في مسألة القراءة : ضد الرؤية الأخلاقية

يتجدد الحديث في العالم العربي كل مرة عن مشكلة القراءة والنشر، وعن نسب القراءة التي تكشف الإحصائيات أنها مخجلة، بل ومهينة، وفي هذا السياق تظهر دعوات، هنا وهناك، للاهتمام بهذه القضية، وبيان تبعاتها على مستقبل الأجيال القادمة. ثابت هذه الدعوات هو التذكير دائما بمأساوية الوضع، مع نقد مباشر للجهات الرسمية التي تعنى بهذا الأمر من ساسة وحكام ومشرفين على البرامج التعليمية، بل ونجد عددا من أصحاب هذه الدعوات يتبنى مبادرات لتشجيع القراءة، في شكل أنشطة متعددة. والحقيقة أن مثل هذه الدعوات والأنشطة هي في حد ذاتها محمودة، على الأقل لنيتها الحسنة، لهذا فلا يمكن للمرء إلا أن يثمنها مبدئيا، لكننا، إن تجاوزنا هذا المبدأ الحسن، قد نجد هذه المبادرات ساذجة وغير ذات جدوى، بل قد نزيد ونقول إنها جزء من المشكلة من حيث لا تدري، والدليل على ذلك أنها لم تنتج شيئا، فنحن نجد "الجميع" بلا استثناء يساندها ويدعمها، لكن رغم هذه المساندة الجماعية، فلا شيء يتغير في سلوك هذا الجميع.

ما الذي يجعلنا نصدر حكما قد يبدو ظالما كهذا ضد مبادرات نبيلة في مقاصدها؟ طبعا ليس الرغبة في مجرد المعاندة، بل هو الوعي بأن هذه المبادرات الطيبة لا تعي واقع المشكل ولا تفهم حقيقة الوضع، فتكتفي بالتناول الأخلاقي للمسألة، وبالاعتماد على خطاب "الذنب" الذي قوامه اتهام المسؤولين والأجيال الجديدة بكونها لا تقرأ ولا تهتم بالثقافة، فيتحول الأمر إلى نوع من الوعظ الأخلاقي الذي يوافق الجميع نظريا، ولكن لا يغير أي شيء عمليا.

القراءة اختصاص وليست أمرا مشاعا "للعامة" والجمهور "الأضداد السفلة الرعاع" كما كان يقال

لفهم مشكلة القراءة والنشر في العالم العربي، أعتقد أننا نحتاج لرؤية بعيدة عن ثقافة الوعظ والاتهام للأجيال الجديدة، فالمشكل أكبر من الأشخاص ومن إراداتهم، إننا نحتاج رؤية تعي أن المشكل يتعلق بعناصر موضوعية ومكونات بنيوية عميقة يتطلب تجاوزها أولا فهم حجمها ومفعولها، وهو ما سيحررنا من "تشخيص" المسألة واعتبارها قضية "كسل" أو لا مبالاة عابرة فقط.

لنطرح المسألة في حجمها الحقيقي. مبدئيا نحن مجتمعات بدوية في العمق، ظلت المشافهة وثقافة الحفظ هي المهيمن فيها إلى حدود الاستعمار، صحيح أننا ثقافة أنتجت نصوصا، لكنها نصوص ظلت في إطار "العلم" الذي ظل مقصورا على طبقة ضيقة ومغلقة هي طبقة "الفقهاء" و"الطلبة" وأهل الحل والعقد، فهؤلاء كانوا هم المكلفون "اجتماعيا" بالاشتغال بالكتب والنصوص وحفظها "في الصدور". أما عامة الناس، أي الشعوب، فلم تكن في يوم تعتبر "القراءة" جزءا من معيشها وممارستها اليومية، وهذا الاختصاص الذي كان لطبقة العلماء بـ "النصوص"، التي لا يعرف العامة لفتح مغاليقها سبيلا، هو ما كان يعطي لهؤلاء الحظوة والقدسية التي تمتعوا بها طوال التاريخ، وأما باقي الناس فلم تكن أميتهم وظروف معاشهم القاسية تسمح لهم بذلك، بل لم يكن ذلك مطلوبا منهم أصلا، فالقراءة اختصاص وليست أمرا مشاعا "للعامة" والجمهور "الأضداد السفلة الرعاع" كما كان يقال. هذا الأمر جعل من الكتاب، من حيث هو شيء ومادة، لا يحضر في اليومي، بل يظل في صورة "مخطوطات" غميسة، حبيسة الزوايا والمدارس العتيقة، لهذا فلم تكن هناك حاجة للطباعة أو التوزيع، فالقراءة والكتابة "مهنة" و"حرفة" لها أهلها ومتخصصوها الذين يطلعون عليها ويخبرون عموم الناس، عن طريق الخطب والمواعظ والفتاوى و"المشافهة"، بما ينبغي أن يعرفوه منها. هكذا كان الأمر طيلة التاريخ، وكل حركات الترجمة والتأليف التي عرفها العالم الإسلامي كانت من هذا الجنس، أي محصورة بين العارفين والفقهاء والعلماء، وأحيانا السلاطين والأمراء، متى ما استطاعوا، ذات صدفة، إيجاد سلطان يهتم بهذا الأمر. وقد ظل الأمر كذلك إلى حدود الاستعمار الذي سيحاول إرساء تقاليد جديدة، من مثل الجرائد والبيانات السياسية الشعبية وما إليها.

الأمر يختلف كثيرا في الثقافة الغربية؛ فمنذ ظهور المطبعة (والتي كان ظهورها أصلا نتيجة حاجة اجتماعية) مع ما ساوقها من إصلاحات ونقاشات في الثقافة والعقيدة والسياسة، تحول الكتاب إلى جزء من المعيش اليومي لأعداد كبيرة من الناس، فظهور الجرائد والمنشورات اليومية السيارة les gazettes، هو تقليد ترسخ منذ النهضة الإيطالية والأوربية عموما في القرن السادس عشر، وما كانت تنشره الجرائد كان دائما له وقع وأثر بين الناس، فسلاح الثوار الفرنسيين في القرن الثامن عشر كان جريدة الثوري ألبير كامي، وظاهرة منع الكتب من التداول، والطباعة السرية للمنشورات الممنوعة، وظاهرة الأدب الشعبي ورواياته وتقليد "البيست سيلر" كانت حاضرة في أوربا، على الأقل منذ القرن السابع عشر، في حين أن ثقافتنا، كما ذكرنا آنفا، لم تعرف مثل هذه الظواهر سابقا، فلم نعرف روايات ذاع صيتها كـ "البؤساء"، ولا كتّابا شعبيين اشتهروا مثل غاستون لورو أو لوبلان، صاحب روايات أرسين لوبين، إذ إن هذه الظاهرة تبقى غربية بامتياز.

مسألة القراءة والكتابة وتداول النصوص ونشرها مسألة تاريخية عميقة إذن، تتعلق بنموذج حضاري استنبت القراءة "كممارسة" في حياته، على عكس نموذج آخر ظل فعل القراءة عنده "مهنة" تتعلق بالبعض دون الكل.

لا يتعلق مشكل المقروئية بكسل من أفراد ولا بإرادات سيئة من أشخاص، بل بشروط ومكونات عميقة

بعيد الاستقلال حصلت فعلا، وبالتزامن مع الأيديولوجيات النهضوية، دعوات لتعميم القراءة وتقوية الترجمة والرفع من نسبة المقروئية، وقد كانت كل هذه الدعوات تضع برنامج النهضة الأوربية نموذجا لها، فظهر عندنا فعلا روائيون وكتاب وصحافيون حاولوا خلق سوق ثقافية ومجال نقدي وأدب وفكر عربي يتناول الشجون العربية، وحتى إن كانت هذه الحركية والاعتمال قد خلقا لفترة (الستينيات، السبعينيات) رواجا معينا، فإن الأصل الشفهي ما فتئ أن عاد بعدهما ليبسط سلطانه من جديد، مع ظهور الطفرة النفطية والثورة التواصلية فيما بعد، فجرى تجريف هذا المكتسب الهش واجتثاثه، وهو بعد لم يتأصل في التربة النفسية والاجتماعية للناس. هكذا انتقلنا مباشرة إلى مجتمع الترفيه وثقافة الشاشة والصورة والمباشرة، مع تعميم الحوامل الجديدة، قبل أن تترسخ عندنا، لفترة كافية، ثقافة النص مع العلم أن ثقافة الشاشة والصورة تقتل النص والقراءة كممارسة، وهذا حاصل في الغرب نفسه اليوم الذي يعاني مشكل انحصار ممارسة القراءة وتداول الكتاب، فكيف بثقافة مرت من المشافهة إلى الشاشة مباشرة؟

إن وافقنا التحليل السابق، سيبدو لنا أن مشكل المقروئية لا علاقة له بكسل من أفراد ولا بإرادات سيئة من أشخاص، بل بشروط ومكونات عميقة، فنحن ثقافة مرت من الشفهي إلى الرقمي مباشرة، ولم ننتج النص المكتوب إلا في فترة استثنائية، وهو ما يعني أن تجاوز مشكل انحصار المقروئية لا يمكن أن يتم، إن كان له أن يتم، إلا بالوعي السياسي والاجتماعي العميق بجذور وأسباب القضية، وبإرادة من حديد وباستثمار للوقت والجهد والقوى لفترات طويلة جدا، وهذا ما هو غير متحقق الآن، ولا يظهر أن أحد عناصره متوفرة، الأمر الذي يفسر أن كل المبادرات والدعوات تظل وستظل طيبة صحيح، لكن شكلية وساذجة وغير ذات أثر يذكر.

(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.