فَتَبَيَّنُوا... فَتَثَبَّتوا

بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم: الدكتور أحمد راتب حمّوش

نصادف في هذه الأيام صراعاً بين القديم والحديث، بين الآباء والأبناء، استشرى داؤه، وأضرمت أواره التربية القائمة على حرية مزعومة، وعلى أخلاقيات لا تمت إلى شرقنا وعروبتنا بصلة، وزاد في لهيبها جهل الآخذين بها بنتائجها، وأنها وجدت لغير مجتمعاتنا.
وأخذ بعض الخطباء حديثاً يواكبونها في مسالكها، ويدعون بها، ويروجون لها، وكأنها تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ومن ذلك مثلاً ما يزعمه بعضهم في الأمور الاجتماعية كالأسرة والتربية فيها، فيطلقون الحرية للابن في مخالفة رغبة أبيه في أشياء كثيرة منها عدم تسميته لابنه باسم يرغبه جده، ولا يعدون ذلك من العقوق الذي يفسرونه تفسيراً يوافق انحرافاتهم، مستندين في ذلك إلى علم قاصر لا يحيط بالمسألة من جميع وجوهها التربوية والاجتماعية والشرعية.

ولذا أجد من الواجب علي أن أعرض حقائق الأمور التي أدين بها لله عز وجل، تاركاً بعدها للناس اعتماد ما يرونه منها حقاً، مستنداً في ذلك إلى حقائق اللغة العربية والقرآن الكريم والحديث الشريف والآراء العلمية، كيلا يغتر أحد بما يُقال، أو ينخدع به فيفوز بالخسران المبين في الدنيا والآخرة معاً :
أ- في اللغة العربية:
ينحصر هنا الكلام لغة، في مادتي (عق) و(حسن) فماذا عنهما ؟
أ- عَقَّ: عقّ، شقّ وقطع، والعق كل شقّ وقطع وخرق في الرمل وغيره. وعق عن ولده: ذبح عنه.
وعق والده عقوقاً: عصاه وشق عصا طاعته وقطعه وخالفه واستخف به وترك الإحسان إليه، وهو ضد برّه.
ب- حسن: حسن، والحُسْنُ: الجمال والمَلاحة، ومنه قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً}{أي يفعل بهما ما يحسن حُسْناً}.
وأحسن فعل ماهو حسن، ومنه قوله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم}، والحَسَنُ: الجميل، وكل مبهج مرغوب فيه.
والإحسان: الاستقامة وسلوك الطريق الذي درج عليه السابقون في غير معصية، وهو المراقبة وحسن الطاعة والإخلاص وضد الإساءة، وأن يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له.
هذا في اللغة فماذا في القرآن الكريم والسنّة الشريفة والآراء العلمية ؟!
ب- في القرآن الكريم: قال تعالى :
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
{لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [البقرة: من الآية83].
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء: من الآية36].
{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [الأنعام: من الآية151].
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الاسراء:23-24].
{وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت: من الآية8]
{وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} [لقمان: من الآية15]
{وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً } [ الأحقاف 46 / 15].
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [ محمد 47 / 22 ].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ} [التغابن 64 / 14 ]
جـ - في السُنّة النبوية الشريفة :
- عن ابن مسعود قال: سألت النبي " صلى الله عليه وسلّم " أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أيّ ؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أيّ ؟ قال: الجهاد في سبيل الله ( متفق عليه ).
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله " صلى الله عليه وسلّم " فقال: يارسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟ قال: أمك. قال: ثم من ؟ قال: ثم أبوك. ( متفق عليه ).
- قال أبو بكر: قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم ": ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا: بلى يارسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين. ( متفق عليه ).
- عن أنس " رضي الله عنه " قال: ذكر عند رسول الله " صلى الله عليه وسلّم " الكبائر، فقال: الشرك بالله وعقوق الوالدين. ( متفق عليه ).
- عن عبدالله بن عمرو بن العاص " رضي الله عنهما " عن النبي " صلّى الله عليه وسلَّم " قال: " الكبائر: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغَموس ". ( البخاري ).
- عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي " صلّى الله عليه وسلَّم " قال: لا يدخل الجنة عاق. ( البخاري والنسائي والدارمي ).
- عن أبي الدرداء قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بتسع :..... وأطع والديك، وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما. ( البخاري في الأدب المفرد وابن ماجة في السُنَن والحاكم في المستدرك والتفسير المأمون 2 / 240).
- عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: " رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف ". قيل: مَنْ يارسول الله ؟ قال :" من أدرك أبويه عند الكِبَر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة ".
مسلم 8 /5.
- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم: لا يجزي ولد والده إلاّ أن يجده مملوكاً فيشتريه ويعتقه ". مسلم 4 / 218 وأبو داوود والترمذي والنسائي.
- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مامن مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً إلاّ فتح الله له بابين – يعني من الجنة – وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرضَ الله عنه حتى يرضى عنه، قيل: وإن ظلماه ؟ قال: وإن ظلماه. ( البخاري في الأدب المفرد ).
- قال صلّى الله عليه وسلّم: إن الجنة يوجد ريحها من مسيرة خمس مئة عام، ولا يجد ريحها عاق، ولا قاطع رحم. ( النسائي والبزار والحاكم في المستدرك والزواجر لابن حجر ).
- عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: " ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه.... " ( النسائي ).
- عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" رضى الله في رضى الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين "...
وفي رواية أخرى: " رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد ". ( صححه ابن حبان والحاكم وفي الترمذي، والترغيب والترهيب، وسبل السلام ).
- عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول :" الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ على ذلك الباب إن شئت أودع ". ( صحيح ابن حبان، والمسند وابن ماجة والترمذي والحاكم والطيالسي والترغيب والترهيب ).
- عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: " ثلاثة لا ينفع معهن عمل صالح: الشرك بالله وعقوق الوالدين والفرار من الزحف ". ( الطبراني – الترغيب والترهيب ).
- عن عروة قال: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاسراء: من الآية24] قال: لا تمتنع عن شيء أحباه. ( الأدب المفرد للبخاري ).
[والمقصود: بذل غاية التواضع للوالدين بالقول والفعل ]. ( التفسير المأمون 4/479 – 7 / 281 ).
- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعشر كلمات قال :".... ولا تعقنَّ والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك ". ( المسند 5 / 228 ) – عن أبي هريرة قال: " طاعة الله طاعة الوالد، ومعصية الله معصية الوالد ". ( الطبراني – الترغيب والترهيب ).
د- الآراء العلمية:
- بر الوالدين أفضل من الصلاة ( النافلة ) والصدقة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله. ( إحياء علوم الدين ).
- سئل كعب الأحبار عن عقوق الوالدين ما هو ؟ قال: إذا أقسم عليه أبوه أو أمه لم يبرَّ قسمه، وإذا أمره بأمر لم يطعه، وإذا ائتمنه خانه. ( الرواجز لابن حجر 2 / 58 ).
- سئل الحسن رضي الله عنه عن بر الوالدين فقال: أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية. ( الترغيب والترهيب ).
- قال ابن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاث، لم تقبل واحدة بغير قرينتها. إحداهما... والثالثة قوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}. [ لقمان 31 / 14 ] فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه. ( سعادة الدارين ).
- وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]، قرن وصيته لابنه إفراد الله تعالى بالعبادة والتعظيم بالبر والإحسان للوالدين، فإن طاعة الوالدين في البر تأتي بعد طاعة رب العالمين.
قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:9]
في الآية فائدة جليلة، فإنه تعالى عطف العمل الصالح على بر الوالدين، وكأن المقصود أن أفضل ذلك العمل بعد الإيمان بالله تعالى هو مباشرة رضى الوالدين، فهو طريق السعادة في الدارين.
( التفسير المأمون 5/668 ).
ومما سبق ومن التفكير في الآيات الكريمة السابقة يتبين :
أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين خمس مرات، ولكنه لم يأمر الآباء بالإحسان إلى الأولاد مطلقاً، لأن الآباء مفطورون على محبة أولادهم والتضحية من أجلهم.
وقد أمر مرة واحدة بالحسن إليهما، وبمصاحبتهما بمعروف، وخفض جناح الذل لهما رحمة بهما، وبمخاطبتهما بالقول الكريم والشكر لهما.
كما حذّر الآباء من عداوة الأولاد لهما ومن إفسادهم في الأرض وتقطيعهم الأرحام.. ووضحت الآيات الكريمة في موضعين اثنين مجال عدم الطاعة للوالدين في حال واحدة فحسب، وهي عند أمرهما ولدهما بالشرك، وأما غير ذلك من الأمور فليس للولد مخالفتهما فيما يرغبان من برهما عملاً بأمر الله تعالى بمصاحبتهما بمعروف، والتوجه إليهما بالقول الكريم، وطلب الرحمة لهما كفاء تربيتهما له صغيراً، وبخفض جناح الذل لهما رحمة بهما، ولو كانا غير مسلمين، فكيف بهما إن كانا من المسلمين.
وجاء في الآيات تحذير للآباء من الأولاد، وفي هذا تعزية لكل أب يعقّه بنوه أو أحدهم. وكذلك فقد ورد النهي عن الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام، وهل هناك أقسى من تقطيع الأرحام بين الآباء والأبناء، وهل هنالك ذبح آلم للأب من عدم طاعة ابنه له ومخالفته رغبته أياً كانت في غير معصية ؟!
وأما الأحاديث الشريفة فهي تبيّن :
أن من أحب الأعمال إلى الله تعالى بر الوالدين وحسن مصاحبتهما وطاعتهما ولو أمراه أن يخرج من دنياه ومن أهله وماله وإن ظلماه، وأن رضا الله في رضاهما وسخطه في سخطهما، وأن على الولد ألاّ يمتنع عن شيء أحباه، وأن يبذل غاية التواضع لهما بالقول والفعل، وأن من أكبر الكبائر التي تحول بين المرء والجنة عقوق الوالدين.
وأن الولد لا يجزي والده مهما فعل إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه ويعتقه، وأن على الولد أن يعلم أن الوالد أوسط أبواب الجنة، فليحرص على مرضاته، لأن طاعته من طاعة الله وسخطه من سخط المولى تبارك وتعالى.
كما وضح أهل العلم والفضل أن بر الوالدين أفضل من الصلاة النافلة والصدقة والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله تعالى، وأن على الولد أن يبذل لهما ما يملك ويطيعهما فيما يأمرانه به في غير معصية لأن طاعتهما من طاعة الله تعالى مباشرة، ورضاءهما وإن ظلماه أفضل العمل بعد الإيمان بالله تعالى، وهو من رضاء الله تعالى، وطريق السعادة في الدارين. وقد قرن الله تعالى قضاءه بعبادته بالإحسان إليهما، ولم يقبل الشكر له إلاّ مصحوباً بالشكر لهما.
وإني لأتساءل بعد بيان هذا كله، هل من الشكر والحسن والإحسان والقول الكريم وخفض جناح الذل اتباع منهج إبليس في التكبر على الوالد، ومخالفته رغبته في أي أمر حتى لو كان في تسمية حفيده بما يرغب ؟! لقد فقدنا في هذا العصر الروابط الأسرية، ولم نعد نميّز الحق من الباطل بفعل البيئة ووسائل الإعلام وأساليب التربية المنحرفة، ومع هذا كله نريد أن نرتقي ونسود !!
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلاّ أنت، ووفقنا للعمل بما يرضيك. إنك أكرم مسؤول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
دمشق الشام: الثلاثاء 25 ربيع الأنور 1429 هـ - 1 نيسان 2008 م
 

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.