فردوس جون ميلتون المفقود

كل شيء كان ضخماً في القرن السابع عشر ، الجيوش والميزانيات والمذابح والمؤامرات والملوك والصعاليك ( الذين صاروا يقبلون في الجيش بعد اختراع الأسلحة النارية ،

 وكان الجيش من قبل حكراً على أبناء النبلاء ، وفقاً لمبادئ الفروسية التي سادت في القرون الوسطى ) والحروب الأهلية والثروات الخاصة، إن خزائن الذهب والفضة والأحجار النادرة التي كانت عند الأزتيك والإنكا صارت في أوروبا ، عذبوا ملك الأزتيك حتى مات دون أن يرشدهم إلى خزينة الدولة ، أما خليفته فقد صلبوه على شجرة وصاروا يستهزئون به ، إلى أن جاء من أرشدهم إلى الخزنة الهائلة ، وروي أن الجنود الإسبان عندما انهار الجسر الذي كانوا ينقلون الذهب فوقه غرقوا في النهر ولم ينج منهم سوى من ترك الذهب من بين يديه .‏
إن التراكم الأولي الذي تحقق لأوروبا جعلها سيدة العالم حتى القرن العشرين عندما تفوقت عليها أميركا .‏

« العالم الجديد « هو أساس ( الفردوس المفقود ) والمنطلق الأول ولكن العالم الجديد الذي يمتاز بالبراءة والبساطة والانقياد الهادئ الرزين لقوانين الطبيعة صار مصدر نزاع ، من يحكم هذا العالم الناشئ سواء في الداخل الأوروبي أو الخارج الأمريكي من ركام التاريخ السابق؟ هل تقوم حكومة مدنية أم حكومة القساوسة ؟ أو فيما يتعلق ببريطانيا ، هل يحكم المطارنة أم يحكم الشيوخ، وهنا سيقف جون ميلتون : إنه دائماً مع الجمهورية والليبرالية، وأبعد ما يكون عن قساوسة الكاثوليكية ، ففي عام 1637 ظهرت قصيدته ( ليسيداس ) يرثي فيها صديقاً كان زميله في الجامعة وغرق في البحر الإيرلندي ، فعرج في هذه القصيدة على علاقة الكهنوت بهذا العالم الجديد فبين كيف يجب أن يكون الراعي ، وكيف يجب أن تكون العدالة ، معالم الراعي الحقيقي للعالم الجديد كانت جاهزة عند ملتون منذ 1637 في قصيدته عن زميله الراحل إدوارد كنغ، إنه يعدد الصفحات التي يجب أن يحوزها كل راع سواء راعي خروف أم راعي بشر، وبهذا المعنى كان موقفه محسوماً منذ البداية فيما يخص « العالم الجديد «.‏

أمضى ملتون حياته من دون أن يشاهد أحد الطرفين يحسم المعركة لصالحه ، وهذا ما جعله في قلق فكري ، لماذا لا يتغلب عنصر الخير ؟ وكما لم يحسم الأمر في أيام ملتون على أرض الواقع كذلك لم يحسم في ملحمته فمن انتصر
؟‏

ويطرح الأسئلة الكبيرة ؟ إذا كان الخير سائداً أو الشر سيان ، فلا حاجة إلى العدالة لأن العدالة تفريق بين الخير والشر ، فأي غياب لأي طرف يعني سقوط العدالة ومع ذلك نلاحظ في الملحمة أن العدالة غير سائدة لا في طرف الملائكة ولا في طرف الشياطين ، كانت صرخة ملتون ( أيتها الأرض ، كم تشبهين السماء) تعبيراً عن حيرته في هذا الوجود وفي عالم القيم حيث تتعايش الأضداد بصورة غريبة يعجز الفكر البشري عن استيعابها ، يبدو أن القلق الفكري عند كل الذين طرحوا مسألة القيم ناجمة عن السؤال الكبير : هل يمكن اقتلاع ما نسميه شراً ؟ لا أحد يتصور كيف يكون الوجود في هذه الحالة ، فحتى في عالم الخير الصرف ( كرومتيل ) عند ملتون قدوة ومثال ، فهو المحافظ على العلام الجديد بل هو خالق العالم الجديد ، والكومنولث البرلماني وسقط حق الملوك المقدس والمنتصر على خصوم الجمهورية في الحرب الأهلية، والمنظم لعلاقة الجزيرة بالقارة والمدبر لدورة الاقتصاد في الداخل ، وعندما طالب بمحاكمة الملك شارل الأول ظهرت معارضة قوية ، على اعتبار أن الملوك لا يحاكمون ، الخلاصة أن معظم آراء كرومويل إن لم نقل كلها كانت تجد صداها عند ملتون ، وبعد أن عينه مجلس العموم رئيس ديوانه ، تحت اسم سكرتير اللغات الأجنبية لم يراجعه كروميل بأي نشرة أصدرها باللاتينية أو الإيطالية أو الفرنسية أو الإسبانية وهي لغات أتقنها مثل أهلها أو حتى الإنكليزية كان يعبر بلسانه عن سيد البلاد وحاكمها .‏

لكن كرومويل مات بنوبة في الكلية ويرجح بعض المحققين أن هذا المرض في الكلية هو نفسه الذي ذهب بحياة ملتون .‏

استمر ملتون على الرغم من العمى الذي ابتلي به في الدفاع عن نظرية أو نظريات الراعي الأكبر للعالم الجديد ، لكنه شاهد هذه المرة بأذنيه وليس بعينيه كيف ينهار صرح كلف الكثير من الجهد والتعب بأيام قليلة لم يكن ابن كرومويل على قدر المسؤولية بل كان أقرب إلى النساك في الصوامع يدعو إلى المحبة العمياء أو الهلامية التي لا تميز بين فريق وفريق في الصراع على العالم الجديد ، وفي عام 1660 عادت الملكية وعاد الملك شارل الثاني وهو ابن الملك ( الشهيد ) الذي شبه أنصاره إعدامه بصلب المسيح من أجل خطيئة البشر ، واستلم السلطة بعد أن عاد من الشاطئ الإنكليزي بعشرين ألفاً من أنصاره  ، هكذا انهار كل شيء واعتقل ميلتون وأمضى ثلاثة أشهر في السجن، وكان سيقدم إلى المحكمة لولا بعض النواب الذين احتجوا على اعتقال عجوز أعمى ، وأطلق سراحه ولكنه ظل ينافح ويكافح ولم يتخل عن أفكاره ولكن شيئاً ما أصاب اليقين الذين كان في داخله .‏

مولود ناضج‏

بعد عام 1660 لم تتغير نظرة ميلتون إلى الأمور ولكنها نضجت وتخلصت من الحسم الذي كانت تلجأ إليه في الأعوام التي خدم فيها كسكرتير المجلس للغات الأجنبية صار ينظر إلى الكون يدهشه أكثر ، وليس بثقة أكبر يتحدث عن الشر ولكنه معجب به، وبتوليده لأعمال الخير ويتحدث عن الخير ولكنه ضجر منه لأنه لو استمر لما تقدمت الحياة لعاش المرء على الطعام والشراب فقط ، لم يعد هناك رأي قاطع في أي شيء لذلك قال وليم بليك إن ملتون يقف إلى جانب الشيطان ويهاجمه .‏

الصراع غير المحسوم حول العالم الجديد هو الذي نجده في الفردوس المفقود ، صارت نظرته أعمق ، وحماسته أقل فكان يعجب بالشياطين ويسخر من الملائكة بحسب الموقف الذي يضع فيها شخوصه الملحميين.‏

منذ عودة الملكية اعتزل ميلتون الحياة العامة مع أنه أصدر بعض الكتب التي تدافع عن المواقف الكرومويلية وانكب ينظم ( الفردوس المفقود ) لو انكب على تأليف هذه الملحمة من قبل هذا التاريخ لخرجت بغير ما هي عليه الآن ، أو ربما لم تكن لترى النور أبداً فقد كانت السياسة تجرف الرجل حتى كان أحياناً يتأخر كثيراً في عمله ولا يعود إلى منزله إلا في الليل ، عودة الملكية هي عودة وعي جديد ألهمه، « الفردوس المفقود» والوعي الجديد هو « الشك « أو على الأقل عدم الركون إلى اليقين في هذه الملحمة كتب قصة ( العالم الجديد ) ولكنه ترك الأمر غير محسوم وقد جرى ما جرى واختلطت الآراء وتمازجت الأفكار ، فبريطانيا بعد ذلك لم تخلع ملكاً ولم تؤيد جمهورياً ، ولكنها حافظت على البروتستانتية بمظهرها الأنكليكاني ، كما حافظت على ملوكها بل زادت احترامهم وتبجيلهم.‏

أدرك ملتون أن الملك ليس عائقاً أمام قيام العالم الجديد بل طريقة التعامل مع هذا العالم هي التي تنعشه أو تميته ، أشياء وأشياء أحدثتها عودة الملكية في نفس ملتون أهمها عدم اليقين أو عدم الحسم في المسائل التي كان يعتقد أنها محسومة ، وهذا ما جعل من ملحمته أعظم أثر أدبي في العالم الإنكليزي.‏

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.