في ندوة ضمن فعاليات فلسطين بمعرض عمّان الدولي للكتاب "الكتابة من القدس" تعقيد المشهد يفرض نمطاً مغايراً للمنتج الأدبي لمبدعي المدينة

للمعركة ألف ساحة وساحة، ومعارك العقل هي التي تصنع الحياة" .. بهذه العبارة قدّم الأديب والإعلامي الأردني حسين نشوان ندوة "الكتابة من القدس" (القدس والشباب)، ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لدولة فلسطين ضيف شرف معرض الكتاب، والتي شارك فيها الروائي عيسى القواسمي، والروائية خالدة غوشة، والروائية والقاصة الشابة نسب أديب حسين.

ووجه عيسى القواسمي في بداية مداخلته، تحية خاصة من ندوة "اليوم السابع" في القدس، قبل أن يتحدث عن مشروعه "الذي خرج من أزقة البلدة القديمة في القدس من خلال الصورة والقصة المروية"، وعمل عليه لأربع سنوات، وعرضه بعد القدس في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بالأردن.
وقال القواسمي: الكتابة من القدس تعني أن تلامس نبض الوجع، وأن تلتقط الأشياء بالكثير الكثير من الأمل، وأن ترمّز قلبك بحرف من التراب، فتبصر بأعين البسطاء .. الكتابة هناك كما الرقص فوق غيمة، حر مثل طير لا يهاب البلل، أو أن تنمو كتاباتك كوطن يتفتح فوق خد الورد .. الكتابة من القدس تعني أن تجالس فلاحة عند باب حطة نثرت جدائلها عند رصيف التعب، أو أن تغريك تجاعيد وجه متسول بفكرة لرواية تخلدها.
وسرد: خلال إعدادي روايتي "عازفة الناي"، كنت أتردد على أزقة القدس، وبما أنني من مواليد حارة الشرف القريبة جداً من باب السلسلة إحدى بوابات المسجد الأقصى .. أثرت فيّ تفاصيل المكان والحكايات بهذه الحارة، التي شهدت في العام 1967 هجرة جزئية من داخل أسوار القدس إلى خارجها .. خلال جولتي هذه، اكتشفت أن الصورة وما وراءها من قصة قصيرة تجلب الانتباه أكثر من الرواية، فبدأت بتصوير الأمكنة المتعددة والتعريف بها بعيداً عن السرد التاريخي الكلاسيكي، والعمل على المشروع برفقة الشاعر أحمد أبو سليم، الذي نسق أيضاً للمعارض في مخيمات اللاجئين، حيث طبعت الصور على القماش، ولم يتم عرضها أيضاً بالطريقة التي اعتاد عليها الجمهور في المعارض الفوتوغرافية.
وشدد القواسمي على أن "الكتابة من القدس تعني أن تنظر في هذه المساحة الضيقة من الكيلومترات إلى كل تناقضات الكون الساكنة فيها، وهو ما عمدت إلى تصويره ليس في سلسلة المعارض بل في رواياتي وخاصة رواية "الشغف" الصادرة عن دار الشروق للنشر والتوزيع في الأردن وفلسطين، حيث عشت الرواية ميدانياً، كاشفاً عن أن شخصية نوح المتسوّل مستوحاة مما قام به من تنكر وتقمص حقيقي لشخصية المتسول، والغوص في هذا العالم كواحد من أبطاله" !
بدورها قالت نسب حسين: القدس كما أعايشها، تدرك وحدتها ويتمها، وتعرف كيف تمنح لوحات الألم ألوان الوجع والغضب، فلا تكتم صوتها في المصاب، وهي ذاتها تعلمنا جميعاً حين يطل الفرح كيف يكون الرقص والاحتفال، فالقدس، ورغم كل شيء، تحاول أن تكون بخير.
وأضافت: في الصراع طويل الأمد بالنزاع على القدس، وسط استعمار استيطاني إسرائيلي إحلالي يسلب المقدسي أرضه، ويزور ماضيه، ويهدد مستقبل بقائه، ويعكر صفو حاضره .. وسط هذا كله قلما ينتبه الفلسطيني البسيط إلى الصراع الثقافي على المدينة، وإلى الهوية الثقافية التي بسلبها تشكل الخطر الأعمق، حين يتم تشويه هوية ورؤية الفلسطيني نفسه إلى ذاته وإلى المكان .. ومن بين تهويد الرواية التاريخية، وتغيير الأسماء، والتدخل في المنهاج التعليمي، تأتي فعاليات ثقافية صهيونية بقوة مادية هائلة لتصب في بؤرة التهويد هذه، من بينها مهرجان "الأنوار" الإسرائيلي.
وتابعت حسين: وفي ظل هذا الواقع المخيب للآمال، تلقى مهمة الحفاظ على الهوية العربية للمدينة على عاتق المثقفين الفلسطينيين فيها، والذين يحتاجون إلى العمل الحثيث والقريب من الناس، والعمل على نتاج أدبي وفني توعوي يليق بالقدس، ليكون رداً ومحاولة للحفاظ على هويتها العربية الفلسطينية، لافتة إلى أنه، ومن بين أهم الأنشطة الثقافية في القدس ندوة اليوم السابع الأسبوعية، ويديرها الكاتبان جميل السلحوت وإبراهيم جوهر وتتواصل منذ خمسة وعشرين عاماً، قبل أن تتحدث بإسهاب عن الجهود الثقافية الشبابية في القدس، ليتلاءم ما تقدمه وطبيعة الندوة.
وأشارت حسين إلى أن في القدس تظاهرات ثقافية شبابية بمبادرات آنية منها مبادرة "شايفين" التي ظهرت في العام الماضي إثر "هبّة القدس" وتمحورت حول التجمع ظهر كل يوم خميس في منطقة باب العمود التي حظر الاحتلال التجمع فيها، واستمرت أسابيع تخللتها قراءة كتب وعزف موسيقى واحتساء قهوة في محاولة لإعادة الروح العربية لمدخل القدس القديمة الأكثر شهرة، وأخرى أكثر استمرارية كملتقيات شبابية ثقافية فنية ظهرت في المدينة بالسنوات الأخيرة، وهي تنمو وتخبو وتجدد، كل حسب ظروفها، متحدثة عن تجربتها الشخصية في إقامة أول ملتقى أدبي شبابي في المدينة تحت اسم "دواء على السور" برفقة صديقتها الكاتبة مروة السيوري، وبرفقة مجموعة من الكتاب والشعراء الشباب في القدس، لتختم بالقول: الكتابة عن القدس مسؤولية كبرى، لأنها لا تشبه إلا ذاتها، ففيها لا تستطيع أن تلقي إلى حضن المكان نظرة دون معنى، فخلف أي ركن قد تتكشف لك عوالم كثيرة.
ودون مقدمات بدأت الروائية خالدة غوشة حديثها في صلب موضوع الندوة، بالقول: ككاتبة مقدسية أكتب من داخل القدس، وليس من خارجها، أرى أن الكاتب المقدسي حين ينبري بالكتابة عن المدينة ومآسيها لا يهدف إلى تحويلها لـ"أندلس ثانية"، رافضة ما تلمسه من حالة استسلام وتسليم بأن القدس باتت تحت سيطرة الاحتلال، كما رفضت ذلك النوع من الكتابة الذي يصبّ في هذا الاتجاه، مشددة على أنها تكتب القدس كنوع من المقاومة كما حال العديد من كتاب القدس، ومن أجيال متعددة، "رغم قناعتي بأن القدس ليست للمقدسيين وحدهم، أو للفلسطينيين وحدهم، فهي للأمة العربية بأكملها، لا يجب تحويلها، كما أسلفت، إلى أندلس ثانية"
وأضافت غوشة: شاء الله أن تجتمع في القدس دون غيرها من مدن العالم كل التناقضات، فكل حجز فيها شهد رواية .. أن تعيش في القدس ليس بالأمر السهل، فمن أسوارها وأبوابها تستمد القوة، أما أن تكتب من القدس فتلك صعوبة ما بعدها صعوبة .. أن تكتب في ظل تلك التناقضات ليس سهلاً، وهذا التناقض يفرض نفسه على ما أكتبه باستمرار، ولا يمكنني تخيّل نفسي أكتب عن شيء ما خارج أسوار القدس، قبل أن تختم: في القدس لا يمكن لك أن تكتب شعراً أو نثراً دون أن تحاصرك مآسي القدس التي اختطفت من بين أيدينا، ووضعوها في صندوق إسمنتي أسموه الجدار.

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.