غزة بين قمتين

"أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل"..

بهذه العبارة – المشحونة بقدر كبير من الحزن والأسى- اعتذر الرئيس بشار الأسد للشعوب العربية عن انتظارها الطويل؛ لموقفٍ، لكلمةٍ، لردة فعلٍ، لحركة، لإجراءٍ، لإنكارٍ، لطرد سفير، لإنزال علم عدوّ ٍ، لقطع علاقةٍ، لفتح معبر، لنجدة مظلوم، لتضميد جرح مكلومٍ، لإغاثة ملهوف، لوقف نزيف دمٍ غزير عزيز يراق، لصرخةٍ مدوّية تخترق جدار الصمت..

وددت أن أقول للسيد الرئيس المهموم بقضية أمته: لا تحزن!! لئن كانت القاعدة العامة أن الوجود خير من العدم، وأن التأخر خير من الغياب، فإن غياب النفاق خير من وجوده ?لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين? [ التوبة 9/47].

عشرون يوماً قبل القمة الطارئة، والجرح الفلسطيني في غزة الصامدة ينـزف، والأطفال يُقتلون ويروَّعون، والبيوت تدمر فوق رؤوس ساكنيها، والقتل الجماعي لأسر برمتها يستعر.. والمستشفيات والمدارس والمساجد، والملاذات الآمنة، ومراكز الأونروا، وطواقم الإسعاف.. كلها تُقصف بأعتى أسلحة الدمار الشامل، وبالمواد الحارقة المحرمة، على مرأى ومسمع منكم أيها الغائبون المخذِّلون..، وأنتم ترواغون وتماطلون، وتستقبلون العدو بالأحضان وتقبِّلون، وتفاوضون، وتتلعثم ألسنتكم بانتحال المبررات

 

والأعذار، وتُلقون باللوم على الضحية وتعذرون الجلاد، وأنتم تتفرجون على سياطه تلهب ظهور أبنائكم على شاشات التلفاز .. ما الذي كنتم تنتظرون وأنتم تتابعون العدد المتزايد باطراد من الدماء النازفة، والمساحات المحروقة في غزة؟! ما عدد الشهداء الذي كنتم تعدونه كافياً للموافقة على عقد قمة، فضلاً عن التحرك في كل اتجاه لوقف نزيف الدماء؟! ما التفسير الذي كنتم تنتظرونه من شعوبكم لتخاذلكم وصمتكم وقعودكم عن نصرة أهلكم؟!


لقد التمست شعوبكم لكم العذر لإسكاتكم أسلحتكم؛ التي وفرت لكم أثمانها من أقواتها؛ لتتكدس وتصدأ في مخازنكم؛ مدركة أن للحروب العصرية حساباتها واعتمادها على التفوق التقني؛ الذي لم تسمح مصادر التسليح الأمريكية للعرب مجتمعين أن يحققوا فيه تفوقاً على إسرائيل، وأن لا سبيل للشعوب المقهورة بالاحتلال إلا المقاومة التي توفر أسلحتها ذاتياً من الحجر الذي تلتقطه من ركام بيتها المهدم، والصاروخ الذي تصنعه في ورشة الحدادة، والسلاح الذي تنتـزعه من يد عدوها. فما العذر الذي يمكن لشعوبكم أن تلتمسه لكم في التواطؤ مع عدوّها لتصفية المقاومة؛ ملاذها الأخير وخيارها الوحيد؟! 

"كلما تناسينا أو نسينا مذابح دير ياسين وكفر قاسم وجنين وقانا وكل المجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق أهلنا في فلسطين، أصرت إسرائيل على تذكيرنا بحقيقتها.. نَعِدُها أن ذاكرتنا قد استيقظت على وقع المحرقة في غزة، وسنبقى نتذكر، ونذكر أبناءنا، وسنخبئ لهم صور أطفال غزة ودمائهم النازفة في ألعابهم، وسنخبرهم عن الشهداء والثكالى والمعاقين،

 

وسنعلن شعار لا تنسَ على جدران غرفهم.. جرائمكم ستنتج أجيالاً عربية قادمة أشد عداءً لإسرائيل.. مناعتها تتطور، وإراداتها تتصلب بوتيرة أسرع، وبشدة أكثر فتكاً من تطور ترسانتكم.. إنكم تحفرون بأيديكم قبور أبنائكم وأحفادكم". 


كانت هذه خاتمة كلمة الرئيس بشار الأسد في قمة الدوحة.. خاتمةً مفعمة بالتحدي وبالأمل وبالمستقبل، مذخورةً بطاقة الشباب وحيوية الشباب، فلتستعِدْ القيادات العربية الهرِمة شبابها على وقع هذه الكلمات، ولتعد إلى  صفوف شعوبها، فشعوبها أحنى عليها من عدوها المراوغ الذي يغرر بها..  أيتها القيادات الفلسـطينية والعربية الهَرِمة، كفاكـم (ردحاً) بالمعنى العامـي للكلمة، و (نفاقـاً) بالمصطلح القـرآني لها؛ ?لا يحب الله الجهر بالسـوء من القول إلا من ظُلم? [النساء7/148]..

لقد رحتم تتشدقون بوحدة الصف، وترومونها وحدة إقصاء وتفرد لتتوحَّدوا مع أنفسكم وتتوحد أنفسكم مع عدوِّكم..

لقد فضحت تسيبي ليفني وزيرة خارجية العدو أمركم، فأعلنت حربها على غزة من عواصمكم، وأعلنت من باريس أنها تقاتل غزة بالنيابة عنكم، وأن المقاومة مشكلة لكم مثلما هي مشكلة لإسرائيل. ?إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص?[ الصف61/4 ]..

أفهم وحدة الصف أن يكون لجسد المقاومة الواحد يدان: يد سياسية تمثل المقاومة الناعمة، ويد عسكرية تمثل المقاومة الخشنة.. يدان متعاونتان لجسد واحد تدعم إحداهما الأخرى.. وجهان لعملة واحدة.. هكذا انتصرت المقاومة وحررت أرضها وشعوبها في فيتنام وفي جنوب إفريقية ، وفي كل مكان قاوم فيه الشرفاء من أهل الأرض محتليهم..


ما الذي فعلَتْه دبلوماسيتكم الرخوة منذ مدريد وأوسلو وأنابوليس، غير المزيد من التنازلات تلو التنازلات، دون أن تكسبوا لأمتكم نقطة واحدة

 

تحسب لكم؟! ماذا حصدت فلسطين من مفاوضاتكم على أيدي كبار مفاوضيكم غير جدران الفصل العنصري، والمزيد من المستوطنات، والحصار الخانق، وكفّ اليد من طرف واحد هو طرفكم، وإطلاق العنان للمطرقة الثقيلة تدك بيوت أهلكم، والاغتيالات الجبانة من الجو، تقتل صفوة مجاهديكم؟!    


أيتها القيادات الفلسطينية والعربية الهَرِمة، آن أن تعودوا إلى صف شعوبكم ، استقيموا فيه. سوُّوا صفوفكم خلف المقاومة، فإن الله لا يحب الصف المعوج!! إن دماء النخوة والمروءة والعزة والكرامة ما زالت تفور في عروق أمتكم؛ شبابها وشيوخها.. لا تشوهوا تضحيات أهلكم في غزة، وتهدروا دماءهم الزكية التي صعدت إلى بارئها تشكو ظلمَ عدو غاشم، يقف من ورائه عالَـمٌ مَرَدَ على النفاق.. بذلك فقط تتحقق لشعوبكم وحدة الصف، وتكون وحدته كالبنيان يشد بعضه بعضاً..  


محمد عدنان سالم

                                                                                            18/1/2009

إضافة تعليق

10 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.