غربة المثقّف العربي.. صُور وتجلّيات

ما من مثقّف في المجال العربي تقريباً إلّا وله سيرة وذاكرة مع الغربة. والغربة هي بحسب أنواعها وصُورها وأنماطها؛ فهناك غربة المثقّف عن مجتمعه، وهناك غربة المثقّف عن ثقافته، وغربة المثقّف عن لغته، وغربة المثقّف عن تاريخه، إلى جانب مَن يرى غربة المثقّف حتّى عن نفسه في بعض الحالات، فالغربة بهذا المعنى هي غربات لها صُور وأنماط متعدّدة.
حصلت هذه الغربة في المجال العربي بطريقة مزدوجة، اشترك فيها وتسبّب بها المثقّف من جهة، والمجتمع من جهة أخرى، وذلك على اختلاف الحالات والدرجات من مجتمع لآخر.
تسبَّبَ المثقّفُ بها وشعر بها حين عزل نفسه وانقطع عن المجتمع بإرادته أو بغير إرادته، وحين تعالى وترفّع وأخذته الكبرياء على المجتمع، وهكذا حين تفكّكت علاقته بالمجتمع وانفصمت لسببٍ من الأسباب. فالمثقّف الذي طوَّق نفسه بالإيديولوجيات وبقي سجيناً لها، فكراً وتاريخاً، لغةً واصطلاحاً، نبضاً وحسّاً، كالماركسية والوجودية والوضعية والداروينية وغيرها، فإنه بهذا المنحى يكون قد فقد خطاب التواصل مع المجتمع الذي لا تربطه صلةٌ ثقافية وروحية وتاريخية ولغوية بهذه الإيديولوجيات الغريبة عليه، ما جعل المثقّف يعيش غربة أو يحسّ بغربة في مجتمعاته.
وهكذا الحال مع المثقّف الذي يرى نفسه أنّه بتأثير علاقته بالثقافة والمعرفة والأدب، أصبح ينتمي إلى طبقة راقية ومتفوّقة على طبقات المجتمع الأخرى المتدنّية في نظره وفي شعوره النفسي، هذا الإدراك الوهمي يدفع بالمثقّف إلى حالة من التعالي، وتؤدّي به إلى نوع من الاضطراب في علاقته بالمجتمع، والبقاء على هذا الوضع ينتهي بالمثقّف لأن يعيش الغربة في مجتمعه.
وتسبّب بهذه الغربة المجتمعُ من دون وعي وإدراك، وذلك نتيجة تقلّص علاقته بالفكر والثقافة والمعرفة وانكماشها، وهو الوضع الذي أحدَث فجوة كبيرة وغير طبيعية في علاقة المجتمع بالمثقّف. فهناك تراجع ثقافي ممتدّ وشديد في مجتمعاتنا العربية الراهنة، جعلها لا تواكب المثقّف، ولا تجاريه في عطاءاته الفكرية والمعرفية والثقافية والنقدية، ولا تُظهر التفاعل معه، والاقتراب منه، وصعبت كذلك على المثقّف إمكانية التواصل الحيوي مع المجتمع، والتخاطب الفعّال معه فكرياً وثقافياً.
وتسبّب بهذه الغربة المجتمعُ كذلك، حين لم يلتفت إلى المثقّف من جهة الاعتبار الأخلاقي والتقدير الاجتماعي، وجرى التعامل معه في أحيان كثيرة بنوعٍ من الإهمال والتغافل غير المقصود، الوضع الذي ترك أثراً وتأثيراً نفسياً ووجدانياً جارحاً على المثقّف، ظاهراً أو مخفيّاً، وسواء أعلن عنه المثقّف وجاهر به أم تكتّم عليه.
وبشأن غربة المثقّف عن ثقافته، فإنّ لها إحساساً عميقاً في نفسيّة المثقّفين، وما من مثقّف في المجال العربي إلّا وشعر بها، على اختلاف درجات هذا الشعور، واختلاف أنماط المثقّفين. فهذا الشعور عند بعض المثقّفين ظلّ يتنامى بصورة تدريجية، وحصل الإدراك به نتيجة تراكم التجربة الفكرية، واكتمال مراحل النضج، إلى جانب تقادم العمر.
وعند مثقّفين آخرين حصل هذا الإدراك بصورة سريعة، وفجائية أحياناً، وذلك بتأثير أحداث كبرى مؤثرّة، ذاتية أو موضوعية، نفسية أو فكرية، يكون لها عادة وقْع الصدمة والصدمة الشديدة والمدوّية التي تنبّه الإنسان بقوّة إلى ذاته.
وهذا ما حصل مع نكسة عام1967، الحدث الذي هزّ ضمير شريحة من المثقّفين، وفتح أوسع حديث عمّا سمّي في وقته النقد الذاتي. وهذه الغربة حصلت عند المثقّفين الذين اندفعوا بتأثير سحر الحداثة والتقدّم والانخراط في روح العصر والانتماء إلى العالم الحديث، نحو تبنّي المذاهب الفكرية والفلسفية التي تنتمي كلّياً إلى الثقافة الأوروبية.
وحين توقّف أمام هذه القضية، الناقدُ المغربي الدكتور محمد وقيدي في مقالة له بعنوان: "مقدّمات لاستئناف القول الفلسفي في الفكر العربي المعاصر"، نُشرت في مجلّة "عالم الفكر" الكويتية سنة 2002، متحدّثاً عن المحاولات الفلسفية العربية، فإنّ هذه المحاولات في نظره غلبت على كثير منها، الرغبةُ في الانتماء إلى أحد التيارات الفلسفية الكبرى المعاصرة، لدرجة أنّ المتفلسفين العرب لم يتركوا للمحلّل فرصة متابعة تفكيرهم، وتحليله للوصول إلى تصنيفهم ضمن إحدى المسمّيات الفلسفية الكبرى أو خارجها ضمن تسمية جديدة، بل نراهم يتسارعون في الانتساب إلى ما هو قائم من تسميات مثل الوجودية والشخصانية والوضعية والعقلانية وغير ذلك.
وهذا الموقف في نظر الدكتور وقيدي، هو ما جعل المتفلسف العربي يظهر بمظهر مَن يختبئ وراء أسماء أخرى من أجل صياغة أفكاره الفلسفية، وكأنّه بهذه الصفة يفكّر في اسم مستعار، ولا يكون قادراً على القول بصيغة أنا أفكّر.
وبخلاف هذا الموقف، ما ذهب إليه الكاتب المغربي الدكتور سالم يفوت الذي امتدح ما أسماه تمثّل الدرس الفلسفي الغربي، وأشار إلى هذا الموقف في كتابه الوجيز "المناحي الجديدة للفكر الفلسفي المعاصر"(1999)، وحسب قوله : "وتاريخنا الحديث زاخر بالمحاولات الهادفة إلى تمثُّل الدرس الفلسفي الغربي، انطلاقاً من نزعة شبلي شميل التطوّرية الداروينية، ثمّ وجودية عبد الرحمن بدوي، فوضعية زكي نجيب محمود، وشخصانية رينيه حبشي ومحمد عزيز الحبابي، وأرسطية يوسف كرم، وجوانية عثمان أمين، وديكارتية كمال يوسف الحاج.. حتّى النزعات المعاصرة التي تنهل من الماركسية أو غيرها من الصيغ الفلسفية الأخرى، التي تحتلّ الساحة الفكرية الراهنة".
وجوهر الملاحظة ليس في الاقتراب من هذه المذاهب الفلسفية وغيرها، وتكوين المعرفة بها، والتمكّن منها، وإنّما في الاندفاع نحو هذا الدرب، ويقابله الانقطاع عن التواصل مع الثقافة العربية والإسلامية، والانقلاب عليها عند بعض المثقّفين، والصدام معها عند بعض آخر، الوضع الذي كشف عن خلل منهجي في البناء والتكوين الروحي والثقافي عند هؤلاء المثقّفين، كان من نتائجه الغربة الثقافية.
هذه الحالة بصورتها المزدوجة الانقطاع عن الثقافة الإسلامية، والالتحاق بالثقافة الأوروبية، لعلّ أفضل من تنبّه لها وتحدّث عنها هو الدكتور زكي نجيب محمود، وذلك نظراً لمكانته العلمية العالية، وجدّية تجربته الفكرية، وتميّزه في الضبط والتدقيق الفكري والفلسفي.
الصورة الأولى المتعلّقة تجاه الثقافة الإسلامية، هذه الصورة تحدّث عنها الدكتور زكي نجيب محمود في مقدّمة كتابه "رؤية إسلامية" (1987) قائلاً: " لقد أوهمنا أنفسنا وهماً عجيباً، قيّد خطواتنا على طريق التقدّم، وهو أنّنا توهّمنا أنّ ثمّة تناقضاً بين أن يكون الإنسان مسلماً بعقيدته الدينية، وأن يكون في الوقت نفسه ساعياً إلى ما يسعى إليه أهل الغرب، من إيجاد لعلم جديد، ثمّ إقامة حضارة جديدة على أساس ذلك العلم الجديد. وقد كاد الأمر يكون كذلك، لو أنّ إسلامنا لم يجعل العلم وتطبيقه ركناً أساسياً في بنائه. وإنّي لأتصوّر أنّ الأمّة الإسلامية، لو كانت اليوم على مثل قوّتها الأولى، لكانت هي التي ملكت زمام عصرنا هذا بكلّ ما فيه من علوم، ومن تقنيات، فالذي انتهى بنا إلى موقف المتسوّل المحروم في دنيا العلم والصناعات، ليس هو إسلامنا، بل هو أننا قد أخطأنا منزلة العلم بأسرار الكون، والانتفاع بذلك العلم في الحياة العملية.. أقول إنّنا قد أخطأنا منزلة ذلك كلّه في العقيدة الإسلامية، تلك المنزلة التي من أجل رفعتها، كانت (اقرأ) أول ما نزل به القرآن الكريم".
وبشأن الصورة الثانية المتعلّقة بالموقف تجاه الثقافة الأوروبية، هذه الصورة تحدّث عنها الدكتور زكي نجيب محمود في مقدّمة كتاب "تجديد الفكر العربي" (1982) بقوله : إنّه " واحد من ألوف المثقّفين العرب، الذين فُتحت عيونهم على فكر أوروبي قديم أو جديد، حتّى سبقت إلى خواطرهم ظنون، بأنّ ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه، لأنّ عيونهم لم تفتح على غيره لتراه، ولبثت هذه الحال مع كاتب هذه الصفحات أعواماً بعد أعوام، الفكر الأوروبي دراسته وهو طالب، والفكر الأوروبي تدريسه وهو أستاذ،(..) ثمّ أخذته في أعوامه الأخيرة صحوة قلقة، فلقد فوجئ، وهو في أنضج سنيه، بأن مشكلة المشكلات في حياتنا الثقافية الراهنة، ليست هي: كم أخذنا من ثقافات الغرب، وكم ينبغي لنا أن نزيد".
وأمّا غربة المثقّف عن لغته، فقد ظهرت وتجلّت في مغرب العالم العربي أكثر من مشرقه، وذلك بحكم ما تعرّضت له المنطقة من فَرْنَسة مُمنهَجة حصلت خلال فترة الاستعمار الفرنسي الطويل والشرس، الذي فرض اللغة الفرنسية فرضاً، وجعلها اللغة الرسمية في التعليم والإدارة.
وخطورة غربة اللغة تكمن في أنها تستتبع معها غربات متعدّدة، بل إن جميع الغربات الأخرى تتأثّر بها، كالغربة عن الثقافة، والغربة عن المجتمع، والغربة عن التاريخ، وتصل حتّى إلى الغربة عن الذات.
وكنتُ قد لمست هذه الغربة بنفسي حينما زرت دول المغرب العربي، ومن المواقف التي كنت شاهداً عليها ما حصل حين شاركت في مؤتمر فكري نظّمته جامعة وهران في مدينة وهران غرب الجزائر سنة 2012، في هذا المؤتمر اعتذر أحد الأكاديميين الجزائريين عن الحديث باللغة العربية، وتحدّث باللغة الفرنسية لضبط تقديم مداخلته بصورة علمية ومحكمة، وقد لاحظت عليه نوعاً من الحرج خلال تقديم المداخلة وبعدها، لكونه الوحيد في المؤتمر الذي تحدّث بالفرنسية.
هذه صور وتجليات لغربات المثقّف في المجال العربي المعاصر، وإشكالية هذه الغربات وحساسيّتها أنّها أثّرت وتؤثّر على طبيعة أدوار المثقّفين وديناميّتها في مجتمعاتهم، وهُم الذين حاصروا أنفسهم بهذه الغربات، وهُم كذلك قادرون على التغلّب عليها، واستعادة مكانتهم اللّائقة بهم في مجتمعاتهم.

إضافة تعليق