في الملتقى الدولي حول فكر مالك بن نبي

كلمة السيد عبد العزيز بو تفليقة (رئيس الجمهورية الجزائرية) في الملتقى الدولي حول فكر مالك بن نبي:
إن ما يميز بن نبي للوهلة الأولى من التيار الإصلاحي الذي ضم في صفوفه أعلاماً أجِلاّء من أمثال الأفغاني وعبده وإقبال ورشيد رضا أنهم كلهم فكروا أن العالم الإسلامي سيعود إلى أحضان التاريخ في صفة كيان حضاري موحد. أما بن نبي وفي أول ما بدأ التعبير عن فكره وتحليله كان يرى بأن العالم الإسلامي ليس كياناً معزولاً عن بقية العالم وقادراً على مواصلة تطوره بدون التأثر بالآخرين والتأثير فيهم
كلمة السيد عبد العزيز بو تفليقة (رئيس الجمهورية الجزائرية) في الملتقى الدولي حول فكر مالك بن نبي
المنعقد في الجزائر في18/10/2003
بسم الله الرحمن الرحيم . والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين
السادة رئيس وأعضاء المجلس الإسلامي الأعلى المحترمون
السيدات الفضليات والسادة الأفاضل المحاضرون
والمشاركون في الملتقى الدولي حول مالك بن نبي
سعدت كثيراً لما علمت عقد أول ملتقى لدراسة مختلف جوانب فكر مالك بن نبي رحمه الله. ملتقى يجمع مثقفين بارزين، ومفكرين إجلاء، وفدوا من الباكستان وماليزية والولايات المتحدة الأميركية ومصر وليبية والمغرب ولبنان وفرنسة وبطبيعة الحال من الجزائر . وما هذا الحضور المكثف والنوعي للمختصين في فكر بن نبي إلا مصداق كون الأفكار لا تعترف بالحدود، وأن فكر الأستاذ مالك بن نبي يحظى بشهرة وإشعاع دولي هو جدير بها، وأنه لا يزال ثلاثين سنة بعد وفاته محط اهتمام الجامعات، ويغذي النقاشات الفكرية في العالم الإسلامي والبلدان الغربية على السواء.
بلادي جادت بعدد كبير من الشخصيات الفكرية
جادت بلادي بعدد كبير من الشخصيات الفكرية التي أسهمت عبر أحقاب التاريخ في تكوين الفكر الإنساني وثرائه وتقدمه، وهي تتشرف بالاحتفاء بهم وتحيي ذكراهم بتجديد الاهتمام بأعمالهم.
ينعقد مؤتمركم هذا في ظرف كثر فيه الانشغال، بالإسلام وتعمق التساؤل حول مكانه في العلاقات الدولية، وأرى أن لقاءكم هذا سيسوق الجميع إلى التفكير في مقاربة جديدة لعلاقة الإسلام والدول الإسلامية بالحضارات الأخرى، وبالنظام العالمي الجديد. ويبدو من البديهي أن ينطلق هذا التفكير بمبادرة من الجامعيين في بلداننا وفاء بحق المفكرين المســـلمين الذين تنبؤوا (بكل عبقرية في العصر الحديث) بالأحداث والمشاكل التي نشهدها اليوم، ويعد مالك بن نبي من بين هؤلاء ولا ريب.
إن برنامج ملتقاكم يشمل بصورة واسعة مختلف جوانب فكر بن نبي، لذا ارتأيت أن أدلي بدلوي في أعمالكم بكل تواضع، متناولاً فكر بن نبي ونظرته الاستراتيجية للمستقبل.
أنتم تعلمون أن مالك بن نبي اهتم كثيراً بمختلف حضارات العالم، وبخاصة منها الحضارة الإسلامية، ولكن ما كان يتميز به هو أنه لم يدرسها من زاوية النهضة الإسلامية فحسب، بل درسها على الخصوص من منظور ما كان يسميه في الأربعينات بالعالمية Mondialisme ومسار العولمة.
مالك بن نبي كان يرى أن العالم الإسلامي ليس كياناً اجتماعياً معزولاً
إن ما يميز بن نبي للوهلة الأولى من التيار الإصلاحي الذي ضم في صفوفه أعلاماً أجِلاّء من أمثال الأفغاني وعبده وإقبال ورشيد رضا أنهم كلهم فكروا أن العالم الإسلامي سيعود إلى أحضان التاريخ في صفة كيان حضاري موحد. أما بن نبي وفي أول ما بدأ التعبير عن فكره وتحليله كان يرى بأن العالم الإسلامي ليس كياناً معزولاً عن بقية العالم وقادراً على مواصلة تطوره بدون التأثر بالآخرين والتأثير فيهم، بل إن العالم الإسلامي موجود في الدراما الإنسانية بصفته فاعلاً وشاهداً، ويفرض عليه هذا الوجود المزدوج أن يوفق بين حياته المادية والروحية ومصير الإنسانية. فعلى العالم الإسلامي إن أراد اندماجاً حقيقياً وفاعلاً في حركة العالم عليه أن يَعْرِفْ نفسه ويُعَرِّف الآخرين بنفسه وبالقيم التي يحملها والقيم التي تشكل الرصيد الإنساني، وبالتالي كان بن نبي يقول بأن نهضة العالم الإسلامي لا يمكنها أن تحصل إلاَّ في شكل إسهام داخل مجموعة عالمية كان يسميها الحضارة الإنسانية .
مالك بن نبي كان يرى باب النجاة من خلال تأهيل البلدان الإسلامية.
بمجرد أن صدر له أول كتاب عام 1947 وأعني به (الظاهرة القرآنية) الذي برز من خلاله كأول مفكر مسلم يُخضع الظاهرة الدينية لتفسير عقلاني علمي ومقارنة بعض ما جاء في بعض آيات القرآن الكريم بآخر ما اكتشفه العلم، شرع بن نبي في كتابه الثاني وهو شروط النهضة الذي ختمه بفقرة تدل على توجه رئيسي طبع عمله " لا يجب أن تكون الحضارة الجديدة حضارة قارة متعجرفة ولا حضارة شعب أناني؛ بل عليها أن تكون الحضارة الإنسانية التي توحد إمكانياتها وطاقاتها الكامنة".
كان ذلك عام 1949.
وكان الإصلاحيون في القرنين التاسع عشر والعشرين يرون خلاص العالم الإسلامي في الرجوع إلى الأصل محاولين قصارى جهدهم إعادة بناء الماضي المنصرم.
أما بن نبي فكان يرى باب النجاة من خلال تأهيل البلدان الإسلامية وعزمها على اقتحام العالم الجديد وخوض معاركه مع المعتركين، وهو العالم الذي لم يكن يشك في حدوثه وهو ما نسميه " القرية العالمية " .
وكتب حينها هذه السطور التنبؤية:
"إن كان العلم والاقتصاد قد جعلا من العالم شبه فيدرالية فإن الأفكار مازالت فتيلاً للشقاق والصراع...
لقد أزالت التكنولوجية والعلم المسافات الجغرافية بين الناس، لكن المسافات ما زالت بعيدة بين ثقافات الشعوب، ومازالت عميقة تلك الهوة التي تفرق بين ضمائر الناس ووعيهم.
فالعالم الآن ينظر إلى نفسه من منظار العالمية ويستجمع موارده وحاجاته ويحسبها.
إنه على وشك تحقيق وجهة التاريخ على المستوى المؤسساتي .
فعلى العالم الإسلامي إذن أن يأخذ بالحسبان في مسيرته هذه الخطوة التي خطاها التاريخ. لقد تجاوزت الأحداث مفاهيم من مثل الوحدة العربية والوحدة الإسلامية؛ ذلك أن التاريخ يسعى دوماً إلى تحقيق وحدة العالم، وذلك كان ظاهرة أساسية فيه بينما لا تعد الانقسامات سوى حوادث عارضة".
وزيادة على نظرته تلك لغايات نهضة العالم الإسلامي في العصور الحديثة ودوره الإسلامي التي حددها في بداية الملحمة الإسلامية؛ بَيّن مالك بن نبي وأكد تميزه بتحليله لأسباب الأزمة في العالم الإسلامي في كتابه الرابع (وجهة الإسلام) الذي صدر سنة 1954 في فرنسة -؛ علماً أن ثالث كتاب له هو قصة روحية عنوانها (لبيك) -إذ كتب أن التطور الذي حدث في الحيز الذي نسميه (الحضارة الإسلامية) ما هو سوى تكيف العقيدة الإسلامية مع الأمر الواقع الذي أفرزته معركة صفين سنة 37 هجرية؛ وعانت المذاهب والمدارس الفقهية الكثير من أجل تحقيق هذا التكيف... وأدى الأمر ذاته إلى ما عرفناه المذاهب المنبثقة عن العقيدة الإسلامية، وليس عن الحضارة الإسلامية، لكنها هي المذاهب التي قبلت بنظام دهري مفروض؛ فكان المسار التاريخي للعالم الإسلامي نتاج المدارس الفقهية في محاولتها التأقلم مع الحياة العملية .
إن هذه الظاهرة هي في واقع الأمر الصرح الذي قام عليه التاريخ الإسلامي منذ أربعة عشر قرناً.
تفرد بن نبي بدراسة حركة الأفكار التي اضطرب لها العالم الإسلامي منذ قرابة قرنين لكن لم يفهمه معاصروه بالوضوح الذي كان يدفعهم إلى التعمق فيه، وإلى الغوص في النظريات التي رسمها، وتنقيب ما تنبأ به ببصيرته الثاقبة، وكان يُمَكنهم ذلك من أجل الخلوص إلى مقاربة جديدة للإشكالية الإسلامية.
ابن نبي كان ينتقد حركة النهضة بشقيها السلفي والحداثي
كان بن نبي ينتقد حركة النهضة بشقيها السلفي والحداثي في العديد من جوانب عملها؛ لذا لم يتبين الاثنان فكره وأعرضا عنه، فأشكل تصنيفه في تيار من التيارات الفكرية.
لكن الأمر ليس بالغريب بتاتاً نظراً لثقافته المزدوجة التي وضعته طبيعياً في مصب التيارين إلا أن الأحداث جعلتهما ينفران بعضهما من بعض، وأدى ذلك إلى التصادم بدل التلاقي، وتدهور الاثنان إلى أن أصبح الأول إسلاموية بالمعنى السلبي للفظ، وأصبح الآخر لائكيةً وتغريباً عقيمين.
وما كان لهذا الانحطاط من الطرفين إلا أن أغرقا الحياة السياسية والرأي العام في البلدان الإسلامية في دوامة من الشقاق العميق والتناقض والخلاف، مازلنا نعيش في أجوائها إلى يومنا هذا.
لقد فهم مالك بن نبي وتفطن باكراً لهذه الازدواجية التي كانت تدفع بحركة النهضة في اتجاهين متناقضين وتنبأ في حينها "بفصلهما الأكيد" فقال: إنها (حركة) مقسمة حائرة بين الجاذبية الأصولية نحو الماضي والنزعة التقدمية في الحاضر، وكانت تلك الحيرة صادرة عن عدم تفكير منظري النهضة لا في وسائل تحقيقها ولا في النموذج الذي تختاره، ولأنها سلكت طريق التجريبية التي لا تتلاءم مع الحركة العقلية والمنهج الديكارتي الذي طبع القرن العشرين ووجه العالم.
وعندما نحلل كل الجهود التي قامت بها حركة النهضة نفهم أن النية الحسنة كانت حاضرة حين غابت المنهجية، وفي بعض الأحيان حتى النية غابت وأخذت مكانها مزاعم خاطئة ترى مستقبل العالم الإسلامي في إحياء الماضي في كامل صوره، أو نجد تبجحاً تقدمياً ينزع إلى قطع كل صلات بالماضي ظناً منه أنه يمكن تَقَمّص حضارة بالأخذ بمظاهرها وكفى.
وفي الغالب كانت استعارة المظاهر في غير محلها ومن دون أناقة. وعلى عكس جُلّ منظري حركة النهضة الذين أخذوها من زاوية الفكر والأدب والتجريد كان "بن نبي" يرى أنها تكمن في طرح المشاكل التنموية التي تواجهها المجتمعات الإسلامية وإعداد الوسائل والمناهج الكفيلة بتحقيق تلك التنمية، ولم يكن في تحليله الصارم للوضعية المتدنية للعالم الإسلامي ليرجعها لأسباب خارجية، بل حَمّل الأخطاء لعوامل داخلية، راغباً من ذلك التحفيز بالتمعُّنِ في الذات والنقد الذاتي لاكتشاف نقائضنا، وهذا ما أدى به إلى صباغة مفهوم القابلية للاستعمار الذي استقطب نقد الجميع، لأن الأفكار التي بنى عليها وحملها لم تُفْهَم ولم تُقْبَل.
ولم يكن بن نبي يؤمن مثل البعض بإمكانية العودة إلى أشكال التنظيم التي قامت عليها الدولة الإسلامية في الماضي، بل أراد أن يستعيد المبادئ الإسلامية الأصيلة وتركيبها مع القيم المعاصرة بحيث تكون عند ذاك رحِماً تُنْفَخ فيه روح جديدة، ويدفع التاريخَ إلى الأمام، وأكد بوضوح في كل أعماله ضرورة مساهمة كل الحضارات، وكل الثقافات عبر الدول، وفي إطار المنظمات الدولية، وتكون تلك التركيبة بادرة وأساس نظام عالمي جديد كان يسميه أحياناً العالمية وأحياناً أخرى الحضارة الإنسانية، لكن لم يكن هذا النظام في تفكيري ليأخذ شكل دولة عالمية شاملة، بل هو نظام تعاون دولي مفرز يشمل كل جوانب حياة الشعوب والحضارات .
الإسلام لا يعني المسلمين وحدهم
عندما كتب مالك بن نبي (فكرة كومنولث إسلامي) سنة 1958 بالقاهرة ظن البعض أنه عدل عن مواقفه التي عبر عنها من قبل؛ وأنه عاد يفكر في حركة نهضوية تحيي الإمبراطورية الإسلامية، لكنه دفع عن نفسه ذلك الشك وأكد بمناسبة إعادة طبع الكتاب قائلاً: "إن الإسلام لا يعني المسلمين وحدهم، بل يعني كل الناس لا يمكن تصور الكومنولث الإسلامي على أنه مجرد هيئة سياسية واقتصادية واستراتيجية تتكيف وموازين القرى الجديدة في العالم وكما كان الحال بالنسبة للنموذج البريطاني؛ فالكومنولث الإسلامي في تصورنا هيئة أخلاقية وثقافية تعتبر وجودها ضروريا لحل الأزمة الاجتماعية التي تعيشها الدول الإسلامية ولحل الأزمة الروحية التي تعاني منها البشرية جمعاء".
لقد أساءت جرائم الإرهاب لسمعة حضارتنا
سيداتـــي الفضليــات
سادتـــي الأفاضل
أنا سعيد بعقد لقائكم في الجزائر الذي يؤمن أبناؤهُ إيماناً راسخا بضرورة تصور جديد لمستقبل الإسلام في وقت يريد فيه من قصر نظرهم وتكالب عداؤهم للإسلام حصر ديننا الحنيف في حدود العنف واللاتسامح والتأخر الاقتصادي والثقافي .
لقد أساءت جرائم الإرهاب بشكل خطير لسمعة حضارتنا وديننا الحنيف، لأنه مس بقداسة الإسلام بالانتساب إليه في أفعاله البشعة، حتى بدأ البعض يتحدث عن فرض إصلاحات على البلدان الإسلامية العاجزة عن القيام بها بنفسها. اصطلاحات تشمل حتى ميدان التعليم، وهذا يعني في نظري أن الوضعية أصبحت خطيرة وتملي على علمائنا وجامعيينا ومفكرينا أن يعجلوا بتقديم تصور جديد للنهضة وتكييف ذهنياتنا ومناهج تنظيمنا مع ضرورات عالم اليوم .
إن فكر بن نبي يحمل رؤية غذتها قيم الإسلام وتعاليمه السامية وتساير منحى التاريخ وتريد خير البشرية. إن هذا الفكر في متناول الدول الإسلامية ونخبها والجامعات ومراكز البحث ومنظمة المؤتمر الإسلامي وخبراء الغرب المهتمين بالشؤون الإسلامية وكل من يؤمن بالتعايش السلمي والتبادل المثري بين الديانات والحضارات .
إنني عندما اخترت تناول هذا الجانب الخاص من فكر بن نبي إنما أردت أن أبرز البعد الإنساني والعالمي لفكره وإجابته على انشغالات بشرية الغد .
إنه فكر ابتعد بشجاعة عن الأفكار السائدة آنذاك، وتحرر من قوقعة ثقافة الجمود التي طبعت تلك الفترة؛ فتكفل الزمن بترسيخ صحة حدسه ونظرته المحددة التي استبقت الأحداث.
لقد كرس بن نبي كل حياته في التفكير والكتابة والنشاط في خدمة المصالح المعنوية والمادية للدول الإسلامية، وعينه دائماً تنظر إلى المستقبل البعيد.
لقد وضع إلى حد كبير أسس فكر إسلامي جدير يساير تطور العالم ويعي الرهانات الدولية، لكن فكره كان، ولا شك، سابقاً لأوانه، فوجد نفسه مهمشاً من قبل التيارات السائدة، إلا أن الأحداث أكدت ما ذهب إليه في نظرته وأكدت تحليلاته.
أما اليوم فالجامعات والمفكرون بحاجة إلى اكتشاف هذا الفكر من جديد لاستقاء أفكار تساعدهم على الإلمام بدور الإسلام، وتحديد إسهامه في بناء العالم "المعولم" الذي تنبأ به قبل خمسين عاماً.
عبد العزيز بوتفليقة

إضافة تعليق