عيد الأضحى المبارك.. فرصة لتجديد المودة وتصفية الخلافات

يعيش المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها فرحة عيد الأضحى المبارك . . عيد التضحية والفداء وصلة الرحم والعطف على الفقراء والتواصل مع الأهل والأحباب . . وإذا كان حجاج بيت الله الحرام الذين نتابع أداءهم للمشاعر في الأراضي المقدسة يعيشون متعة روحية ما بعدها متعة فماذا يفعل المسلمون الذين يعيشون في ديارهم خلال العيد ليخرجوا بأفضل المكاسب الروحية والاجتماعية والنفسية من عيد الأضحى المبارك؟ وكيف نستمتع بالعيد من دون تجاوزات تجلب علينا غضب الله وعقابه؟ وما أفضل الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى خالقه خلال الأيام المباركة؟ وكيف يستفيد المسلم من العيد لإذابة الخلافات وتصفية النفوس؟ وما حكم الأضحية ومواصفاتها وكيف توزع؟ وكيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي وكيف كان يحتفل بالعيد مع أهل بيته وأصحابه رضي الله عنهم؟ طرحنا هذه التساؤلات على نخبة من علماء الشريعة الإسلامية . . فماذا قالوا؟
يبدأ المسلم مراسم احتفاله بالعيد بأداء صلاة العيد وهي سنة ينبغي أن يحرص عليها المسلم، وأن يبدأ بها برنامجه في هذا اليوم المبارك، وأن يذهب إليها وهو في كامل نشاطه وحيويته، وأن يستعد لها بأن يغتسل ويلبس أحسن ملابسه، وأن يضع على جسده شيئاً من الروائح الزكية . . فالمطلوب من المسلم رجلاً كان أو امرأة أن يستقبل يوم العيد وصلاة العيد بأحسن ما يكون الاستقبال من عبادة وشكر لله تعالى ومن هيئة جميلة .
أهداف صلاة العيد
وصلاة العيد كما يقول الشيخ محمد الراوي عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر لها أهداف اجتماعية وإنسانية، إضافة إلى أهدافها الدينية، فهي فرصة لتلاقي المسلمين في مستهل هذا اليوم، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ينتهزون هذه الفرصة لتقوية صلاتهم الاجتماعية والإنسانية بعضهم ببعض، وكانوا يهنئون بعضهم بعضاً ويقضون بعض الوقت الطيب مع بعض داخل المسجد أو خارجه يتبادلون التهاني والنصائح والأحاديث الودية ويعودون إلى منازلهم وهم أكثر بهجة ونشاطاً .
ويشير الشيخ أبو الحسن إلى ضرورة أن تكون فرحة العيد جماعية تتم بروح الأسرة والجماعة، ومن ذلك دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء بحضور صلاة العيد وحتى لو كانت المرأة صاحبة عذر من حيض أو نفاس، فلها أن تشهد هذا الجمع وهذه الفرحة، والأولاد والصبيان يستحب إحضارهم إلى هذا الجمع ليعيشوا الفرحة مع التوسعة عليهم بما يناسب سنهم، كل على قدر استطاعته .
د . نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر يحث المسلمين الذين يمتلكون ثمن الأضحية على الحرص عليها فهي من أفضل الأعمال التي ينبغي أن يتقرب بها المسلم إلى خالقه في هذه الأيام المباركة، وقد ورد الأمر الإلهي بها في قول الحق سبحانه وتعالى: »إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر« . . والمعنى الذي تحمله الآيات الكريمة: إنا أعطيناك يا محمد النهر العظيم المسمى بالكوثر، فداوم على الصلاة، وعلى نحر الإبل تقرباً إلى الله، وتصدق على الفقراء والمساكين، واعلم أن الكاره لك والمعادي لشخصك هو المقطوع عن كل خير، والمحروم من كل سيرة حسنة .
وقد رغّبنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال العديد من الأحاديث النبوية الكريمة في الأضحية، وأخبرنا بأنها تأتي بقرونها وأشعارها وأظلافها لتشفع لصاحبها يوم القيامة .
وعن المواصفات الشرعية للأضحية يقول د . واصل: الأضحية تكون من الإبل أو البقر أو الغنم من الذكور أو الإناث، ويجب أن يكون سن الإبل خمس سنوات، والبقرة سنتين، والغنم سنة، ويدخل في الغنم الماعز، وأجاز بعض الفقهاء أن يكون سن الغنم ستة أشهر . أما الماعز فلا يقل عن سنة، وتكفي الناقة أو الجمل عن سبعة أشخاص وكذلك البقرة . . أما الشاة فتكفي عن شخص واحد .
ووقت ذبح الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى، أما الذين يذبحون قبل العيد لكي يطعموا الفقراء والمساكين قبيل العيد فما يقدمونه صدقة وليست أضحية، فالوقت المفضل لذبح الأضحية يكون في يوم عيد الأضحى بعد صلاة العيد، فإذا لم يتمكن المضحي من ذبح أضحيته في يوم عيد الأضحى، جاز له أن يذبحها في الأيام الثلاثة بعد يوم عيد الأضحى . . ولذلك أنبه هنا على ضرورة أن يكون الذبح بعد صلاة العيد، كما أمرنا ربنا سبحانه في قوله الكريم »فصل لربك وانحر«، وكما أرشدنا رسولنا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: »من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة والخطبتين فقد أتم نسكه أي عبادته وأصاب المسلمين« .
التوسعة على المحتاجين
وينصح د . واصل هؤلاء الذين حولوا الأضحية من عبادة لها أحكامها وضوابطها الشرعية إلى مجرد عادة لا يستفيد منها الفقراء ويقول: الذين يضحون ولا يطعمون الفقراء يحرمون أنفسهم من أجر وثواب الأضحية، فالهدف من الأضحية واضح، وهو التوسعة على الفقراء والمحتاجين في هذه الأيام المباركة، فالأضحية في عيد الأضحى تماثل زكاة الفطر في رمضان، والهدف من الاثنتين هو التوسعة على المسلمين، خاصة المحتاجين منهم، فضلاً عن أنها تساعد على صلة الرحم، حيث يتم توزيع جزء منها على الأهل والأقارب والأصدقاء . فهي تقسم ثلاثة أقسام: قسم للفقراء والمحتاجين، وكلما زاد نصيب هؤلاء منها اكتسب صاحبها المزيد من الأجر والثواب . . وقسم لأهل البيت ولا ينبغي أن يزيد على الثلث، والثلث الباقي للأصدقاء والأقارب .
إن الذبح في هذه الأيام المباركة ليس هدفاً في حد ذاته، ومن أبرز أهداف الأضحية التوسعة على الفقراء والمحتاجين، وعندما يبخل الإنسان الذي يضحي على هؤلاء لا تكون هناك أضحية ويضيع المسلم على نفسه الأجر والثواب .
ومن السنة أن يذبح المضحي أضحيته بنفسه إن كان يحسن ذلك، فقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول عند الذبح : »بسم الله، والله أكبر، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم، اللهم منك وإليك اللهم تقبل مني« . . لكن من لا تسمح ظروفه بذلك أو لا تتحمل مشاعره أن يذبح بنفسه يجوز له توكيل من يقوم بذبح الأضحية نيابة عنه ويفضل أن يكون من أهل بيته، فإن حالت الظروف دون تحقيق ذلك فعليه أن يوكل من يقوم بهذه الشعيرة الإسلامية . . فدين الله يسر لا عسر، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والمهم هنا هو التوسعة على الفقراء والمحتاجين في هذا اليوم، وهذا هو الهدف الأسمى من الأضحية .
فرحة وصلة رحم
وبما أن العيد شرع في الإسلام لراحة النفس والبدن وإدخال السرور والبهجة على الأسرة من دون مخالفات أو تجاوزات شرعية فإن المسلم كما يقول د . إسماعيل الدفتار أستاذ السنة النبوية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر مطالب شرعاً بأن يعيش هو وأسرته فرحة العيد، فالإسلام دين بهجة وسعادة ولا يحرم الإنسان أبداً من أمر فيه فائدة حقيقية له، وأعياد المسلمين كلها منافع وفوائد للجميع من أغنياء وفقراء، ولو فهم المسلم المقاصد الحقيقية من العيدين عيد الفطر وعيد الأضحى واحتفل بهما وفق الضوابط الشرعية والالتزام بالقيم والأخلاقيات الإسلامية لأدخل السرور والبهجة على نفسه وكل المحيطين به من دون تجاوزات .
ويوضح د . الدفتار أن الأعياد في الإسلام لها أهداف ومقاصد سامية، وحكم عالية، ومنافع كثيرة، فهي فرصة للترويح عن النفس، خاصة أن العيدين يأتيان بعد أداء عبادتين، فعيد الفطر يأتي بعد أداء عبادة شاقة وهي الصوم، وعيد الأضحى يأتي مع أداء عبادة شاقة أيضاً وهي الحج . . والمسلم مطالب بالاحتفال بالعيد بكل ما هو مباح ومشروع، والمباحات من وسائل الترفيه والبهجة كثيرة . . لكن للأسف تضيق الدنيا بالبعض ولا يحلو لهم العبث والفوضى إلا في الأعياد، وهذا أمر مرفوض شرعاً ويجلب على صاحبه غضب الله وعقابه .
وينصح د . الدفتار المسلمين بأن يتخذوا من هذا العيد مناسبة لتجديد المحبة والمودة والتزاور والتلاقي بين الأقارب والأصدقاء، وفرصة لتصفية الخلافات وزيارة المرضى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »من عاد مريضاً، أو زار أخاً له في الله ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا« .
ويضيف: علينا أن نجعل من العيد فرصة لمساعدة المحتاجين، وتفريج كرب المكروبين وإدخال السرور على المحزونين ورسولنا الكريم يقول: »من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه« .
ضوابط الاحتفال
ويؤكد الدكتور الدفتار أن من واجب المسلم أن يغتنم هذه الفرصة الذهبية حتى يدعم الروابط الأسرية والاجتماعية مع أهل بيته أولاً ثم مع الأهل والأصدقاء والأقارب والزملاء، فيترك الخلافات والمنازعات ويبدأ مع الجميع صفحة جديدة ملأى بالفرحة والسرور بالعيد، لأن ذلك تجديد لحياته ودافع إلى النشاط والعمل حتى لا تسير الحياة على وتيرة واحدة فيحدث الملل وتضعف الهمم .
ويضيف: إن الأسرة المسلمة، بل المجتمع المسلم بصفة عامة، في أشد الحاجة إلى بهجة الأعياد بعد أن أصبحنا في مشكلات اجتماعية ونكبات اقتصادية تلحق بنا هزائم نفسية الواحدة تلو الأخرى، والعيد ببهجته يخرجنا من هذه الهموم ويفتح أمامنا بارقة أمل .
ويشير الدكتور الدفتار إلى أن الترويح عن النفس أمر مطلوب في الأعياد وغيرها، وفي هذا الشأن تتضح وسطية الإسلام واعتداله كما تتضح في جميع مبادئه، فهو لا يحرم ولا يجرم أي نوع من التسلية والترويح والاستمتاع بطيبات الحياة واللهو البريء مادام لا يتجاوز حدود ما شرعه الله وظل محكوماً بالاعتدال، وبشرط ألا يلهينا عن الواجبات الشرعية، كالصلاة في وقتها ودراسة العلم والتفوق فيه، لأن تحصيل العلوم واجب شرعي سواء كانت علوم الشريعة أو علوم الدنيا، وألا يدفع الترفيه بالإنسان إلى التكاسل عن العمل أو السعي في تحصيل الرزق .

إضافة تعليق