وأكثر شباباً وحيوية.. خاضت معركة التتريك، فخرجت منها بمجموعة من المعاجم الطبية والعلمية والزراعية والعسكرية، ما لبثت أن وضعتها في التداول، وأسست عليها كلية للطب في جامعة دمشق كانت الوحيدة في الوطن العربي التي تدرس الطب بلغة عربية منذ عام 1919م.
ثم خاضت معارك الاستعمار فكانت سجالاً: استطاعت في الجزائر بجهود جمعية العلماء ومدارس تعليم العربية التي أسسها رئيسها بن باديس أن تشعل ثورة نجحت في طرد المستعمر الفرنسي عسكرياً، وما تزال بعد خمسين سنة من طرده تعاني الأمرَّين مما تركه لها من تلوث لغوي شوَّه لسانها، وذهب بشطر واسع من أبنائها؛ أنساه لغته، فقطع صلته بثقافته وتراثه، وأضعف مشاعر الانتماء لديه، وتركه حائراً بين بين؛ لا يدري أأعجمي هو أم عربي؟! وما تزال المعركة محتدمة على أشدها بين تياري التعريب والفرانكوفونية في المجتمع الجزائري من جهة، وفي داخل الإنسان الجزائري الذي نُسِّيَ لغته على لسانه، وما تزال جذورها حية في ضميره تنتظر المناخ الملائم لنموها من جهة أخرى.
التحديات الراهنة
تلكم هي بعض التحديات التاريخية الكبرى التي واجهتها اللغة العربية بكفاية، فما ذا عن التحديات الراهنة؟ وما أسباب عجزنا عن مواجهتها؟!
1-العوْلمة: ربما تكون أول هذه التحديات، فقد يبدو للمراقب- للوهلة الأولى- أن تيار العوْلمة الجارف، قد نجح في كسر الحواجز وإلغاء الفروق بين الثقافات، وأن ثورتي الاتصالات والمعلومات قد حوَّلتا العالم إلى قرية واحدة، من أبسط مقوماتها أن تتحدث بلغة واحدة، وتشعر بمشاعر واحدة؛ لتعمل تحت راية واحدة، تقودها حكومة واحدة..
لكن بعض التأمل في طبيعة هاتين الثورتين اللتين تفجرتا بين يدي عصر المعرفة الذي تنعطف إليه الإنسانية بسرعة مذهلة؛ مودِّعة عصر الصناعة الآفل؛ سوف يلفت أنظارنا إلى حقائق مغايرة:
فالعوْلمة قناع، ما إن ينكشف حتى يبدو لنا الوجه الكالح المختبئ وراءه باسمه الصريح (الأمركة).
والأمركة (بمعنى التفرد بحكم العالم) حلم راود سدنة البيت الأبيض منذ انهيار الاتحاد السوفييتي الذي أخل بتوازن النظام العالمي.
أما الأمركة ( بمعنى فرض النمط الأمريكي للعيش بكل مصطلحاته على العالم) فواقع روَّجت له الآلة الإعلامية الضخمة التي واكبت تفوق أمريكة التكنولوجي المذهل.
والأمركة بكل أوجهها الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية ترى فرض لغتها على العالم حقاً ونتيجة طبيعية لهيمنتها، كي تكون لغة التخاطب بين المركز والأطراف.
لكن أحلام أمريكا الإمبراطورية التي تنتمي إلى عصور تاريخية موغلة في القدم، قد تجاوزها الزمن، وهي لا تمتُّ بصلة إلى عصر المعرفة القادم، بمنطلقاته الفكرية ومرتكزاته الإنسانية والقيمية.
لقد فجرت ثورتا المعلومات والاتصالات المعرفة بين أيدي أجيال البشرية القادمة، وألغت الاحتكار والتفرد،ووسعت دائرة التعدد لتصبح في متناول كل فرد..
فالقرية العالمية الواحدة ستكون أزخر بالتنوع والتعدد، وأكثر وعياً بالديمقراطية – في الوقت ذاته- من أن تسلم قيادها للكبار، تمنحهم حق النقض (الفيتو) لتلغي به شخصيتها القائمة على التعدد، وحقها في الوجود والعدالة والمساواة.
وسيكون أفرادها من كل لون ولسان وجنس على عتبة سباق واحدة، يفوز فيه من كان أنضج فكراً، وأبعد نظراً مثلما تصبح اللغات كلها أمام امتحان صعب، تفوز فيه الأقدر على الاشتقاق والتركيب والاختصار والترميز؛ لاستيعاب سيل المعلومات المتفجرة.
2-التقدم العلمي والتقني
فالمنتِج للمعرفة وأشيائها هو المعنيُّ الرئيسي بتسمية المنتَج العلمي والتقني وتحديد رموزه ومصطلحاته، وما على المستهلك إلا أن يسميها بأسمائها، ويدرِّسها بلغتها إلى أن يستكمل نقصه العلمي ويتحول إلى مرتبة الإنتاج.. ولعمري إن هذا الزعم ينطوي على عدة مغالطات:
أولاها: أن أحداً من الأمم لم يأخذ به، فما من أمة أهملت لغتها لتدرِّس العلوم بلغة أخرى تحت هذه الذريعة، وهذه فرنسا تضع لكل مصطلح أجنبي مصطلحاً بلغتها، وتعد إهماله جرماً يعاقب عليه القانون. وهذه اليابان التي غزت العالم بمنتجاتها الصناعية والإلكترونية، من المؤكد أن جامعاتها تدرِّس العلوم بلغتها اليابانية، ولم يخطر في بالها أن تسوِّق لغتها مصاحبة لمنتجاتها.
وثانيتها: أن اتهام العربية بأنها لغة آداب فقط؛ فرية دحضتها تجاربها التاريخية البعيدة إبان المأمون العباسي، والقريبة في تجربة كلية الطب في سورية. فالعجز ليس في اللغة، بقدر ما هو ضعف في الإرادة وخور في العزيمة؛ سوف يؤول بنا إلى مزيد من الذل والتبعية والانهزام.
وثالثتها: أن التحوُّل في مدارسنا وجامعاتنا عن التعليم بلغتنا العربية إلى لغات أجنبية بدءاً برياض الأطفال؛ جريمة كبرى، وانسلاخ من الذات والهوية، سيكون وصمة عارٍ على جبين الجيل الذي هانت عليه نفسه قبل أن تهون عليه لغته.
إن تعلم اللغات الأجنبية شيء والتعليم بها شيء آخر، فتعلم اللغات الأجنبية وإتقانها أمر هام وضرورة للتواصل مع العلم، أما تدريس سائر العلوم بلغة أجنبية الأمر الذي أخذ ينتشر ويتنامى في المدارس والجامعات الخاصة، فظاهرة خطيرة تجب معالجتها واستئصالها قبل أن تستفحل، مهما روَّج لها دعاة التغريب والتبعية..
وإن الاستخدام المكثف للغة العربية في التعليم بجميع مراحله، وفي نشاطاتنا الثقافية، ومعاملاتنا الاقتصادية، سوف يطور مصطلحاتنا، ويثبت حيوية لغتنا وقدرتها على استيعاب المستجدات، وهو ما يتطلب الكثير من الوعي والجهد..
3-العامية والفصحى
تتنامى دعوات لاستخدام العامية بديلاً عن الفصحى، بحجة أن اللغة كائن اجتماعي متطور ومتغير؛ ينتجه المجتمع حسب طاقته وحيويته، وحسب حاجاته وإنتاجه..
وتجاوباً مع هذه الدعوات قامت إذاعات وقنوات فضائية، تلوي ألسنتها، لتروِّج كل منها لعامية بلدها، وتمادى التعصب للعاميات، حتى أصبحت لغة الخطاب والمحاضرة والتعليم، وغدا كثير من المثقفين عاجزاً عن صوغ جملة واحدة بالفصحى دون ارتكاب أخطاءٍ مخزية فيها، بسبب إهماله استخدامها، وإلفه استخدام العاميات.
لست من دعاة إلغاء العاميات لإحلال الفصحى محلها، فلكلٍّ دورهُ ومكانُه، إنما أدعو إلى تفصيح العامية لتقترب من الفصحى ما أمكن، وهي ما كانت دعوةَ الغيورين على العربية، وكان الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله يدعوها بالعامي الفصيح، ويكثر من استخدامها في مقالاته وكتبه، ويشير إليها، في محاولة للارتقاء باللغات العامية الدارجة لتتقارب، وقد أثمرت هذه الدعوة أواسط القرن الماضي، فاندثرت كلمات عامية هابطة، وحلت محلها كلمات فصيحة درجت على ألسنة الناس، وحققت فعلاً اجتماعياً أكد حيوية المجتمع وقدرته على تطوير لغته نحو الأسمى.. أما ترك العاميات تتطور عفوياً لتواصل هبوطها وهجنتها، فلا أراه دليلاً على حيوية المجتمع، مهما حاول المتشدقون إضفاء صفات الحيوية والحراك الاجتماعي عليها.
ومن تجربتي الشخصية بصفتي ناشراً عربياً أتواصل يومياً مع ناشرين من أقطار عربية متباينة اللهجات؛ أستطيع أن أؤكد أن الفصحى اللينة هي وسيلة التفاهم بيننا، لولاها لاحتاج كل منا إلى الاستفسار عن ربع المفردات العامية المحلية، أو إلى الاستعانة بمجموعة من القواميس الشارحة لها.
4-العوامل الخارجية (مشروع الشرق الأوسط الكبير)
يوم 26/7/2004كشفت الدكتورة بثينة شعبان – في مقال لها في جريدة المستقبل اللبنانية، أعيد نشره في جريدة تشرين يوم 2/8/2004- كشفت النقاب عن مؤامرة مدبرة لتقويض اللغة العربية؛ تشكل الجانب الثقافي من مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي تم إعداده بروية في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، بعد أن أجريت له أكثر من 600 دراسة خلصت إلى أن الغرب يواجه صعوبة في استيعاب حضارات وأديان اللغة العربية؛ لم يتمكن معها من تعرف الدوافع الكامنة وراء ارتكاب هذه الأحداث وأنه لا بد من خطة تستهدف اللغة العربية؛ ليس لتحريرها من أشكالها التقليدية التي ظلت قائمة كما هي منذ آلاف السنين فقط، وإنما لتحرير العقول العربية والإسلامية، والقضاء على المورثات السلبية الكامنة فيها. وقد عهد بوضع الخطة إلى مجموعة من التربويين والسياسيين وعلماء النفس واللغة، وتم وضعها وتجزئتها إلى ثماني خطوات مبرمجة زمنياً، لتكون بمثابة جرعات متدرجة لا تعطى اللاحقة منها إلا بعد التأكد من استجابة المريض للجرعة السابقة، إلى أن يتم القضاء على اللغة العربية تماماً، بوصفها حاضنة الثقافة العربية، خلال عشرين سنة من تاريخ انطلاق المشروع /الخطة، التي يتسع أفقها ليشمل اللغة والتراث والفكر والدين والإرث الروحي والاجتماعي لهذه الأمة برمته.
ومن المراحل المستهدفة في الخطة:
1-فصل اللغة العربية عن المقدس [يقصدون القرآن الكريم الذي هو سياجها وحارسها] وتنقية الكتب التعليمية من الشواهد المستقاة منه، واستبعاد مفردات خطيرة كالجهاد والاستشهاد، واستبدال كلماتٍ بأخرى مثل الساميين بدلاً من اليهود، لمحو الصورة البغيضة المستقرة في الذاكرة العربية عن اليهود، واستبدال معنى السمو والارتفاع الخلقي الذي توحيه لفظة السامية بها.
2-تسكين أواخر الكلم بذريعة التسهيل، تمهيداً للتخلص من قواعد اللغة التي تميز في الحركات بين الفاعل والمفعول والمضاف إليه المجرور.
3- الترويج للعاميات المحلية؛ تمهيداً لإقصاء الفصحى التي تشكل الرابط القوي الموحد بين كل الشعوب العربية، وإحلال العاميات الكفيلة بتمزيق هذه الشعوب حين يخلو لها الجو ويطلق العنان.
4-تغيير الأبجدية العربية إلى حروف لاتينية، بذريعة صعوبة كتابتها وتعقيدها، وضرورة تحديثها لتلتحق بركب الحضارة ولتطبيق الحرية والديمقراطية.
ومهما يكن موقفنا من نظرية المؤامرة؛ قبولاً بها أو رفضاً لها؛ فإننا – بعد انقضاء ربع المدة المقررة منذ عام 2004- نرى فصولها ماضيةً في التطبيق حسب الخطة المرسومة، وأن استجابتنا لجرعاتها الأولى مطمئنة تماماً لواضعيها؛ تشجعهم على المضي قدماً لتجريعنا ما تبقى منها حتى الثمالة، وأن ثمراتها على الصعيد السياسي قد آتت أكلها، فها نحن أولاء نستقبل ليفني ونرقص مع بوش، ونقيم لإسرائيل سفارات ترفرف أعلامها في بعض عواصمنا، ونبدأ معها علاقات صداقة وحسن جوار، ونهنئها بستين عاماً على قيامها على أنقاض بيوتنا وجثث شـهدائنا وأطفالنا.. الأمر الذي لم يكن بن غوريون يتوقعه في حواره مع رئيس الدولة وايزمن، حسبما نقله لنا حسنين هيكل على قناة الجزيرة.
إضعاف الذاكرة، الإنساء والإلهاء، التخدير، إطالة أمد النوم، قطع الصلة بالماضي والإشغال بالحاضر وصرف النظر عن المستقبل.. تلكم هي أدوات العدو المتربص للإيقاع بفريسته؛ فعلَ الشيطان، فيما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد؛ يضرب على كل منها: عليك ليل طويل فارقد".
ومن الواضح تماماً أننا على الصعيدين الثقافي والسياسي نغط في نوم عميق تحت تأثير عُقد الشيطان على قوافينا..
غير أن الشيطان نفسه يعرف من سوابق هذه الأمة السرعة المذهلة التي تنطلق بها عندما تصحو من رقادها وتستعيد وعيها وذاكرتها، وإنني أؤكد لكم أنني لست بخائف على اللغة العربية أن تضمحل شأن مئات اللغات المحلية الآخذة بالانقراض في العالم، فلم يكن عبثاً اختيار الله تعالى لها حاملةً رسالته الخاتمة إلى البشرية، لتكون هادية لها إلى قيام الساعة كلما ضلت أو انحرف بها الطريق، ولم يكن عبثاً تكفله بحفظها وصونها.. إنما أنا مشفق على هذا الجيل الذي يحمل على كتفيه مسؤولية تخلفه ونكوصه والتفريط بلغته وأرضه ومقدساته، مشفق عليه كلالته وعجزه، ورضاه بالذل والهوان، مشفق عليه استسلامه؛ يحني ظهره للجلاد يسوطه ثم يتوجه إليه بالشكر كلما كلت يده فأراحها ريثما تستعيد نشاطها.
مشفق عليه أنه يبوء- ملء إرادته- بمقت الله لمن يقول ما لا يفعل {كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ} [ الصف 61/3].
لا أخاف على اللغة العربية، وأنا ألمح في الأفق جيلاً جديداً يتأهب للنهوض بالأمانة، يحرك شـاشـات المستقبل بأصابعه؛ مستفيداً من تقنيات عصر المعرفة القادم بسرعة، ومن الفرص المتساوية التي أتاحها هذا العصر له ليفوز فيها من كان أعمق فكراً وأكثر إعمالاً لعقله.
كل ما ينبغي علينا أن نفعله؛ أن نهيء له المناخ الملائم لنموه.. أن نفتح عينيه على قيمنا الإنسانية الخالدة التي شيدنا بها أسرع حضارة في التاريخ، صافيةً نقية من شوائب التخلف والتقاليد.. أن نـرفع وصايتنا عليه.. أن نصغي إليه وهو يردد قولة إبراهيم لأبيه: {يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جـاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَـوِيّاً} [ مريم 19/43].
كم سنكون فخورين به وهو يرفع عن كاهلنا أنيار الهزائم التي صنعناها بأيدينا.

إضافة تعليق