في تكريم الدكتور وهبة الزحيلي

إننا هنا اليوم لنحتفل بتكريم العلم في شخص عالم مجدد، وأديب مبدع، وقارئ نهم.
وأن يجمع الناشر في تكريمه بين الإبداع في العلم والأدب والقراءة، فإنه يرمي إلى مد الجسور الصلبة بين مراكز إنتاج الفكر ومراكز استهلاكها ، بين المرسل والمتلقي في علاقة تفاعلية تبادلية؛ ينتج فيها المفكر ليُقْرأ ويُنقد ويناقَشَ ويحاوَر، ويَقرأ فيها المتلقي فيَنْقُدُ ويناقِشُ ويحاوِرُ، فيتحول تلقائياً إلى مفكر ومنتج، هكذا يتحرك الفكر وينمو ويتجدد ويستطلع الآفاق، ويصنع المستقبل.
فما قيمة الفكر إذا لم يُقرأ؟! وما جدوى القراءة إن لم تكن واعية ناقدة؟! وهل يغني النظر ضمن الأبراج العاجية للمثقفين، عن العمل في واقع المجتمع وصميم الحياة؟!
يحدثوننا عن الكلمة؛سحرها وقوتها، وأن أعظم طاقة في الدنيا، لا يمكن أن تولد قدراً من النور كالذي يولده كتاب صغير..
أين هي تلك الكلمة القوية الساحرة، ونحن ما زلنا نتكلم قروناً،فلا نأنس برجع صدى، وتجحظ عيوننا بحثاً عن بصيص نور، فلا يلفنا غير ليل بهيم؟!
يحدثوننا عن اقتصاد المعرفة الذي آلت إليه مسيرة الإنسان، وفي اقتصاد المعرفة لم تعد الأمم تقاس بما تمتلكه من المصانع والأسلحة التي قد يصبح تضخمها عبئاً عليها، بقدر ما باتت تقاس بما تمتلكه من ثروة المعلومات وقوة الأفكار، والأفكار ثمرات العقول، فالعقول في اقتصاد المعرفة هي مصانع المستقبل.
هل كلّت عقولنا عن الإبداع والعطاء؟! أم أدركتنا الشيخوخة، فناءت كواهلنا بحمل أعباء الحضارة وتكاليفها؟! فأنى لنا أن ندخل الحلبة في عصر العولمة؟! وبأي فكر سنحاور؟! وبأي عتاد سنخوض الصراع؟! إنني واثق من أن عقول الأمم لا تشيخ..
الذي يشيخ هو أدواتها للبحث، والمناخ الملائم للنماء والتجدد، فإذا تكلست الأدوات، واعتلَّ المناخ، فقد تخلد العقول إلى الراحة قليلاً، تتلمَّس خلالها المخارج.. تثقب الجدران لتنفذ من سجونها. تتجمع خلف السدود حتى تعلوها متدفقة من فوقها.. تتكاثف أبخرتها وسط القماقم فتتصدع القماقم.. تواصل نماءها وسط القوالب فتضيق بها القوالب.. تحتال لفك قيودها.. لكنها أبداً لا تستريح إلا بمقدار ما تتحفز،و لا تستقيل إلا بمقدار ما تبحث عن البديل.. حضارات تصعد وتهوي، يسطع نجمها ثم يأفل، ]وتلك الأيام نداولها بين الناس [ [آل عمران 3/140].
إن تشكل الحضارات وصعودها أو تفسخها وانهيارَها لا يحدث بالمصادفة، بل تحكمه قوانين تاريخية لا تخطئ؛توالت الرسالات السماوية كلها من أجل توكيدها للناس،واختتمت الرسالات، ولـمّا تعِ الإنسانية دروسها، مما يؤكد أن مدرسة الأنبياء، لم تستنفد أغراضها بعد، مادام الصراع قائماً بين الحق والباطل.. ولن ينتهي الصراع. فحوى رسالات السماء أن الحضارة لا تبنيها القوة في مصانع السلاح، إنما تبنيها البينات في مصانع الفكر ] أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون[ [ غافر40/82-83].
وإن الحضارة لا يعصف بها مثل الجمودِ، والتوقفِ عند فكر الآباءِ والعجزِ عن الإبداع، والكفِّ عن العطاء، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم أروع تعبير بمصطلح طول الأمد ]ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلُ، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون [[ الحديد 57/16]
وهل طول الأمد غير المكوثِ طويلاً على حال واحدة، وإيقافِ شريط الحياة عند صورة واحدة، حتى تبهت الصورة، ويكسوَها الصدأ، ويعلوَها الغبار، وتتكلسَ فلا يُرى جوهرها، وتتحنطَ حتى يلفَّها السكون، وتصبحَ شكلاً بلا مضمون؟!
إنني ألمح في اقتصاد المعرفة فرصة تضع الأمم كلها؛ غنيها وفقيرها، قويها وضعيفها.. على عتبة سباق واحدة، بإمكانيات وطاقات متكافئة؛فلئن كانت المادة الأولية في اقتصاد الصناعة الترابَ؛ والتراب متفاوت في عناصره بين الأمم؛ أن تكون أمة هي أربى فيه من أمة، فإن المادة الأولية في اقتصاد المعرفة هي العقل، والعقل موزع بين الأمم بالتساوي، لا تسمو أمة على أمة فيه إلا بمقدار ما تشحذه وتُعمله، وتُفسح له في الآفاق، وتزيل من طريقه العوائق.
وألمح كذلك في أحداث العالم الجارية فرصة تاريخية نادرة، يستعد فيها لنقل راية الحضارة الإنسانية، إلى أيد أكثر ائتماناً عليها وصيانة لها، من أولئك الذين انكفؤوا على أنفسهم؛ يتعاملون مع عصر التحرر والانعتاق بعقلية قرون الاستكشاف والاستعمار، ويستخدمون آليات عصر الصناعة والتسلح في عصر اقتصاد المعرفة والمعلومات، وينهمكون في تحقيق حلم الإمبراطورية على حساب الحضارة، فيهدمون بأيديهم كل ما بناه الأسلاف من قيم وما حققه الإنسان، عبر تجاربه المريرة، من مكتسبات ]كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً[ [ النحل16/92].
إن لدينا مخزوناً فكرياً، أعظمَ من مخزوننا النفطي والعالمَ الآن أكثر ما يكون احتياجاً إليه، لملء الفراغ الإيديولوجي والاجتماعي والإنساني، الذي خلفه انهيار الاتحاد السوفييتي، ودخول الفلسفة الغربية في تيه العدمية وما بعد الحداثة .
وهو – بشموله الأبعاد الإنسانية المتعددة – مؤهل لذلك بلا شك.
ولقد فطن القادة الغربيون لذلك في وقت مبكر منذ حدوث الفراغ وقبله، ولمحوا في (الإسلام) البديلَ، لكنهم وضعوه في غير موضعه، وصنفوه تحت عنوان (صراع الحضارات) بدلاً من تحاورها، وتنافيها بدلاً من تكاملها، وتصادمها بدلاً من تعاونها.. يحرفون الكلم عن مواضعه، تدفعهم لذلك المطامع وأحلام الإمبراطورية والتفرد، وتأخذهم فيه العزة بالإثم، ويساعدهم عليه خطابنا العاجز المتخلف المهترئ.
إن خطابنا الراهن أعجز من أن يمدنا بما نستطيع به إحداث تغيير ذاتي في الداخل، أو حمل رسالة إلى الخارج، ولا بد من إصلاحه أولاً.
وهو الأمر الملحُّ المنوط الآن بعلمائنا ومبدعينا. وما هذه السنَّة التي اختطتها دار الفكر في تكريم المؤلفين والمبدعين والقراء إلا إسهامٌ في إصلاح هذا الخطاب وتقويمه. كان كتاب (آثار الحرب) أول ما نشرته دار الفكر للدكتور الزحيلي في الستينات، فكان البداية والبذرة التي اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج؛ موسوعاتٍ عجزت عن إنجازها المؤسسات والميزانيات، وأنجزها الجِد والدأب والتعاون الصادق بين مؤلف وناشر.
لن يزيدكم حديثي عن الزحيلي معرفة به، ولا إطرائي له محبةً فيه، وأنا أعرف عزوفه عن ذلك كله، وإيثاره القيام بالواجبات على التماس الحقوق، يكفيني أن أقول إنه تِربي وأخي الذي يبادلني المودة والوفاء، فليكن ما قدمتُ في هذه العجالة هديتي إليه بمناسبة تكريمه.
وليكن تكريم الأستاذ حسن حميد الفائز بجائزة دار الفكر للإبداع والنقد الأدبي لعام 2002 حافزاً لمزيد من الإبداع، وتكريم الأستاذ محمد عبد الله سعيد الدباغ أكثر قرائنا نهماً عام 2002 حافزاً لسير مجتمعنا على درب القراءة الطويل، فلئن كان نهم المعدة للطعام يسبب التلبُّك والآلام، فإن نهم العقل للقراءة يفتح الشهية للمعرفة ويوسِّع المدارك والآفاق، ويضع أمتنا على عتبة التقدم والارتقاء والحضور في المجتمع الإنساني، الذي يدعوها للمشاركة الفاعلة، ويتأهب بحرارة لاستقبالها.
محمد عدنان سالم
3/8/2003

إضافة تعليق