عَسْكَرَة العَوْلَمة

هل الانتحار وسيلة للحياة؟، ليس سؤالاً وإن استخدم منصة القول الاستفهامي، بل هو تَقْدِمة لا تحتاج إلى إجابة، لأن الغرض من الحياة في كثير منها ليس مبعثه القياس على قالب، وعليه فالذهاب إلى النصوص الاجتماعية على تعدد توجهاتها الفكرية والعقائدية؛ لا يدفع في أغلبه، وأشهره، بل وأرحمه بالقول إن الحياة وسيلة للانتحار.

ثلاثون ألف ياباني ينتحرون في 2011، يقل العدد أو يزيد من سنة إلى سنة، وتختلف النِسب في بقية الدول، بينما الإحصاء يمارس دوره سنوياً للإعلان عن حصاد كل سنة، كما لو أن الأمر مطابق لمحصول الأرض مما يُزْرَع فيها. أو لنقل –حتى لا يبدو الوضع هنا صيغة للتفاؤل أو التشاؤوم– إحصاء للزلازل، للبراكين، للجرائم.

 ما هي النسبة العددية بين المنتحرين في العالم والقتلى على يد الحروب المُعَسكَرة؟. ما هي الإضافات المُمْكِنة لوضع تعريفات أخرى للانتحار؛ غير ذلك الذي يُلام عليه شخص واحد اتخذ قراره بنفسه، بينما تتخذ الآليات السياسية للمصلحة القومية المزعومة لفئة دولية ما؛ الزج بالعالم كله في صيغ لا براء ولا مناص منها؛ تغليباً للموت على الحياة بدافع السعي للحياة.

 أياً كان سبب الانتحار الشخصي فإنه يتشاكل مع سؤال عن جدوى الوجود، مُنْطَلِقاً ربما من آلام خاصة كانت، نتيجتها التوقف والتفكر، ومن ثم السعي لفهمٍ آخر للوجود. أما القتل المُنَظَّم الذي من الممكن تسميته “إنْحَار الآخر” فلا تعتريه أي لحظة تَفَكُّر، سوى تلك اللحظة التي يُؤْمَر فيها ببدء الهجوم.

 ولننظر إلى بقية الكائنات غير البشرية، وأشكال استغنائها عن الحياة، إنه فعل طبيعي، فالمسألة منوطة بالتكلفة المطلوبة من المحددات المادية للتشكل الجسماني، كما من الافتراض الروحي لِكون الروح مضخة الشعور بالجدوى المُطْلَقة للالتذاذ بما تعيه مادة تشكلنا؛ على ما تكون عليه؛ بشرياً، حيوانياً، نباتياً، جماداً. إنه قانون واحد، تَتَأَتَّى من دوافعه الجدلية نتائج التكلفة المُفترض الإيفاء بها، لنعيش فترة، ونموت فترة، أو أبداً... إلخ.

 لكن ما الذي على الأمل عمله، أو جعله يستنفر ضد الآليات الأكبر من الفرد. الفردُ ذلك الوحدة القياسية للمحدودية، للضعف؟. مرة أخرى؛ هذا أيضاً ليس سؤالاً، وإن استخدم منصة القول الاستفهامي، بل هو تَقْدِمة لا تروم مصيراً غارقاً في النفايات الاجتماعية القارة على مهازلها الأكاديمية النَصِّية.

 لا يفترض الأمل اقتراحاً لحل مشكلة، بقدر ما أن دوره محاكمة متقدمة للحياة، الحياة التي تعيش على أيادٍ عملت وتعمل على عَسْكَرة المعرفة، عسكرة الفرد، عسكرة اللغة، عسكرة العولمة.

 دأب ما يُفترض تسميته بالعقل البشري الأول، وبعفوية وعي الحاجة؛ على تطوير أدوات التعامل مع محيطه، فمثلاُ وبالتأكيد، أخذت “الملعقة” شكل راحة، و”الشوكة” الأصابع، وعلى القياس كان يتم كل شيء مُخْتَرِعَاً جدوى ما للإنسان، لا نقول جدوى راحته فقط، بل أيضاً جدوى كون تاريخه يسعى لسبر أغوار فأغوار فأغوار. لا نهاية للمسألة، لكن الحاكم الافتراضي لهذا المصير، تسييراً وتخييراً؛ يُؤَشِّر إلى مستقبل أقل ظلمة. فما الذي أعطتنيه الملعقة والشوكة الآن، سوى توفير يدي لوظيفة تدمير الحياة.

 

   جريدة الاتحاد

إضافة تعليق

9 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.