في البدء.. «كان» الكلمة

مع أننا -نحن الشرقيين- من أقل الناس قراءةً للكتب ومن أكثر الشعوب قدرة على الكلام على نحو متواصل ولمدة طويلة من دون توقف.. إلا أننا الوحيدون الذي أطلقنا عبارة (في البدء كانت الكلمة) و(في البدء كانت القراءة)!!!!

لا أعلم متى وكيف تحولت الآية الإنجيلية الشهيرة في يوحنا (في البدء كان الكلمة) والتي تشير إلى أصول السيد يسوع المسيح وهويته إلى عبارة (في البدء كانت الكلمة) والتي بتنا نستعملها مقولةً للدلالة على أهمية الكلمة كأصل ومصدر لكل لغة ولكل تواصل إنساني! ‏
ولكن مهما اختلفت الدلالات ما بين مصدرها الأصلي في الإنجيل والمقولة اليومية المتداولة، فإن المعنى المشترك الأهم والذي لا يمكن إنكاره هو أن (الكلمة) تبقى هي المعبر الوحيد عن فكر المتكلم.. وهي الوحيدة التي تحمل عقل الشخص نفسه الذي نطق بها ودونها وتقدمه للآخرين بصورة رسالة تحتضن فكر قائلها أو كاتبها.. ‏
ورغم أن كثيرين منا يطربون حين يسمعون أو يقرؤون كلمات جميلة، ولطالما تمنينا أن يعيد شخص ما قاله، ولطالما أعدنا قراءة بعض الكلمات أو الجمل الجميلة أو القصائد التي تلمس القلب والتي تنشط لدينا المشاعر الطيبة، فإننا نبقى كما قلت أقل الشعوب قراءة وأقلنا إنتاجاً أدبياً وفكرياً! والسؤال.. لماذا؟ ‏
هل لأننا شعوب تعتمد الذاكرة السمعية أكثر من البصرية؟ ‏
هل لأن الحكواتي.. وحكايا شهرزاد وألف ليلة وليلة مازالت تحكم قبضتها على حواسنا وارادتنا.. أم لأن السمع لايحتاج الجهد نفسه الذي يبذل في عملية القراءة - ونحن شعوب قد اعتدنا الراحة ؟ ‏
أم أن السبب مادي صرف، ويتعلق بارتفاع أسعار الكتب وانخفاض أجور الكتاب والمفكرين؟ ‏
ربما.. ولكن ماذا عن الكتب المجانية القيمة التي يهديها لنا أحدهم.. فترمى كغيرها على أحد رفوف مكتباتنا التي تعد أهم قطعة ديكور في صالوناتنا وغرفنا؟ ‏
سؤال برسم الإجابة! وربما أسئلة أخرى.. تطرح.. فعادةً عندما نستخدم الكلمة لندونها مقالا أو كتاباً أو رسالة ، فإننا كثيرا مانعيد قراءة ماكتبناه ونعيد صياغته ليعبر بأفضل شكل عما نريد. ‏

هذا عن الكلمة المكتوبة.. ولكن ماذا عن الكلمة المنطوقة.. هل نحن نفكّر قبل أن ننطق؟؟ أم أننا ننطق ثم بعد ذلك نفكر؟ ‏
ترى هل فكرنا قبل أن ننطق أو نتفوه كيف سيكون وقع الكلمة على الشخص المقابل؟ أم أننا نقذفها من دون أن ندري مدى تأثيرها في الآخر؟ ‏
ربما نتفوه بكلمات تكون أقسى وأشد من سوط جلاد.... وربما نتفوه بكلمات تكون بلسماً يداوي الجراح..... وكلنا يعلم أن جراح الجسد تشفى وتندمل، بينما تبقى جراح النفس داميةً؟ وربما إذا سألنا اختصاصيي علم النفس لحدثونا ساعات من دون توقف عن أخطاء تربوية نرتكبها، آباء وأمهات بحق أولادنا.. وعن تأثير كلماتنا السلبية التي هي أخطر بمرات ومرات من خطر ابتعادنا عن الكتاب وثقافة المطالعة التي لانمتلكها! ‏

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.