غياب وحضور متعثر.. الرواية البوليسية العربية

تعد الرواية من أكثر الفنون الأدبية رواجاً وانتشاراً في وطننا العربي بالنظر إلى كونها جامعة لبعض الأجناس الأدبية الأخرى؛ كالقصّة والأسطورة والملحمة وغيرها.. فهي تقدّم قصصاً مشوّقة تساعد القارئ في معظمها على التّفكير في القضايا الأخلاقية والاجتماعية وحتى الفلسفية، كما يحثّ بعضها على الإصلاح، ويهتم بعضها الآخر بتقديم معلومات عن موضوعات غير مألوفة، ومنها ما يكون هدفه مجرّد الإمتاع والتسلية.

والرواية أنواع؛ منها الرواية الواقعية، وهي التي تصور أشخاصاً وحوادث من واقع الحياة، وكتّاب هذه الرّوايات الواقعية يسعون إلى تصوير الحياة كما هي، ومنها الرواية الرومانسية، وهي التي تقدم لنا أحداثاً رومانسية وعاطفية، وتقدّم لنا في الغالب صوراً مثالية عن الحياة، ومنها روايات الخيال العلمي التي تصف لنا أحداث المستقبل وحياة الكواكب الأخرى، كما نجد شكلاً آخر من أشكال الرّواية، وهو ما سنتعرض له في هذا المقال، وهي الرّواية البوليسية، التي تعدّ من أشهر الرّوايات وأحبّها إلى قلوب الكثير من القراء. لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل لنا نصيب من هذا اللون الأدبي في وطننا العربي؟ ولماذا أمكن للثقافة العربية أن تنتج الرواية بموضوعاتها المختلفة، وتتقاعس في الوقت نفسه عن إنتاج الرواية البوليسية؟

والرواية البوليسية، كما عرفها عبدالقادر شرشار بقوله: الكتابة البوليسية هي العمل السردي الذي يبنى على عملية التحري، التي يقوم بها رجـال البوليس أو تحرٍّ خاص، بحثاً عن مرتكب جريمة أو عدة جرائم وتغليف عملية البحث هذه بإطار تشويقي، وبالتالي هي لون خاص جداً من ألوان الأدب، تنتقل بالقارئ إلى عالم الجريمة المناقض بأحداثه وحركاته لرتابة الحياة اليومية، وتعده بحتمية تحقيق العدالة في النهاية، بطلاها اثنان: مجرم يوقظ فينا القلق، ما يمكن للحياة الاجتماعية أن تحمله من مخاطر، وشرطي أو محقق يحتضن قلقنا ويبدده بفعل قدرته على الانتصار للحق.

 

وككلّ الألوان الأدبية الأخرى التي تمتلك خصائص وقواعد معينة، فإنّ للرّواية البوليسية أيضاً خصائصها ومبادئها التي تقوم عليها، من أهمّها: الجريمة، الضّحية، المجرم، المخبر السّري، رجال الشّرطة، مفاتيح حل الجريمة وهي مضلّلة وغير واضحة، المتّهمون، وجود الدّافع، الأصدقاء المخلصون، والحل الذي يأتي كآخر حدث في الرّواية. وقد تعدّدت تسميات هذه الرّواية واختلفت باختلاف روّادها ودارسيها، منها: رواية التّجسس، رواية التّشويق والإثارة، رواية العميل السّري، رواية الجريمة، لكن وعلى الرغم من اختلاف تسمياتها، فإنّهاً مجرّد أنواع فرعية تنبثق كلّها عن الرّواية البوليسية.

وفي الوطن العربي برزت مجموعة من الأسماء في هذا اللون الأدبي، خاصة بعد منتصف القرن الماضي؛ أمثال صالح مرسي (رأفت الهجان)، و(الحفار)، ميلودي حمدوشي (الحوت الأعمى)، نسيمة بولوفة (نبضات آخر الليل)، مصطفى ذكري (ما يعرفه أمين) و(لخوف يأكل الروح)، منتصر القفاش (أن ترى الآن)، عبدالقادر ضيف الله (زينزيبار)، أمل بوشارب (ثابت الظلمة)، أحمد عبدالكريم (كولاج)، كمال الرياحي (عشيقات النذل)، عزالدين شكري (مقتل فخرالدين)، سهام أمجد (سر الجريمة الغامضة)، إبراهيم المرزوقي (موت رحيم)، فاطمة آل عمرو (اغتيال صحافية)، فهؤلاء وغيرهم شكلوا جماعة نوعية من أبناء الوطن العربي، قرروا أن يكتبوا روايات بوليسية، وبالفعل كتبوا هذا النوع لبعض الوقت، ولكن مشروعهم انكسر على صخرة الاستهجان القوية، لأن معظم النقاد ينظرون إلى هذا النوع من الروايات على أنه أدب لا يتميز بالثقل والاحترام، بل على العكس من ذلك هو أدب خفيف أو تافه لا طائل منه. 

ومن الضروري في هذا المقام، كما صرح عبدالرحيم مؤدن في (القصة البوليسية في الأدب المغربي الحديث)، أن نميز بين الرواية البوليسية والرواية ذات الإيقاع البوليسي، الذي قد يتوافر في روايات عديدة ونصوص سردية مختلفة، فعلى سبيل المثال؛ رواية (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ، بالرغم من الجرائم المتعددة، والمطاردات المستمرة من قبل الشرطة، تظل رواية واقعية، ابتعد فيهـا نجيب محفوظ عن واقعيته التقليدية بعناصرها الهادئة في الوصف والسرد والتأمل والاستبطان، في حين استفادت رواية اللص والكلاب من إيقاع الكتابة البوليسية السريع الملتبس بأجواء الجريمة والمطاردة لرجال الشرطة، دون أن تكون رواية بوليسية.

من الروايات البوليسيةهكذا إذاً، وعلى الرغم من الاهتمام الذي أبداه بعض المبدعين لهذا الجنس الأدبي، تبقى الرواية البوليسية في الوطن العربي مهملة ومهمشة نوعاً ما، ويعزو بعض النقاد أسباب ذلك إلى عدم توافر أدوات الكتابة، ومن ذلك توافر ثقافة الاستعانة بمحقق خاص، كما إجراءات التحقيق، ومتطلبات هذا العمل. في حين هناك من يرى أن ثمة عوامل تتعلق بطبيعة المجتمع العربي المسالم، فمن جانب، ما كان بالإمكان أن تسمح البنية الاجتماعية وسلطتها بأن يتطرق كاتب إلى جريمة قد حصلت بالفعل، إذ يعتبر ذلك انتهاكاً للخصوصية، دون الانتباه إلى أن هذه الجريمة ضارة بالمكون الاجتماعي برمّته. وهناك من يرى أن غياب الرواية البوليسية، يعود بالأساس للرأي الذي تتبناه زمرة من المتتبعين والنقاد، يبدو أقرب إلى الوجاهة أو المنطقية، كون الرواية البوليسية نتاجاً حضارياً، كما أنها تنتمي إلى بنية مجتمعية ذات تمثيل معقد، من حيث التمثلات والممارسات الحضارية، حيث يمكن القول إن بنية المجتمع العربي في تكوينها العميق، لم ترقَ إلى مستوى المدنية الكاملة. 

ومن أسباب غياب أو تعثر الرواية البوليسية في وطننا العربي كذلك، ما ذكره الروائي والناقد الأردني قاسم توفيق، الذي ذهب إلى أن مفهومي (العيب) و(الحرام) هما سبب لجم هذا النّوع من الأدب وإسكاته؛ فالأدب البوليسي عامّةً يتكئ على الجريمة، التي هي فعل لا أخلاقي، بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة، وفي حال لو ملك الكاتب مواد جريمة حقيقية، مثيرة، ومشوقة، فإنه ليس من السهل عليه أن يملك الجرأة لكشفها من خلال النص، لذلك فهو يُدفع دفعاً للترميز، والتورية، لكيلا يقع في مأزق التعدي على التابوهات، هذا المأزق والتجاء الكاتب للغة حتى تنقذ نصه من التهشم، هو ما يفقد النص القيمة الأهم في الكتابة البوليسية؛ التشويق. 

وهنا لا بد أن نشير إلى أن غياب أو تعثر الرواية البوليسية في أدبنا العربي، أدى إلى غياب النقد المتخصص لهذا الجنس الأدبي، كما أنه من الضروري الإشارة هنا إلى أهميّة بعض الروايات البوليسية، التي وجدت انتشاراً كبيراً لدى القراء، وكثيراً ما اقترن نجاحها بتحويلها إلى أفلام تلفزيونيّة، كروايات صالح مرسي، التي ترجمت إلى مسلسلات ناجحة، من قبيل (كنت جاسوساً في إسرائيل)، والتي اقتبس منها المخرج يحيى العلمي مسلسله (رأفت الهجان) بأجزائه الثلاثة، والذي مازال يحقِّق نسب مُشاهَدَة عالية كلما سنحت الفرصة بعرضه.

إضافة تعليق

3 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.