عن التعليم وحصاده

في مواجهة إشكالية التخلّف والتأخّر، هجس سؤال النهضة العربية، في أرقى أطوارها، بالكيفية التي يتمّ من خلالها تطويع العلم والمعرفة من أجل مقارعة الآخر المتقدّم والمتطوّر عسكرياً عوضاً عن البحث في نوعية العلم وجوهره وطرائق تدريسه. وبعيداً عن نظرية المؤامرة إياها، التي يُعزى إليها تخلّفنا العلمي على خصومنا الدائمين، فإنّ أيّ مشروع إصلاحي في مجتمعاتنا لم يؤخَذ بجدّية الحمولة الثقافية والحضارية المواكبة للمشروعات التعليمية.

 

لقد أبدى المشروع الإصلاحي حرصاً مبالغاً فيه، عند استيراد أيّة أفكار أو نظريات علمية، على سلخ جلدها الحضاري. ولا يزال هذا الاستخفاف وتلك الريبة يعكسان، من دون أدنى شكّ، إرثاً طويلاً لا يزال موجوداً بكامل قوّته وعنفوانه.

فمطالعة دقيقة لتاريخ العلم والتعليم في مجتمعاتنا تحيلنا على فكرة الانضباط والمراقبة وتطويع الذهن والجسد معاً. ففي أغلب الظنّ،لا تزال تصاميم المؤسّسات التعليمية ونُظمها تقوم على تلك الفكرة. في حين أنّ طرائق التدريس تعتمد بشكل رئيس على الحفظ والتلقين وضخّ الأحكام الدينية والإيديولوجية في الجماجم الفتيّة. وهذه ليست فقط وصفة مثلى للانحطاط الحضاري، بل هي كذلك، في وجه من وجوهها، تدمير لفكرة الروح الإنسانية بمعناها العميق، وبما تتضمّنه من مفاهيم الأخلاق والعدل والجمال. وفي وسع أيّ تحليل بسيط استنباط مآلات أفراد مُسخوا بانتظام إلى قطيعٍ أقصى ما يصبو إليه المحافظة على قيم المجتمع السائدة وتمجيد الماضي الغابر.

إن تعليماً كهذا، ذا طبيعة تفتيتية وانغلاقية، من شأنه تعطيل التمدّن وتسميم العلاقات الأهلية في المجتمع، فضلاً عن قدرته على إعادة إنتاج عناصر نابذة لقيم التعامل الاجتماعي، ما يشكّل تأكيداً أو ضمانة على أنّ الواقع البائس لن يتبدّل أو يتزحزح قيد أنملة. وهذا التعليم القديم الذي تحوّل إلى صنمٍ جامد وتواطأ مع الاستبداد السياسي والاجتماعي، برهنت علاقتنا المتشابكة مع العالم على أنّ هناك حاجة ماسة إلى اجتثاثه وتصفية آثاره.

التجارب الإنسانية الأكثر وفاء لقيم التقدّم والتطوّر استندت في نهوضها إلى التعليم الحرّ، الذي يتميّز، على النقيض من التعليم القديم وأنماط أخرى من التعليم، بأنّه لا يتقصّد استعباد أذهان الأفراد وأجسادهم بقدر ما يتوخّى تزويدهم بمهارات تمكّنهم من التعامل مع حقائق العصر كالتعقيد والتنوّع والتغيير، ومنحهم طيفاً واسعاً من المعرفة عن العالم الأكبر، كالعلم والثقافة والمجتمع وغيره، فضلاً عن دراسة متعمّقة في حقل معرفي بعينه. والتعليم الحرّ لا يتعامل مع الفرد بوصفه أداة قابلة للتوظيف في سوق العمل – على الرغم من اهتمامه بالمواد العلمية والتطبيقية –   بقدر ما يروم إلى تنمية حساسية مرهفة تجاه الآداب والتاريخ وتذوّق الفنون. وغنيّ عن القول إنّ التعليم في هذه الحقول هو البوابة التي عبرها يعيش المرء الحياة بقدر لا بأس به من التأمّل الفكري والمعرفة، وبخاصّة في ما يتعلّق بأطياف الخبرة الإنسانية.

ولو أنّنا توقّفنا لبرهة، وبشيء من التفصيل عند هذا الأمر، لوجدناه على قدر كبير من الأهمّية للمحيط الاجتماعي والثقافي والسياسي للمرء. فهو يعزّز القيم والفضائل الإنسانية، وفي المدى الأعمق والأبعد أثراً يجعله قادراً على فهم رغبات الآخرين واحتياجاتهم ومصالحهم على نحو أفضل، ما يتأتّى عنه التعامل معهم باحترام وتعاطف مهما كانت خياراتهم وتوجّهاتهم الاجتماعية. وحينما يكون التعاطف والاحترام متبادلاً، فإنّ الهوّة الاجتماعية التي غالباً ما ينبثق منها الشقاق والتناحر تضيق شيئاً فشيئاً.

التعليم الحرّ يقود إلى فضائل جوهرية لا غنى للإنسان المعاصر عنها؛ في مقدّمتها الحرّية الشخصية. فحينما ننظر إلى حياة البشر الذين يعيشون في كنف أنظمة قمعية وتسلّطية، نجدها حياة متلازمة مع صنوف البؤس والقسوة والموت. ولكونه مناهضاً بطبيعته للاستبداد والطغيان، يوقد التعليم الحرّ في ذهن المرء روح النقد والشكّ والمساءلة، ويدفعه دفعاً إلى طريق التنوير حيث ليس لأيّ سلطة كانت الحقّ في أن تتدخّل في حرّية الفرد الشخصية.

جرثومة تقديس المعرفة

والتعليم بهذا المعنى ينأى بنفسه عن العزلة الاجتماعية والثقافية، كما أنّه يتطهّر من جرثومة تقديس المعرفة لذاتها. وعلى النقيض ممّا يوحي به ذلك للوهلة الأولى من عداء جذري للسلطة الاستبدادية، لا يتوانى التعليم الحرّ عن تنبيه العقل إلى الطغيان الذي تمارسه جموع البشر أيضاً. وهو في حالات كثيرة يكون مرعباً وهمجياً؛ وآية ذلك المأزق المتفاقم للمثقّفين في المجتمعات العربية وانتقالهم في المواجهة مع السلطة إلى الصدام مع الجموع البشرية والسلطة معاً!

لكنّ المجتمع المتمدّن الذي يهندسه التعليم الحرّ هو وحده القادر على حماية الأفراد والأقلّيات من طغيان الجماعة، في عين الوقت الذي يوفّر لهم جميعاً الحماية من الطغيان السياسي. وعلى الرغم من أنّ هناك إقراراً بحدود التدخّل المسموح به للرأي الجمعي في الحرّيات الفردية، إلّا أنّ استكشاف هذه الحدود وحمايتها من الانتهاك يضاهي في أهمّيته للمجتمع المتمدن الحماية من استبداد السلطة.

والحقّ أنّ التعليم الحرّ في هذا السياق، يُسدي خدمات جليلة للبشر، تتمثّل أهمّها في تصالحه مع الفكرة التي مفادها أنّ العلاقات البشرية لا تتّسم بالكمال، ومن ثمّ فإنّ هناك حاجة جوهرية للرأي والنقاش والحوار كي يتمكّن المجتمع من إسماع صوته حول الطرق المثلى للتكيّف مع التحدّيات والمصاعب وتحقيق التقدّم. ويسري ما سبق على الأفراد، إذ إنّهم بحاجة إلى أن يكونوا أحراراً لكي يختبروا طرائق متباينة في الحياة وفي سعيهم للظفر بالسعادة، ويفسحوا مجالاً أرحب للاختلافات الشخصية شريطة ألّا تلحق هذه الصيرورة الأذى بالآخرين.

وفي المقابل، فإن التعفّف عن ذلك السلوك المتسامح، وإيثار التمرّغ بالتقاليد البالية، ومتابعة الخوض في مستنقع السلوك الجمعي بدلاً من الإنصات إلى صوت الأحكام الأخلاقية والجمالية المنبعث من داخل الشخصية المتفردة الفريدة، سيجعل من الظفر بالتقدّم والنماء أقرب ما يكون إلى الطوبى منه إلى الواقع.

إنّ فكرة النموّ الحرّ للفردانية هي فكرة جوهرية لازدهار الفرد وسعادته، كما أنّها واسطة العقد في المفهوم الشامل للحرّية. فالمجتمعات المتزمّتة التي لا تقرّ بالفردية وتقاتلها، لا توصم بكونها قمعية ورجعية، بل مهترئة بالمعنى العميق لهذه الكلمة. فمراحل التاريخ التي تميّزت بالتقدّم الحقيقي في ميادين الفنون والعلوم والحكم، كانت تقف وراءها روحٌ اجتماعية اتّسمت بالانفتاح واحتضان التجديد والتجريب وغير المألوف، وتزيح عن طريقها التقاليد المستهلكة التي فقدت صلاحيتها وأمست عقبة كؤود في وجه التقدّم.

إنّ تعليماً كهذا يفتح البوّابات جمعاء لجعل المجتمع متحضّراً. كما أنّ استناده، استطراداً، إلى نواة تمدينية وأخلاقية في جوفه، يجعله يتجاوز الأهمّية الاقتصادية والتنموية التي غالباً ما يُطأطئ التعليم القديم رأسه أمامها. وهذه الجزئية تتناغم مع الحداثة وقيمها؛ فالتعليم يرتبط بالحياة وبكيفية النظر إليها، ونوعية القيم السائدة في المجتمع، وتلك التي يجب أن تسود، وموقف الإنسان من قضاياه المختلفة. وهذا الأمر تحديداً، هو ما يطهِّر التعليم الحرّ من فكرة الغايات المحدَّدة والمفصَّلة سلفاً من أجل عيون الوظيفة . وهذه السمة التي كانت تعريفاً للتعليم بوجهه القديم المتغضّن، يترفع عنها التعليم الحرّ لكونه يروم صنع أفراد لديهم القدرة على التعلّم بعد انقضاء فترة التعليم الرسمي والتفكير والمساءلة وإجادة استنباط الإجابات عن الأسئلة حينما ترميها صروف الحياة عليهم. وهو أمر على قدر كبير من الأهمّية، في المآزق السياسية والأخلاقية في المجتمع.

وعلى الرغم من أنّ التعليم بوجه عام يتطلّب استثماراً كبيراً، إلّا أنّ نوعية التعليم وكيفيّته هي الأساس. فالتعليم التقليدي يبتلع الأموال الطائلة، ولكنّ افتقاره إلى المعرفة الثقافية والاجتماعية، يجعله مصدراً لأفراد بمهارات شحيحة. في حين أنّ التعليم الحرّ يهيّئ الأفراد لحياة أكثر إشباعاً في العمل وخارجه، وبخاصّة في مرافق التفاعل الاجتماعي ومسؤوليات الانخراط السياسي والمدني. ولعلّ الأهمّ يتمثّل في كونه يقلّص من نزعات الجهل والتزمّت والأنانية، وهي أمراض اجتماعية مدمّرة.

إضافة تعليق

6 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.