قراءة في كتاب

هل مات التصوف؟

لا تزال هناك العديد من المحاولات العقلية والعلمية الساعية إلى هدم صرح الميتافيزيقا واللامنظور العقلي؛ رغبة في تخليص العقل البشري من أوهام الغيبيات، والأخذ بالأيدي للوقوف على أرض الواقع، وضرورة التخلص من الروح القديمة، وإرساء قواعد التفكير العلمي والحسي التجريبي، فلا حقيقة موضوعية إلا ما يمكن إخضاعه للتجربة والاختبار العقليين.

وانطلاقًا من الرؤية عينها فقد ارتأى العديد من مفكرينا وفلاسفتنا الذين تأثروا بمذاهب التحليليين والمناطقة الوضعيين في الغرب ضرورة تخليص التراث الإسلامي من الفكر الغيبي والميتافيزيقا، ولعل من أشهر الدراسات في هذا الصدد دراسة الدكتور (زكي نحيب محمود) المسماة (خرافة الميتافيزيقا) والتي كان فيها على حد تعبيره كالهرة التي أكلت بنيها.وعلى الرغم من استثناء الميتافيزيقا الدينية من هذا الشأن، إلا أن مؤلفه لقي معارضة شديدة دفعته إلى أن يعيد طباعة مؤلفه تحت مسمى مختلف (موقف من الميتافيزيقا)، وتبعه الكثير من الدراسات في هذا الصدد، لكن القليل منها فقط وعي ضرورة التمييز بين الغث والثمين في ذلك الموروث التراثي الضخم الذي يحمل في طياته الكثير من كلاسيكيات الميتافيزيقا الإسلامية.

والدراسة التي بين أيدينا واحدة من تلك الدراسات التي حاولت وضع حدود للتوجه إلى التفكير الغيبي الذي لا يخضع لمنطق العقل ولا يراعي قوانين الفكر الأساسية، ولا يستند إلى منطق الحجة والبرهان، المؤلف هو الدكتور (هاني يحيى نصري) الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة فوردهام الأمريكية.

والدراسة جزء من حوارية دارت بين الدكتور هاني نصري والأستاذ ندرة يازجي.. نشرت في سلسلة حوارات القرن العشرين التي تصدر عن دار الفكر بدمشق تحت عنوان "الصوفية ورؤية العالم"، طبعة 2008.

حين قرر باحثنا أن يهدم صرح الميتافيزيقا والفكر الغيبي لم يكن لديه بد – في تصورنا- من أن يبدأ بالتصوف الإسلامي الذي هو معقل الفكر الغيبي في التراث الإسلامي فضلا عن كونه التوجه الديني الأكثر شعبية في مجتمعاتنا الإسلامية.

قرر الباحث أن يتناول التصوف كتجربة إنسانية عامة تتحد أهدافها عند الصوفي الإسلامي والمسيحي والبوذي والبراهمي وحتى الفرعوني القديم، فهي ليست أكثر من نزوع إنساني لمفارقة الواقع والتطلع للامرئي- أما عن تلك الرغبة الدفينة في التوجه إلى اللامرئي فهو ما يفسره لنا تفسيرا علميا يراعي فيه مبادئ علمي النفس والاجتماع الإنساني.

التجريبية وغشاوة الميتافيزيقا

بمعول الفلسفة التجريبية التي ترفض الاعتراف بوجود أي واقعة على نحو حقيقي بمعزل عن الحواس وبدون إمكانية خضوعها للتجربة على نحو ما فعل زكي نجيب محمود في (خرافة الميتافيزيقا) يبدأ الباحث بعرض تاريخي للفلسفة التجريبية منذ هيوم، وكانط ليقرر الحقيقة السالفة بعدم وجود أي حقيقة بمعزل عن التجربة باستثناء المقولات المنطقية والمعارف القبلية التي هي أساس العلوم، وباستثناء وقائع التاريخ التي لا يمكن استدعاؤها لإخضاعها للتجربة.

ويزن الدكتور نصري المعارف الصوفية بميزان الثقافة العصرية فيجدها بعيدة كل البعد عن روح العصر الحديث؛ لذلك يقرر أن التصوف الحقيقي في عصر العلم والتكنولوجيا هو الذي يكون صاحبه قادرا على تقديم التفسيرات العلمية والموضوعية للظواهر الطبيعية والإنسانية بعيدا عن روح الخرافة والتوهم التي عاشوا فيها عصورا متتالية (فإذا كان لكل علم خلفية يجب أن يقف عليها، فلا عمارة من دون خلفية فنية، ولا هندسة من دون خلفية مدنية، ولا طب من دون خلفية فيزيولوجية، ولا فيزياء من دون خلفية كوزمولوجية... فإذا كان الأمر العلمي اليوم كذلك، فلا تصوف من دون خلفية بكل هذه العلوم وبكل الأديان) فلجوء المتصوف إلى التفسيرات الغيبية والباطنية للظواهر الكونية لم يكن سوى نتيجة عجزه عن تقديم تفسيرات علمية وموضوعية للظواهر الكونية، أما وقد تغيرت روح العصر فلابد أن تتغير مفاهيم التصوف وشرائطه وقواعد ممارسته وأهدافه.

ويرى نصري أن من الأسباب التي تؤكد تنافي التصوف بطبيعته مع روح العصر كونه ليس أكثر من مجموعة من التجارب الذاتية التي تعبر عن مجموعة من المشاعر والانفعالات التي يكابدها الصوفي صاحب التجربة، وما يتركه خلفه ليس أكثر من مجموعة من النصوص الغامضة التي يصعب التعرف عليها أو محاولة فك طلاسمها وألغازها وهو ما يعرف بمنهج (الستر عند الصوفية)، وما دام لا يستطيع أن يقدم لنا حقائق موضوعية (أي التصوف) فهو لا يمكن أن يستقيم كعلم له قواعد ومناهج وأهداف.

ومما يبعده عن روح العصر في رأي الدكتور نصري زعم المتصوفة ضرورة التخلص من النفس الإنسانية وشهواتها، وأن المشاهدة لا تكون الا لمن تخلص من نفسه وفنيت عنه بحيث يشاهد الله بعين الله لا بعينه الذاتية، تلويحا لقوله في الحديث القدسي (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها) في الوقت الذي أصبح فيه المسلم في أمس الحاجة إلى إثبات ذاته والانتصار لها في مقابل لغة العصر الرأسمالي والإمبريالي الذي نحياه.

والحق أن كلام نصري ليس دقيقا؛ فمن المتصوفة من رفض فناء الذات الإنسانية ومحوها تماما، ورأوا ضرورة الإبقاء عليها وإثباتها على أن تكون مكبوحة الشهوات، مقيدة الزمام وإلا أوردت صاحبها موارد الهلاك ومن هؤلاء شيخ الصوفية الأكبر (محيي الدين ابن عربي) في مجلده الضخم (الفتوحات المكية)، وكذلك كتابة (روح القدس في مناصحة النفس) والذي تعرض بكثير من النقد لأحوال المتصوفة في زمانه.

التصوف والميستية الغربية

ويقارن الدكتور نصري بين التجارب الروحية في الديانات المختلفة وهى جميعا تنطلق من رغبات مشتركة إما الاستغراق في الخضوع للمطلق أو لإخضاعه من أجل تحقيق فوائد حياتية، وقد أوقعه هذا في شرك مغالطة قديمة تحاول رد عقائد وطقوس صوفية الإسلام إلى العديد من التجارب الصوفية في الشرق والغرب (وبهذا الحدث الذي يوجه الإرادة الفردية نحو الإرادة الجماعية الاجتماعية، ذهبت الاعتقادات الهندية القديمة كل مذهب، ووصلت إلينا مع الإسلام وقبل الإسلام، ووصلنا إليها من كل صوب، وبناء عليه لا أستطيع أن أقر أن التصوف الإسلامي وليد الرهبنة المسيحية وحدها).

اللافت أن نصري أشار إلى أن التصوف الإسلامي تأثر بالميستية المسيحية (والميستية هي النزعة العبودية للمطلق وإقامة النفس له مع وجود ضابط اجتماعي وكهنوتي لا يسمح للعابد بادعاء التوحد مع المعبود).

ويضع نصري تمييزا بين التصوف الإسلامي والمسيحي معتبرا أن السلطة الكهنوتية في المسيحية حالت دون ادعاء أحد من المتصوفة الغربيين الألوهيةَ أو التوحد مع الإله أو ما يعبر عنه في الثقافة الإسلامية بالحلول والاتحاد، ويقارن بين اصطلاح القديس في التصوف المسيحي والولي أو العارف في التصوف الإسلامي، فالأول محدود المعنى، بينما الثاني متسع باتساع اللغة وبقدرات منهج التأويل الذي ينتهجه المتصوفة.

وهنا نجد الباحث قد غض الطرف عن وحدة التجربة الروحية الإنسانية، وأن للعلاقة الروحية طرفين ناسوت نازع نحو السماء، ولاهوت هو الغاية لكل السالكين، فإذا فرقتهم العقيدة فقد تجمعهم ثمرة التجربة الروحية، وبالتالي من الممكن أن يتحدثوا جميعا -مسلمون وغيرهم- عن وحدة الوجود أو وحدة الشهود أو وحدة الأديان.

ويفسر نصري ما يمر به المتصوفة في تجاربهم من مطالعات ومكاشفات غيبية تفسيرا سيكولوجيا، فهم جميعًا يعانون فصاما ذهنيا ورغبتهم الدائمة في اكتشاف المطلق ومطالعة الغيب تودي بهم إلى مثل تلك الهلوسات، والحق أن في مثل هذه الأحكام كثير من التعسف وليس من اليسير أن يقام عليها دليل وفيه إغفال وتجاهل لدور المتصوفة في التاريخ الإسلامي إلى الحد الذي يجعل منهم مجموعة من المجانين والمجاذيب والمختلين عقليا.

يعتبر نصري المعرفة الصوفية هدفا في ذاتها وغاية ترجى للصوفي السالك، والحقيقة أن المعرفة عند المريد صادق التوجه تأخذ شكلا من اثنين: فهي إما منحة إلهية ومكافأة ربانية تضيء له معالم الطريق وتشعره بثمرة الاجتهاد، وإما فتنة تلقي به خارجه.

الصوفية والنبوة

يبدأ نصري بالتساؤل: إذا كانت هذه المعارف والأسرار تتحصل لكل البشر عن طريق المجاهدات الصوفية فلما كانت النبوة؟ ويرى أن التساؤل السابق هو سبب الحساسية الدائمة بين المتصوفين والفقهاء أو بين المتشرعين والمتحققين، ويجعل الفارق الأساسي والجوهري بين كليهما أن النبي قد تحققت له مرتبته وتحصلت له معرفته دونما جهد وإنما دُعي للاتصال بالمطلق عن طريق الوحي، لذا يقرر أن هذا النوع من المعارف لا يتحقق إلا للأنبياء، ويحتج باستشهادات لأمثال (البسطامي) "غصت في بحر المعارف حتى بلغت بحر محمد صلى الله علية وسلم، فرأيت بيني وبينه ألف مقام"؛ لذلك يثنى على الأديان التي لا تسمح لمنتسبيها باكتساب مثل تلك القداسات المكتسبة من قداسة تلك العلوم الإلهية التي يدعون تحصيلها وفي نظره أن كل دين يدعي إمكان هذا الإعجاز للقديسين أيضا لا للأنبياء وحدهم يستحق هجوم أمثال ديفيد هيوم.

وقد يكون للدكتور نصري الحق في إيضاح مثل ذلك الفرق الشاسع بين التجربتين لكن الحق الذي واتاه في الأولى يفارقه حين يحاول اكتشاف مدلولاته لعدة أسباب، أولها لأن للولاية عند الصوفية طريقين، وذلك مصداقا لقولة تعالى: (الله يجتبي من يشاء ويهدي إليه من ينيب) فهناك أولياء اجتباء أي اختيار ويندرج تحت هذا الأنبياء؛ لأن النبوة تحمل في طياتها الولاية، فللنبي الولاية والنبوة في حين أن للولي الولاية فقط.وهناك أولياء إنابة وهم الذين من الله عليهم بالولاية مكافأة لإخلاصهم وتجردهم له، وبذلك لم يغلق سبحانه باب الاجتهاد في وجه المتطلعين إليه.

والحديث عن الفروق العملية بين النبوة والولاية مبحث طالما أفاضت فيه كتابات المتصوفة حتى المبكرة منها مثل الحكيم الترمذي في كتابه (ختم الأولياء) وابن عربي في (الفتوحات المكية) وليس من بينها من يدعي الوقوف على نفس القدم مع الأنبياء، وإنما هم في أفضل الأحوال ورثة لأنبياء الله عليهم السلام.

قد نتفق مع الدكتور يحيى نصري في رغبته في تحول مسار العقل الإسلامي من التفكير في المفارقات والغيبيات والحياة الروحية إلى منطق التفكير العلمي والتجريبي، ونؤمن معه بأنه ليس هناك خصائص دائمة للشعوب، فليس الشرق روحيا مثاليا دائما، ولا الغرب ماديا علميا دائما، كما بدا للدكتور زكي نجيب محمود (الشرق الفنان، والغرب العالم).. وإنما يمكن التحول في منطق التفكير بما يخدم روح العصر السائدة، لكننا لا نوافقه في محاولة اجتثاث علم من العلوم التي شكلت تاريخ الثقافة الإسلامية على مدار ألف عام ولأصحابه كم هائل من المؤلفات التي تمثل كلاسيكيات الثقافة الإسلامية على مستوى مختلف العلوم، بل الأولى بنا إعادة صياغته وهيكلته دون أن ننال من كيانه كعلم لم نكن مبدعيه ولا المسئولين عن إنتاجه

بلال مؤمن 

نشر في موقع ( مدارك)  

3/11/2009

 

 

إضافة تعليق

9 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.