في جدل النظرية والرواية: من يؤسس للآخر

نودّ أن نؤسّس لهذه المقالة على القاعدة التالية: “لا توجد نظرية للرواية، لكن لكلّ رواية نظريتها”. نفهم كمدخل استراتيجي بأنّ أيّ تصوّر نظري حول الرواية يروم بناء رؤية كونية حول هذا الفن، هو من قبيل الاختزال القاتل لها؛ بمعنى آخر، ليست النظرية سوى محاولة فاشلة لبناء متصورات تجريدية عنها، أو الإمساك بقانونها الكوني. لكن هل هذا ممكن؟ وإذا اتفقنا حول هذه الرؤية البنيوية نفهم أنّ صياغة نظرية كاملة وشاملة للرواية يعني إمكانية تعليم هذا الفن، حيث يكفي تمثّل تلك القواعد لكتابة رواية ما. ومن جهة أخرى، فإنّ بناء نظرية شاملة للرواية يندرج ضمن وظيفة السلطة الأدبية التي تمثلها مؤسسات الأدب، التي وحدها من يقرّر ما هي الرواية وما هي غير الرواية؟

الرواية هي النظرية:

كتب الناقد المغربي سعيد علوش كلاماً مهمّاً يقول فيه “إنّ النظرية لا تهب المرء منهجية للتأويل والتحليل؛ لأنّ النظرية نفسها أدب يلقّن ممكن الطرائق. ألم يُنشِد “ماتشادو” أنّ ” لا وجود لطريق غير ذلك الطريق الذي يُبدعه مشينا”. وبغضّ النظر عمّا يقصده من وصفه  للنظرية بأنّها “أدب”، فإنّه في المقابل لا يضع النظرية في موضع ند للأدب، كما كان يشتهي الشعريون الدفاع عنه، بل أنّ الأدب حاملٌ لنظريته الخاصة، وإذا تحدّثنا عن “الرواية” فكلّ رواية هي في ذاتها نظرية عن نفسها؛ فكما أنّ الطريق هي ما ترسمه خطانا، فالرواية ترسم نظريتها الخاصة أي تشق طريقها النظري بنفسها.

هذا القول، يتساوق إلى حدّ بعيد، مع مقولة قالها نيتشه أوردها الروائي التركي أورهان باموقفي كتابه “الروائي الساذج والحسّاس” إذ قال “ قبل أن تتحدّث عن الفنّ، يجب أن تحاول ابتكار عمل فنّي”. ثمة أسبقية أنطولوجية للعمل الأدبي على النظرية، كما لو أنّ نيتشه ينبّهنا  إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أنّ النظرية ما هي إلا الانتباه الذكي إلى ما يقوله الأدب عن نفسه.

الإرهاب النظري:

لقد فُرضت النظرية في مرحلة تاريخية كبديل للأدب، وفي المرحلة البنيوية تحوّلت إلى مركز استقطاب وجذب قويين، حتّى أنّها أزاحت الأدب عن مركزه، وأصبح الحديث عن النظرية هو أساس الدرس الأدبي. بل وأصبحت تمثّل أصل العملية النقدية [ هذا ما زال قائما إلى اليوم، خاصة بالنسبة للنقد الأكاديمي الذي مازال يقدّس المداخل النظرية على نحو كبير، فأصبحت القاعدة أنّ الدراسة الأكاديمية للأدب هي مختبر لإطالة عمر النظرية].

لم تعد دراسة الأدب قراءة في النصوص و لا بحثا عن المعاني الظاهرة والمضمرة فيها، بل أصبحت هي تطبيق المناهج والمقولات النظرية وإسقاطها على النصوص، كما لو أنها مفاتيح تصلح لفتح كل الأقفال. فالنظرية أضحت الوسيط بين القارئ والنصوص.

أمام سطوة النظرية على العمل الإبداعي، أطلق بعض النقاد ناقوس الخطر معلنين بأنّ الأدب في خطر، بعد أن فقد هالته الجماهيرية، فأصبح مفصولا عن المجتمع وعن التاريخ، بل أضحى التفكير فيه نوعا من اللعب المفتوح على رؤى متعالية في التجريد.

و لقد كان إدوارد سعيد من بين هؤلاء النقاد الذين حذّروا من أخطار النظرية، وتأثيراتها السلبية على الثقافة النقدية، ومن بين تلك الآثار تحوّل النخب الجامعية إلى كيانات كهنوتية ممفصولين عن الواقع و عن التاريخ و عن السياسة والمجتمع، فانخرطوا في نوع من التصوف المعرفي والأدبي، ومارسوا من خلال لغتهم التجريدية إرهابا نظريا على القراء. هذا ما دفع بجوناثان كوللر إلى ايجاد رابط ما بين المنظّر théoricien والإرهابيtérroriste، وهو تقارب فونيتكي أيضا، فالمنظِّر يشبه الإرهابي الذي يبث الرعب في نفوس ضحاياه ( القرّاء).

هل الروائي منظّر للرواية؟

يفترض السؤال الانتباه إلى مسألتين:

أوّلا، الروائي بوصفه قارئاً لأعمال غيره، فهو في الأخير نتاج تأثره بروائيين سابقين أو معاصرين له، في هذا المستوى، سيتحدث الروائي عن طبيعة التأثيرات التي شكّلت وعيه الروائي منذ بداياته، نذكر على سبيل المثال كتاب “الكتب في حياتي” للروائي الأمريكي هنري ميللر، وفي هذا الكتاب يستعيد ميللر من ذاكرته أهم الروايات التي تفتق وعيه الروائي بسببها وساهمت في نضجه الفني والجمالي.

ثانيا، الروائي بوصفه منتجا لنص تأملي حول الرواية، فيقدّم تصوراته حول الرواية، وفلسفته في الكتابة، لكن دون أن يتعدّى ذلك إلى تأويلها أو فرض تفسير ما لها، وهنا نذكر كتاب “حاشية على اسم الوردة” لأمبرتو إيكو الذي قدّم تصوراته للكتابة الروائية وتحديدا ظروف إنتاجه لروايته الأشهر “اسم الوردة”.

إلاّ أننا هنا نطرح إشكالاً مهما: ما هي ضمانات الروائي التي يقدّمها – في هذه الحالة للقارئ – حتّى لا يقع في نوع من الانتهاك التأويلي لنصه الخاص، فيتحوّل إلى وصي على قرّاء أعماله؟ ومن جهة اخرى، ما هي الحدود المائزة بين إنتاج تأمّلات نظرية حول الرواية وإنتاج تأويلات لها؟

إنّ ما يبرّر هاذين السؤالين هو الجدل الذي يقع بين الروائيين ونقاد الرواية، ويتمثّل هذا الجدل في مدى شرعية أو عدم شرعية أن يكون الروائي طرفا تأويليا لنصوصه الإبداعية، وهل، إذا تدخّل في تفسيرها، يكون قد جنى على نصوصه قبل القرّاء؟

لكن الأكيد أن المساحة الآمنة للروائي هي تلك التي يمارس فيها نوعا من التأمل النظري في فن الرواية، فهو قارئ بالدرجة الأولى، ومن خلال القراءة وممارسة الكتابة الروائية يكون قد راكم خبرة نظرية في أسرار الكتابة الروائية. هذه هي المنطقة التي لا أحد يشك في أحقية الروائي في أن يتحرّك فيها بطلاقة، دون أي جناية يمكن أن يرتكبها في حقّ قرّائه.

نفهم من هذا، أنّ الروائي ليس مجرّد مؤلّف للأعمال التخييلية، بل هو أيضا منتج لمعرفة نظرية حول الفن الروائي، سواء من خلال كتابات ذات طبيعة تأملية وتنظيرية، أو من خلال تضمين نصوصه الإبداعية رؤى نظرية وفلسفية، والتي تنصهر داخل المتن التخييلي لرواياته.

من حقّ الروائي إذن الحديث عن الصنعة الروائية، لأنّ الرواية ليست مجرد انهيال سحري للموهبة الطافقة بالسحر، بل لا يمكن للرواية أن توجد ما لم تتشكل من داخل “نسق قواعدي” قبلي، وذلك النسق هو مجموع المقدمات المعرفية والنظرية – القبلية – التي ينطلق منها الروائي لكتابة رواياته.

طبعا، ليس المقصود من هذا النسق القول بأنّ من شروط كتابة رواية جيدة تطبيق مجموعة من القواعد، وإلاّ لقلنا بنوع من الوثوق بأنّ الغرض من تدريس فن الرواية هو تكوين مجموعة من الروائيين! فلم تكن يوما أقسام الأدب مصنعا لتخريج الشعراء والأدباء.

يقول ميلان كونديرا أنّ الروائي الذي يتحدّث عن روايات غيره، إنّما وجد طريقة مثالية لأن يُحدّث القرّاء عن نفسه، ومن خلال تلك التأملات، التي قد تسقط في الانطباعية أو قد تكون تأمّلات جادة ومحترمة ، يكتب على نحو شخصي تاريخ الرواية، هذا يعني أنّ الحديث عن روايات الآخرين ليس ثرثرة وإضاعة للوقت “إنّ الروائي الذي يتكلم عن فن الرواية ليس أستاذا يثرثر من منبره“. هكذا يقول كونديرا إشارة إلى أهمية ما يقدّمه الروائي من رؤى معرفية ونظرية وتاريخية حول الرواية، التي قد تفيد النقّاد أيما إفادة.

تاريخيا، التزم الروائيون الأوائل بمهمة الحديث عن هذا الفن، فقد خصص فيلدينغ، الذي يعدّ واحدا من آباء الرواية الحديثة، مقدمة نظرية – تعريفية – في كل فصل من فصول روايته ” طوم جونز”، وهي بمثابة مقدمات نظرية حول هذا الفن الوليد، فكان في كلّ مرة يعلن عن اكتشافه لأقليم أدبي جديد، وأنه ساهم في في تطوير هذا الفن من خلال إخراجه من طور فن التسلية إلى طور الفن الجاد؛ فالرواية هي الفن الذي يفكّر في الطبيعة الإنسانية. وفي نفس السياق، تحدث كونديرا عن الروائي ” فيتولد غومبروفيتش” الذي تلقّى ذات يوم رسالة من قارئ غاضب يعاتبه في رسالته: ” على الأخص لا تفسّروا وتعلّقوا! اكتبوا فقط! كم هو مؤسف أن تنساقوا للتحريض بكتابة مقدمات لأعمالكم، مقدمات وحتى تعليقات“. فرد عليه غومبروفيتش: “إنّ كاتبا عاجزا عن الحديث عن كتبه ليس كاتبا كاملا” (الستارة: ص 82)

إنّ الكاتب الكامل عند غومبروفيتش هو الذي يعلّق على كتبه، فلا يتجاهلها بالتفسير والتأويل. وقطاع كبير من الكتّاب يتفقون معه، وهذا في ذاته لا يشكّل مشكلة. لكن المعضلة الحقيقية أن يتحوّل تعليق الكاتب إلى مرجعية نهائية تتوقف عندها كل التفسيرات، وتصبّ عندها كل التأويلات. إنّه هنا، ومن حيث لا يدري، يشيّد جدارا شديد البنيان يسيّج به نصّه، ويحاصره، ويفرض عليه صيغة دلالية أحادية. هل النص الأدبي من هذه الطبيعة أحادية الدلالة؟

كونديرا وسؤال: ما الرواية؟

يعدّ الروائي التشيكي – الفرنسي ميلان كونديرا من أهم الأصوات الروائية المعاصرة، الذي اشتهر بجملة من الروايات المهمة والمثيرة مثل: الهوية، البطء، الخلود، الضحك، كائن لا تحتمل خفته…إلخ، وهو فضلا عن ذلك فهو كاتب المقال النقدي، ومن مؤلفاته: الوصايا المغدورة، الستارة،…إلخ. وضمن هذه الأعمال يرسم كونديرا بحذاقة، ما يمكن أن نطلق عليه نظرية في الرواية، أي بالأحرى نظريته للرواية.

الرواية وشعرية المبتذل

لم تتعمد الرواية بالمياه المباركة أو المقدسة، بل هي ابنة الهامش، والصوت الذي يعجّ بضجيج الواجهة الخلفية للواقع. لقد نشأت الرواية، يقول كونديرا، في تلك اللحظة التي صار فيها المبتذل موضوعا أدبيا، فكانت رواية الدون كيشوت النص الذي “نثر” العالم.

النثر هو خطاب المبتذل، لأنه لغة تناسب “اليوميات” البشرية، في فرادتها، وتفردها. إنّ المبتذل هو الحياتي أو اليومي أي بتعبير أدق هو العالم بوصفه تحربة جد ذاتية، وهي تجربة لا يمكن سردها إلا نثرا.

تأسّست الرواية في لحظة غيّرت فيها الثقافة محاورها؛ فانتقلت من البعد العمودي ( الله – الإنسان) إلى البعد الأفقي (الإنسان – الإنسان)، حيث لم يعد هناك تاريخ خارج الخصوصي والفردي والذاتي، بل أنّ التاّريخ هو تجربة كل شخص، وهو ما تبنيه التجربة الفردية للأشخاص، فلم يعد هناك تاريخ متعالي فوق الشرط الإنساني للوعي وللمعرفة.

داخل هذا الأفق المتحوّل، وجدت الرواية المناخ المناسب لتتجلى كفن العصور الحديثة، أي عصور ولادة الإنسان خارج عالم الملحمة الطهراني، فجاءت لتعبّر عن المهمش تاريخيا، أي عن اليومي والمادي والحياتي، ويقدّم كونديرا مثالا طريفا عن طبيعة علاقة الملحمة بالإنسان وبالعالم، فهوميروس العظيم لم تكن من اهتماماته معرفة إن كان آخيل أو أجاكس قد احتفظا بكامل أسنانهما بعد معاركهما العديدة، وهو على عكس سيرفانتيس الذي كتب صفحات عن أهمية الاسنان في وعي دون كيشوت.

لهذا خلص إلى النتيجة التالية ” اليومي هو ليس فقط الضجر والتافه والمتكرر والوضيع، إنّما هو أيضا جمال“. (ص24) هناك تأسيس جديد لمفهوم الجمالية، حملتها رياح الرواية لتعصف بالمفاهيم القديمة.

الرواية واكتشاف الحياة بوصفها هزيمة:

يقول كونديرا أنه ابتداء من رواية “دون كيشوت” أصبحت الرواية هي الفن الجديد الذي عبّر عن ميلاد “الفرد”، مستدلاً بخطاب وجّهه سيرفاتيس إلى كاتب مجهول ادّعى أنّه صاحب رواية دون كيشوت؛ إذ قال بنبرة غاضبة: ” خُلق دون كيشوت لي وحدي، وأنا خُلقتُ له” ( الستارة، ص 103)

إنّ سبب ذكر كونديرا لهذه الحادثة هو أنّ السمة الأولى والأساسية للرواية أنّها ” ابداع فردي وفذ، لا ينفصل عن مخيلة مؤلف وحيد” (ص103) وأنّ الروائي هو “المعلّم الوحيد لنتاجه“. لقد دشّن سيرفانتيس عصر الرواية بثلاث أسئلة: ما هي هوية الفرد؟ ما هي الحقيقة؟ ما هو الحب؟ وهي أسئلة لا تطرح إلا في سياق فردي فقط، فمدار اشتغال الرواية هو بالذات عالم الفرد الباحث عن هويته، عن الحقيقة كما يفهمها (ألم يكن دون كيشوت أوّل من دمّر الحقيقة الجمعية حتى تشرق الحقيقة الفردية؟) ثم أنّ الحب هو تجربة فردية، فلا يوجد حب جماعي أو مكفول من الجماعة. إذ لا تملك الجماعة قلبا واحدا، ولا عاطفة واحدة، ولا مشاعرا واحدة. من هنا، يغدو الجميل تجربة فردية، ذلك أنّ كل “حكم جمالي هو رهان شخصي“.

لقد نشأت الرواية في اللحظة التي برزت فيه الحاجة إلى بطل فردي، مأزوم، ومفصول عن عالمه، يعيش العالم الذي يتصوّره، يصارع الأوهام، يبحث عن الحقيقة أو بالأحرى عن حقيقته، بطل مزعج، بطل دنيوي،…كان جورج لوكاش دقيقا حين وصف البطل الحديث بأنه بطل إشكالي، على خلاف البطل الملحمي الذي هو بطل بلا ازمات ولا مشكلات، بطل يعيش في جنة ما، لا يؤرقه أي شيء، مكتمل السعادة. بطل الرواية ليس سعيدا بالمرة، هو تعيس، عدمي، عبثي، مضطرب، لأنه يشبه الازمنة الحديثة تماما، هي الأزمة التي وصفها بـ”القرون المقيتة”.(يُنظر: ألبرتو مانغويل، مدينة الكلمات).

إنّ انبثاق هذا الوعي الفردي هو الذي تسبب في تمزق تلك الستارة السحرية المنسوجة بالأساطير والأوهام والتي كانت تحجب العقول عن النظر إلى العالم. وحدها سذاجة الدون كيشوت مزقتها، ليتبدى العالم أمام الفرد عاريا من أوهامه، ومن أساطيره، وتسقط كل أوراق التوت التي كانت تخفي عري العالم، ليقف الإنسان وجها لوجه أمام عريه الهزلي بتعبير كونديرا.

لقد أصبح العالم، بعد أن تمزّقت أسترة الوهم، عالما بلا انتصارات وبلا فضيلة، وهنا يكمن السبب الحقيقي لوجود الرواية، وهو التفكير في معنى “هزيمة الإنسان”، لأنّ دون كيشوت انهزم في الأخير، دون أي فضيلة.

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.