فكر العمل

من الأزمات الكبرى التي تعاني منها المجتمعات الاستهلاكية المتقدمة اليوم، أزمة البطالة عن العمل، والتي تبلغ في بعض البلدان، نسبة تفوق الـ 10 ? من مجموع القادرين على العمل. وإذا كانت البطالة تمثل مفهوماً واضحاً للجميع، فإن جان دبليو بيود، مدير مركز الموارد البشرية والدراسات الاجتماعية في جامعة مينيزوتا الأميركية يسأل: ما هو العمل؟

ولماذا يكتسب مثل هذه الأهمية؟ وهل له علاقة عضوية مع مشاعر الهوية واحترام الذات؟ وهذه الأسئلة كلها، يحاول الإجابة عنها، في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: «فكر العمل». وفي هذا الكتاب يستعرض المؤلف عدداً من وجهات النظر التاريخية والمعاصرة، في مختلف مشارب العلوم الاجتماعية والإنسانية.

 وفي جميع الحالات، وتتم دراسة العمل من حيث أنه «وسيلة لخدمة الآخرين»، أو «العناية بهم» أو «مصدراً للحرية» أو «مصدراً للدخل» أو «وسيلة للتفتح النفسي ـ البسيكولوجي» أو باعتباره «علاقة اجتماعية تضبط أسس التعامل، على أساس العرف أو الجنس أو حيال السلطة».

 وفي كل الحالات. تبقى مسألة فهم العمل وأسبابه وكيفية النظر إليه من الأسئلة الجوهرية التي تطرحها جميع المجتمعات الإنسانية على نفسها. ثم إن التأريخ لفكرة العمل مرتبط بنشوء المجتمعات الإنسانية بالمعنى الدقيق للكلمة. وليس من السهل أن نعرف بوجه الدقّة، الكيفية التي كان ينظر فيها البشر الأوائل، إلى العمل. ولكن ما يتم الاتفاق عليه هو أن فكرة «اقتسام» الموارد الغذائية، ارتبطت حكماً بحاجة تأمين ما تتطلبه مجموعة بشرية محددة، وليس فقط ما يتطلبه فرد أو أسرته المحيطة به مباشرة.

 إن المؤلف يعود إلى فترة بروز التباين الاجتماعي داخل المجتمعات القائمة على مبدأ التسلسل الهرمي، حيث اكتسب العمل دلالة خدمة النخبة، مثلما كان سائداً بالنسبة للعبيد في المدن ـ الدول الإغريقية القديمة، أو للفلاحين الذين ساهموا في بناء أهرامات مصر. وفي إطار الكنيسة المسيحية البدائية، جرى تقديم العمل، على أنه وسيلة لخدمة مملكة السماء، عبر محاربة أوقات الفراغ، وبالتالي محاربة الخطيئة، بالإضافة إلى خدمة الأسرة.

 وفي المجتمعات البدائية عامة، جرى النظر إلى العمل، على أنه نشاط منسجم مع الطبيعة، حتى ولو كانت نتائجه تصبّ في مصلحة البعض فقط. ولم يمنع ذلك، بروز رؤية اعتبرت أن العمل غدا بمثابة عملية نضال من أجل استخراج ما يحتاجه البشر من الطبيعة، بما يتطلّب ذلك من «عرق الجبين»، بالنسبة لأولئك الذين يمارسونه ساعات طويلة، في كل يوم.

 ويرى المؤلف أنه على ذلك المستوى من تقسيم العمل، ظهرت أفكار فلسفية تبرر واقع التمايز، وهو يسوق مثالاً «أرسطو»، الذي اعتبر أن القدرات الفكرية للبشر تتمايز، وبالتالي يتولى أصحاب المستوى الأدنى، ممارسة الأعمال الأكثر مشقّة. ومثل هذا الأمر يظهر انعكاسه في المجتمعات الغربية المعاصرة، إذ إن بعض الأعمال مكرّسة للأقليات أو المهاجرين.

 وكأن الأمر يعكس الاعتقاد بوجود تراتب اجتماعي طبيعي، لا يتردد البعض في تبريره على أساس عرقي يفيد بتفوّق عرق ما، مثل ما كان الأمر بالنسبة للعرق «الآري» لدى هتلر. ويشرح المؤلف في العديد من الصفحات، واقع أن أفكاراً قديمة حول العمل، استمرت حتى اليوم، تحت مقولات عدة، مثل: «شرّ لا بد منه»، أو أنه «عبودية حديثة». ولكن يتم التأكيد في الوقت نفسه على أن تعاظم قيمة الفرد في الفكر الغربي الحديث، أي فيما بعد فترة عصر التنوير، أدخلت مفاهيم جديدة للعمل، تتركز حول اعتباره نشاطاً يخدم الفرد المعني به أكثر من ما يخدم الآخر، فرداً كان أو مجموعة.

 وبهذا المعنى غدا العمل بمثابة مصدر للحرية الفردية. وبالتوازي أصبح العلم وسيلة للسيطرة على الطبيعة، وتأمين سبل الاستمرار عبر ذلك. ومن ثم جاءت مفاهيم الليبرالية السياسية مع فلاسفة مثل جون لوك، والليبرالية الاقتصادية مع آدم سميث، وغيرهما. ومن ثم لتؤكد أن العمل سلعة تمتلك قدراً من جهد منتج له قيمة اقتصادية يمكن التفاوض عليها في السوق.

 ومثل هذه المفاهيم أنتجت بالضرورة، كما يرى المؤلف، أشكالاً من السلوك الإنساني القائم، خاصة على البحث عن استهلاك السلع والخدمات. وبالتالي أصبح العمل، مهما كان صعباً، وسيلة في خدمة تلك الأشكال من السلوك.  ويرزت، بالمقابل، ومنذ القرن التاسع عشر، مقولات فكرية وفلسفية تؤكّد إمكانية اعتبار العمل كمصدر للتفتح الشخصي والنفسي.

 ومن خلال البحث في مختلف النظريات التاريخية والمعاصرة حول «فكر العمل»، يصل المؤلف إلى القول إن أخصائيي الاقتصاد وعلماء الاجتماع والفلاسفة والصناعيين ومناضلي حقوق الإنسان، وأيضاً جميع أولئك الذين يرفضون فكرة أن العمل مجرد «سلعة»، هؤلاء يتفقون على أنه ينبغي للعمل أن يوفر الكرامة الإنسانية، بمعزل عن الأسواق التي لا ترى بمن يقومون فيه، سوى مجرّد «أرقام» في العملية الإنتاجية. ويبقى العمل نشاطاً معقّدا، وإنسانياً بامتياز. ويتطلّب تحسينه، التفكير العميق بكيفية ممارسته. هذه هي رسالة المؤلف، والتي يقدمها عبر مقاربة شاملة لطبيعة العمل ودلالاته.

 

إضافة تعليق

4 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.