عندما يكون الصحافي مثقفاً ..عباس العقاد يحاور سعد زغلول حول التعليم واللغة العربية

نشرت جريدة الدستور في عددها الصادر في (21 مايو 1908) هذا الحوار الذي أجراه الأستاذ عباس محمود العقاد، المحرر بالجريدة يومئذٍ، مع الزعيم سعد زغلول، وهو حوار استوقفتني فيه عدة أمور أود بيانها في هذا المقال: الأمر الأول: لغة الحوار الذي دار به اللقاء بين الصحافي (العقاد) وضيفه (سعد زغلول)، وهو حوار أقل ما يمكن أن نقول عنه إنه عبارة عن نص لغوي غاية في الفصاحة والبلاغة، وإنّ المقارنة بينه وبين ما نطالعه في صحافة اليوم يدين لما آلت إليه أوضاع اللغة العربية بين طبقات المثقفين، فضلاً عن حياتنا اليومية.

لقد انتشرت في الحوار جملٌ غاية في البلاغة والإتقان تصلح وحدها أن تكون عنواناً لجماليات اللغة العربية وبيان مكانتها على ألسنة المثقفين في ذلك الوقت من الزمن.

لقد بدأ العقاد مقاله الذي أثبت في داخله الحوار مع زعيم الأمة بكلمة مختصرة عن القضية محور اللقاء بينهما، وهي قضية التعليم، فقال في البداية: (مسألة التعليم الآن هي المسألة التي شغلت الأذهان، وأفاضت الجرائد في فحصها وتقليبها من جميع وجوهها، وفي الحقيقة إنها المسألة التي يجب على كلّ ذي بصر أن يضرب فيها بسهم، وينقّب عمّا يفتح مغلقها ويزيل عقباتها، مع إخلاص العامل الذي لا هم له إلا ترقية بلاده وخدمة وطنه بكل ما في وسعه. فإذا بحث فيها فإنما يبحث عن كل ما يستحق البحث في مصر. وعلى قدر إخلاص الباحثين أو خبث نيتهم، تكون النتيجة حسنة أو سيئة على هذه البلاد التي نفتخر أننا أبناؤها، وبأننا دون غيرنا، المسؤولون أمام الله وأمام ضمائرنا عمّا يسعدها أو يشقيها، فكل زلة يأتيها الباحث في هذا الموضوع، تبعده عن ألف حقيقة مقررة، وتدنيه من عاقبة وخيمة عليه بصفته مصرياً يسوءه ما يسوء البلاد التي ينتسب إليها. وقد تضاربت الآراء في أمر التعليم، فذهب الناس مشرّقين ومغرّبين؛ وأصبحوا يتساءلون عن تلك الضجة القائمة حول التعليم ومبلغها من الصدق والإخلاص؛ لأنّ عليها يتوقف مستقبل أبنائهم وذويهم، فإذا بهم يسترشدون ولا يرشدون).

هذا مفتتح مقال العقاد، الذي نشر فيه حواره مع سعد باشا زغلول في بدايات القرن العشرين، وهو مفتتح يصلح وحده أن يعبر بعمق عن تلك القضية، التي انشغل بها المحاور وضيفه، فلقد جاءت اللغة على درجة عالية من البيان، وانتشرت بها ألفاظ غدت غريبة علينا في عصرنا هذا، بعدما طغت ظاهرة (الفرْنجة)، إن صح التعبير، على الكثير من مفردات كلامنا اليومي، الذي اتسعت الفجوة بينه وبين هويتنا العربية واعتزازنا بلغتنا التي هي جزء من هويتنا.

لقد انتشرت في هذا المفتتح جمل من أمثال: (أفاضت الجرائد- تقليبها من جميع وجوهها- كل ذي بصر- يضرب فيها بسهم- ينقب عما يفتح مغلقها ويزيل عقباتها).. إلى غير ذلك من تلك الجمل، التي تصلح أن تكون محلاً لدرس بلاغي مهم، نبين من خلاله مكانة اللغة العربية بين غيرها من لغات العالم.

ولم تقتصر الفصاحة والبلاغة على المحاور وحده، ولكن الضيف الذي أجري معه الحوار، كان هو الآخر مثقفاً على درجة عالية من الفهم والإدراك وحب اللغة العربية، فجاء حديثه هو الآخر رائقاً وكأنه ينهل من نفس المنبع الذي نهل منه العقاد من قبل، ويكفي أن ندلل على ذلك بتلك القطعة المقتبسة من حديث سعد زغلول، عندما سأله العقاد عن خطته التي وضعها لتسير عليها وزارة المعارف، في ما يختص باللغة العربية، فكان من ضمن حديثه: (ولقد علمت أنّ أعضاء اللجنة يبذلون كل الجهد في إبلاغ هذه الجامعة أقصى ما تبلغ، وكلّ من يعلم من هم أعضاء هذه اللجنة، يثق ثقة تامة بنجاح المشروع على أيديهم، وأنّ من الغريب أن يكون في الناس من يثبط همم العاملين والمكتبيين لهذا العمل الجليل، إنّ الهمم فاترة من طبيعتها، فليست في حاجة إلى من يثبطها، ولكن هذه الأقوال ربما دفعت الخجول الذي تحمله الغيرة على الاقتداء بأمثاله إلى قبض يده عن الاكتئاب، فإنّ فيها مسوغاً يبرز عمله، ويظهره في مظهر الناس بمظهر الوطني الغيور على مصلحة بلاده).

هذا جزء بسيط من حديث سعد زغلول حول خطته التي وضعها لرفعة مكانة اللغة العربية في وزارة المعارف التي يقود زمامها، وقد جاء الحديث متناسباً ومكانة تلك اللغة في النفوس. وقد بات أغلبنا يشعر بالحرج والخجل عندما نسمع أحد المسؤولين يتحدث عبر وسائل الإعلام المختلفة، أو يكتب معلقاً على حدثٍ من الأحداث، حيث يأتي الحديث ممزقاً بين العامية واللغات الأجنبية، دون محاولة الولوج إلى رحابة الفصحى وبلاغتها وبيانها.

على كل حال، إنّ هذا الحوار الذي دار بين الأستاذ العقاد وضيفه سعد زغلول، يصلح أن يكون عنواناً لمكانة اللغة بين المثقفين في القرن العشرين، هذه واحدة، والأخرى بيان الحالة التي وصلنا إليها في تعاملنا مع اللغة العربية.

سعد باشا زغلول مع أحمد شوقي أمير الشعراءالأمر الثاني: القضية التي دار حولها الحوار: فقد دار الحوار حول قضية محورية تمس حياة الناس والمجتمع مساً مباشراً، وهي قضية التعليم، والمتحدث عنها هو وزير المعارف، أي الشخص المنوط بالمهمة، وهنا جانبان مهمان؛ الجانب الأول: قيمة القضية التي دار حولها الحوار، إنّ الصحف اليوم تطالعنا بموضوعات غريبة عن حياة الناس، وكأن القضايا الكبرى كلها قد حلّت، ولم يبق أمام الناس إلا أن ينشغلوا بتلك التفاهات التي لا قيمة لها في الأساس، وعدم الحديث عنها ربما يكون أفيد من طرحها والجدال حولها.

والأمر الثاني: صلة الضيف بالقضية، فالمتحدث في حوار العقاد هو وزير المعارف، أي هو المسؤول مسؤولية مباشرة عن القضية موطن الحديث، وهذا في الحقيقة من أقرب الطرق للوصول إلى الصواب في قضية ما، وهو أن يتحدث من له علاقة مباشرة بها، ولكن أن نفتح المجال لما نسميه في العصر الحديث بالمحللين السياسيين وغيرهم، ممن لا يكونون على إلمام كامل بالقضية المتحاور حولها، فهو أمر من شأنه أن يطمس معالم الحقيقة، وأقل ما يمكن أن يصاب به المشاهد أو المتابع لملامح ذلك الحوار هو حالة التيه، التي أصابت مجتمعاتنا العربية بسبب حديث كثير من الناس في ما لا علاقة لهم به.

الأمر الثالث: اللغة قضية هوية؛ إنّ العقاد يبدو في حديثه مركزاً على قضية اللغة وكيفية النهوض بها وتعليمها للناس، لدرجة أنه يخصص سؤالاً كاملاً للسيد وزير المعارف (سعد زغلول) حول خطة وزارة المعارف في ما يختص باللغة العربية، والعجيب أنّ الضيف لم ينزعج لعلمه، وهو السياسي المثقف، أنّ أول طريق للحفاظ على هويتنا هو محافظتنا على اللغة العربية، بل أكثر من ذلك يقول في رده: (إنّ خطتي لم تتغير ولن تتغير، وقد قلت في مذكرة المعارف، التي رددت بها على الجمعية العمومية في هذا الشأن: (إنّ من أعظم أمانيّ تعليم المواد المختلفة في المدارس المتنوعة باللغة العربية، وقد اهتممت بهذا الأمر من يوم إسناد وزارة المعارف إلى عهدتي، وبحثت فيه بحثاً دقيقاً...).

الأمر الرابع: الاعتزاز بالوطنية وبيان قيمة الانتماء؛ وهذا ملمح مهم من الملامح التي يمكن أن نستشفها من هذا الحوار، فقد انتشرت كلمات الاعتزاز والفخر بالانتماء للوطن في أكثر من مكان في هذا الحوار، وتكررت على لسان المحاور وضيفه على السواء، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله العقاد في مفتتح حواره: (هذه البلاد التي نفتخر بأننا أبناؤها، وبأننا دون غيرنا، المسؤولون أمام الله وأمام ضمائرنا عما يسعدها أو يشقيها)، ثم يقول في موطن آخر: (بصفته مصرياً يسوءه ما يسوء البلاد التي ينتسب إليها). ولم تقتصر نغمة الوطنية هذه على المحاور وحده، بل ترددت في حديث ضيفه سعد زغلول، في أكثر من موطن من هذا الحوار، فيقول على سبيل المثال: (إنني أتمنى بصفة كوني مصرياً، أن يكون التعليم في المدارس جميعها بلغة بلادنا، ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه).

إنّ بناء قيمة الوطنية في نفوس الأجيال يحتاج إلى سبل عدة، من بينها، بل ومن أهمها، هو أن تسود نغمة الاعتزاز بالوطن في تلك الوسائل الإعلامية، التي تخاطب تلك الأجيال بدل تلك الفجوة التي خلقتها بين الناس وأوطانهم.

وهذا الحوار جدير بأن يكون عنواناً لما ينبغي أن تكون عليه حياتنا الثقافية في عمومها، وما يرتبط منها بالجانب الإعلامي، الذي يخاطب عقول الشباب على الخصوص.

إضافة تعليق

19 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.