عن الكتب الخبيئة في الأدراج

برزت في السنوات العشر الماضية على أقل تقدير ظاهرة ثقافية لافتة، تتعلق بنتاجات الكتّاب العرب التي يمكن رصدها من خلال سيرهم الذاتية التي يتبين من خلالها أن هناك قائمة من المخطوطات الجاهزة للنشر التي لم يحن الوقت بعد لنشرها . وفي تحليل هذه الظاهرة، ومن واقع ما يقول الكتاب بأنفسهم، يتضح أن هناك أسباباً موضوعية حالت وتحول دون طباعة هذه المؤلفات ليتسنى للقارىء مطالعتها والاستفادة من مضامينها وطروحاتها .
يقف على رأس هذه الأسباب الهم الذاتي والمعاشي للكاتب، ومن جهة أخرى فهناك أسباب ذات صلة مباشرة بموضوع الإبداع، عملت على فقدان ثقة الكاتب بما يقدم من خلاصة فكر وتجربة، حيث تسرب الشك إلى وجدانه حول جدوى ما قدم ويقدم، لاسيما وأن مؤشرات ما سبق وقدمه، لم يقرأ كما ينبغي في محيطه المحلي، كما لم يتسن لهذا المنشور أن يتجاوز حدود بلده، فيصاب هذا الكاتب بالإحباط والملل والخشية من هدر الوقت بلا أي طائل، ولا أية قناعات يمكن البناء عليها، فتشجعه لمواصلة مشواره الإبداعي والحدب عليه وتجويده واختبار حساسيته في الوسط الثقافي القريب منه، والمتفاعل معه أو يرتبط بوشائج نفسية ووجدانية معه، ليتسنى له المضي قدماً في الكتابة والتأليف .

ما ذكر سابقاً، يستوجب اجتماع كل حلقات الفعل الثقافي من مؤسسات ونقاد وكتاب ومثقفين، ضمن ورش عمل تتسم بالمكاشفة والصراحة، وتبتعد عن أطر المجاملة، فتطرح أسباب هذه المشكلة على أجندة البحث في فضاء يليق بالحرية والإبداع .

فضاء جاهز لتقييم حال الكاتب العربي من دون مواربة، بمثل ما هو جاهز لتقديم الحلول، والكاتب المقصود هنا، هو ذلك المبدع الرصين المنخرط في الهم الاجتماعي والسياسي، ذلك الذي يتمتع بحصانة ثقافية وجرأة متناهية على كتابة ما يعتقد أنه يستحق أن يكون في متناول القراء، ويشير إلى حجم المخبوء من هذه المخطوطات التي تتماشى مع لحظات الكتابة في درجة الغليان، والكتابة في اللحظات العاصفة في المحيط الاجتماعي والسياسي العربي، والكتابة الفارقة والمستحيلة، وليست الكتابة التجميلية والهشة، التي تزين الحياة كما تزركش القبح والبشاعة .

المطلوب حلقات وورش عملياتية، تبحث في واقع الكتابة الأخرى سواء كانت إبداعاً شعرياً أو قصصياً أو روائياً، أو كانت تنتمي لفن المسرح والتحليل النقدي والفكري الحصيف .

ما نقصده هو تلك الكتابات المرصودة للبحث عن الحقيقة في شتى تفاصيل الواقع الأصم والجارح، الواقع المغيب بقوة وإلحاح الماكينة الدرامية التي تضبط المنتج الثقافي، كما تضبط أسعار المنتجات الغذائية في الأسواق! فتخرج كتابات فاقدة البوصلة، تطرح واقع الحال بهياً ووردياً وساحراً، في ما هو واقع رجراج بالصدمة والقسوة والبؤس وكل مفردات العذاب الإنساني .

عن أية كتابة نبحث؟ وعن أية جدوى ممكنة تتيح لهذه المنشورات حبيسة أدراج الكتاب المبدعين المكتوين بنار الكتابة أن ترى النور، هو سؤال برسم الإجابة أمام كل حلقات الفعل الثقافي في وطننا العربي الكبير والشاسع؟

دار الخليج

إضافة تعليق

13 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.