في تهميش فنّ الخطّ والخطّاطين في لبنان

يعود الخطّ العربيّ إلى زمن الحضارة النبطيّة التي انتشرت ثقافتها في شمال المَملكة العربيّة السعوديّة اليوم، وفي الحجاز والبتراء، وقد توسَّع انتشار الخطّ العربيّ لاحقاً، فبلغ مصر وتركيا والهند وإيران والدول المُجاورة.
توزَّع الخطّ العربي تاريخيّاً، على ثلاث مدارس معروفة هي: المدرسة البغداديّة، والمدرسة التركيّة، والمدرسة المصريّة. لكن بعيداً من حضور هذه المَدارس اليوم أو غيابها عن الحياة الثقافيّة، في بلدان نشوئها وفي ديار انتشارها، فإنّ من اللّافت غياب "المسألة الخطيّة" عن لبنان غياباً واضحاً، ما يجعل السؤال أو الأسئلة، مطروحة حول سرِّ هذا الغياب، وعن أسبابه الفعليّة.
عرف لبنان، في امتداد ما عرفته البلدان العربيّة وجوارها، عدداً من الخطّاطين الذين تأثّروا بمَدارس الخطّ التي تمّت الإشارة إليها، واتّبعوا مُقتضيات "علومها". وقد برزَ من بين هؤلاء العلَّامة فضيلة الشيخ أحمد اللّدن من راشيّا، الذي كان صاحب أدب رفيع وخطّ وزخرفة. ومن طرابلس شمال لبنان، أمير الخطّ الكوفي برهان كبّارة، الذي تخرَّج من مدرسة تحسين الخطوط الملكيّة في القاهرة حاصلاً على دبلوم الخطّ العربي، ودبلوم في الزخرفة والتذهيب، وشهادة تقدير من الملك فؤاد الأوّل، والخطّاط أحمد بن سليم الذهب، الذي أبدع في النقش على الرّخام والأحجار الصلدة، وكذلك من بيروت بَرَزَ الخطّاط محمود بعيون الذي كتبَ المصحف بالرسم العثماني، وكان يُصمِّم الألوان والكِتابات على الطائرات التابعة لطيران الشرق الأوسط، مثلما كان يخطّ العناوين الرئيسة لجريدة "الحياة" في العام 1960، وعُرضت أعماله في كثير من المَعارض حول العالَم، ومن بينها صالة التراث في مدينة جدّة في العام 1978. نذكر كذلك الخطّاط صلاح الحافي المُقيم في بيروت الذي اكتشف موهبتَه الخطّاطُ الصيداويّ كامل البابا الذي درس على يد والده الشيخ سليم البابا، ومن ثمّ عمل خطّاطاً "ملكيّاً" في مصر، وصدر له كِتاب "روح الخطّ العربي" عن دار لبنان.
تميّزُ هؤلاء وغيرهم من أقرانهم، لم يكُن كافياً ليضعَ الخطّاطين موضع اهتمام من قبل الجهات الرسميّة، حيث إنّهم لم يكونوا موضوعاً لدعم هذه الجهات، أو موضوعاً مُستهدَفاً بتشجيعها. ربّما كان ذلك سبباً من الأسباب التي أدَّت إلى ضمور وضع الخطّ العربي في لبنان، ضموراً لامسَ الاضمحلال أو كاد، وهذا لم يعوّضه مظهر الصحوة العابرة التي جعلت نفراً من اللّبنانيين يُعيد تصويب البوصلة صوب مدارس تعلُّم الخطّ، بجهد شخصي، ومن دون مؤازرة شعبيّة أو رسميّة.
في حديث سريعٍ معه يقول الخطّاط محمّد منير المحمود، مُقارِناً بين جيلٍ مضى من الطلّاب، وبين الجيل الحالي: كنّا نأخذ ساعة تسمّى حصّة الخطّ العربي، نتدرّب فيها على أصول خطّ الرقعة وقواعده، لكنْ ربّما لضيق الوقت وكثرة الموادّ تمّ الاستغناء عن هذه الحصّة في أغلب المدارس اللّبنانيّة، ما أدّى إلى تراجُع جودة خطّ الطالب اللّبناني. وأشارَ إلى أنّ طالب اليوم ينهي مرحلة الدراسة من دون أن يتوفَّر على خطٍّ جميل، وهذا بعكس الأيّام السابقة، حين كان للخطّ وقت ومكان ضمن الحصص المدرسيّة. لقد بات الخطّ العربي مَقصيّاً من البرامج الدراسيّة، على عكس ما هو معمول به حتّى الآن في بعض البلدان العربيّة. في المَملكة العربيّة السعوديّة مثلاً، ما زال الخطّ العربي يتمتّع باهتمام رسمي، كذلك ما زالت تتوافر كرّاستان: واحدة لتعلُّم خطّ النسخ، والأخرى لتعلّم خطّ الرقعة، وهذه مادّة يُقبل عليها الطلّاب هناك، ودائماً بإشراف الجهات الرسميّة.
على صعيدٍ شخصي، يبدو أنّ ثمّة تآلفاً بين روح الخطّ وروح التلميذ، أو روح السالك على دروبه. يختصر الخطّاط محمّد المحمود ذلك بالقول إنّ الخط علَّمه الصبر والأدب والمُثابرة، لأنّ إتقان التخطيط وامتلاك ناصيّة الخطّ، يتطلّبان جهداً ودأباً وتمريناً يوميّاً، مثلما يوجبان ثقافة واطّلاعاً على أحوال الخطّ عموماً، في البلد الواحد وفي سائر الأقطار. لقد جرى ربط الفوز بمعنى الخطّ وبجماليّته بمحبّة الخطّ ذاته، هكذا يصير التعليم في هذا المجال محبّة متبادَلة بين الموضوع والذّات، بين الأنا والآخر، هذا باختصار يجعل من الخطّ كينونة حيّة تجعلها معنيَّة بالمُخاطَبة، مثلما تجعلها معنيَّة بصياغة الجواب.
يروي لنا محمّد المحمود قصّته مع الخطّ فيقول: "كنتُ أحبّ الأقلام، أحبّ امتلاكها، بغضّ النظر عن نوع القلم، وكنتُ أراقب الخطوط المنتشرة هنا وهناك، وأُدقِّق في خطوط الخطّاطين، أجد نفسي أكتب وأتأمّل ما أكتب لأعرف إن كان خطّي جميلاً، ثمّ صرتُ واثقاً من جمال خطّي لاحقاً. حصلتُ على كرّاس للخطّاط هاشم البغدادي وبدأتُ أتدرَّب من دون أستاذ، وأبحث عن قصبة أو قلمٍ للتخطيط، فلمّا وجدته صرتُ أكتب على اللّوحات، ثمّ حالفني الحظّ وبدأتُ أكتب على لوحات تُصوَّر وتُنشر في الصحف اللّبنانيّة، وقد كانت آخر لوحة لي في صحيفة اللّواء في العام 1992، وكانت بعنوان "أمّك ثمّ أمّك ثمّ أمّك ثمّ أباك"، ومن هنا بدأتْ قصّتي مع الخطّ العربي".
صناعة بلاستيكيّة
بالعودة إلى الأسباب التي همَّشت وجود الخطّ العربي، وتلك التي أَقصته عن مقعده المتقدّم في الواقع اللّبناني، يقول المحمود: تبرز الحرب الأهليّة التي عاشها لبنان كسبب أساس، فهذه الأخيرة أطاحت بالكثير من الجماليّات التي كانت تشكّل مجموع السيرورة الحياتيّة اللّبنانيّة، ومن ضمنها جماليّات ثقافة اللّغة العربيّة المنثورة والمنظومة والمكتوبة.
لقد زُحزِحت "اقرأ" عن مكانتها القدسيّة التي كانت لها، فكان أن نالت منها يد التهميش الاجتماعي من جهة، وأيدي التقنيات الحديثة من جهة أخرى. لقد باتت الكتابة صناعة بلاستيكيّة، وصار الخطّ إشارات ضوئيّة، وما كان روحاً ومعنى يبثّهما الخطّ العربي، صار جامداً لا يُخاطب عقلاً ناقداً، ولا يدهش رؤية عَين تسعى وراء نبض الجمال.
نجد أنّ تهميش الخطّ ليس مقصوراً على الأسباب التي ذُكرت سابقاً، بل إنّ غياب الرقابة على الخطّاطين شوَّه جماليَّات الخطّ وقواعده وأصوله؛ ومَن يدَّعون أنّهم خطّاطون ينقلون لوحة مكتوبة من قِبل خطّاط آخر، والبعض منهم يلغي التوقيع العربي للكاتِب الأصلي ويستعيض عنه بتوقيعٍ حديث لربّما كان توقيعاً بلغة أجنبيّة إدّعاءً "للحداثة"، وذلك من دون الاكتراث للتشويه الحاصل. هؤلاء لا يمتلكون لوحة كلاسيكيّة واحدة، ولا يعرفون المفهوم الصحيح لقواعد الخطّ وأصوله، ويبتكرون خطّاً تحت مسمّى الخطّ المُعاصِر، على الرّغم من اعتماده على جذور ثابتة من القواعد. والسؤال هنا: هل الخطّ الديواني الجليّ أو النسخ أو الرقعة أو غيرها من الخطوط بحاجة إلى تعديلات؟ هل فشل مبتكرو الخطّ بوضع أصول الخطوط وقواعدها؟ فكيف لمَن يتعلّم الخطّ حديثاً أن يضع قواعدَ جديدة تُحدث تشويهاً واضحاً لجمال الخطّ، وتهميشاً متعمّداً لقواعده، متناسين قول الشاعر " تعلّم قوام الخطّ يا ذا التأدّب، فما الخطّ إلّا زينة المتأدّب. فإن كنتَ ذا مالٍ فخطّك زينةٌ، وإن كنتَ محتاجاً فأفضل مكسبِ".
على صعيدٍ أكاديمي، إذا جاز لنا القول، لا يَذكر المهتمُّ بشأن الخطّ العربي مَرجعاً رسميّاً أو غير رسمي، يعتني بتدريس الخطّ العربي، من بدايات الشغف بالتخطيط وامتلاك أدواته، إلى مرحلة تتويج الرحلة "الخطيّة" بإجازة تشهد لصاحبها بالقدرة والكفاءة على استيعاب عِلم الخطّ، وعلى نقل هذا العِلم إلى مَن يرغب في الدخول إلى محرابه. باختصار واضح، لا جهة في لبنان تتولّى منْح إجازة خطّ عربي، لذلك فإنّ على مَن يريد شهادة عليا في خبرة طالب الخطّ، والسالك في معراج الوصول إليه، أن يتوجَّه إلى بلدان أخرى، فيكون المقصد إلى السعوديّة مثلاً، أو إلى مصر، أو إلى تركيا؛ ومَن لم يستطع الانتقال إلى الخارج، أمكنه متابعة الدراسة عن طريق المُراسلة، فإذا بات على درجةٍ من الإتقان، طلب إليه المُشرف الموجود في الخارج أن يملأ نموذج إجازته بنفسه، أي بخطّه، فتكون تلك الكتابة هي امتحان تخرّجه الأخير.
في هذا السياق الدراسي، تحضر أسماء مشرفين على طلّاب "الدراسة العليا"، منهم، ناصر الميمون وداوود بكداش، من المَملكة العربيّة السعوديّة، وشيخ الخطّاطين حسن جلبي من تركيا، وخضير بورسعيدي، نقيب الخطّاطين المصريّين، و"شيخهم" أيضاً، وعدنان عثمان ومحمّد قنا من سوريا... وكما هو واضح، لا ذكر لأيّ اسم لبناني مقرون بصفة الإشراف على طالِبي الإجازات في خطّ اللّغة العربيّة.
ثمَّة استثناء قد يكون واعِداً، يشير إليه الخطّاط هادي المحمود، ويتمثّل في إصدار كرّاسٍ عنوانه: "الهادي إلى تحسين الخطّ العادي"، وقد شهد عليه أربعة خطّاطين هُم: الخطّاطة جنة عدنان عزّت من الموصل، والخطّاط العراقي مثنّى العبيدي من الرمادي، وعميد الخطّاطين في المَملكة العربيّة السعوديّة الخطّاط ناصر الميمون، ونقيب خطّاطي مصر الخطّاط خضير البورسعيدي. هذه الكرّاسة ستكون مادّة في المَدارس اللّبنانيّة لإعادة تحسين خطوط الطالب اللّبناني من جديد.
ختاماً، إنّ الاهتمام بمسألة الخطّ العربي يقع في صلب الاهتمام بمسألة الثقافة العربيّة، هذه الثقافة التي يجري تهميشها من طرف أعدائها، وهُم كثر، ويجري تهشيمها من قبل أبنائها الذين تكلَّسوا في مرويّاتهم فأماتوا جمال الماضي، ونقلوا فقر مخيّلتهم وأفكارهم إلى واحات كلّ جديد... التصحُّر بات اليوم سمة عربيّة عامّة، وهذه السمة يكتبها بحروف نافرة عددٌ من "الخطّاطين النقديّين".. وما أجمل حروفهم النقديّة الواضحة.
مجلة أفق

إضافة تعليق