قراءة في كتاب "آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية"

هذا الكتاب حوارية فكرية بين مفكرين عربيين، تتناول في بحثين منفصلين، قضية الإبداع وتثير أسئلة كثيرة حول معنى الإبداع وآلياته واتجاهاته ومعاييره وحدوده، واسئلة تتشعب من أسئلة، تنبثق كلها من السؤال الأكبر: ما هو الإبداع؟: البحث الأول للدكتور حسام الخطيب حول «مرجعية النص الأدبي وأفقها في عصر المعلوماتية» قدم فيه استعراضاً تاريخياً حول المرجعية الأدبية للنص حتى وصل الى الوقت الحاضر، كما ركز على المتغيرات التي ألمت بالنص الأدبي في عصر المعلوماتية والنص المفرع Hypertext ونظرياته المعاصرة في الفن والعلوم الإنسانية والنقد الأدبي قائلاً: إن الدخول المتسارع للمعلوماتية الحاسوبية في مجال التنطير الأدبي والنقد والإبداع يبشر أو ينذر بتطورات كبيرة الشأن في فهمنا للظاهرة الأدبية ومقدرتنا على تجسيد هذا الفهم ونقله الى مستوى الواقع الافتراضي وفي ذلك يقول: «جورج لاندو»: إن التوازنات بين النص المفرع الحاسوبي والنظرية النقدية تثير الانتباه من عدة نواحٍ، ربما كان أهمها ان النظرية النقدية تحمل علائم التنظير للنص المفرع، وبالمقابل يحمل النص المفرع علائم تجسيد النظرية الأدبية ولا سيما ما يتصل منها بالنصية والسردية وأدوار القارئ والكاتب ووظائفهما. 

وباستخدام النص المفرع سيحظى المنظرون بمختبر لتفحص أفكارهم. إن تجربة قراءة النص المفرع أو القراءة من خلاله كفيلة ان توضح أشد الوضوح عدداً من أهم أبرز أفكار النظرية الأدبية، وكما يشير «ج. ديفيد بولتر» في أثناء ايضاحه لمدى تجسيد النصية المفرعة لمفهوم ما بعد البنيوية عن النص المفتوح : ما يبدو غير طبيعي في الطباعة يصبح طبيعياً في الوسيط الإلكتروني، ولن يحتمل في القريب العاجل أي نقاش، لأنه سيكون ماثلاً للعيان.. ومن أجل بيان خطورة الموضوع وتعدد احتمالاته وأهمية الأسئلة والمسائل والملابسات التي ينتظر ان تبرز في المستقبل القريب كما يرى «الخطيب» فقد قدم مقارنة عينية توضح الفروق الأساسية بين النص السطري المعتاد والنص الالكتروني المفرع Hypertext وعلاقة ذلك بأفكار النظرية الأدبية المعاصرة وتوسيع دائرة مشاطرة المشاركة في تصور المرجعية. ويختم دراسته متسائلاً: هل ستكون هناك أصلاً مرجعية ما للنص الأدبي في خضم التطورات المقبلة؟ وإذ تُفقد المرجعية من النص او تتقزم، هل تبقى ما هية النص على حالها الذي عرفته البشرية منذ أقدم الأزمان ام سيتوالد مخلوق أدبي جديد يواكب الفضاء المغزو ونظام الجينات المنتهكة أسرارها؟ هل من المستبعد في هذه الحالة ان تستطيع التكنولوجيا الذكية توليد حل لمعضلة المرجعية عجزت عنه حتى الآن النظرية والايديولوجيا؟ وهل يجوز أن تبقى المؤسسة الأدبية قابعة في حصونها المنزوية وبروجها المشيدة والنار من حولها في غلواء تأججها؟.
أما البحث الثاني في هذه الحوارية فقد جاء بعنوان «آفاق الإبداع والحرية في عصر المعلوماتية» وهو دراسة تنطلق من منظور فلسفي وجمالي، يتبع فيه الدكتور «رمضان بسطاويسي» اربع مسائل أساسية هي: الحرية والإبداع والجمال والحداثة، وذلك من خلال المحاور الاربعة التالية: الحرية والإبداع، عناصر التسلط التي تعوق الإبداع، الخبرة الجمالية في الإبداع والتلقي، جماليات الفن بين الحداثة وما بعد الحداثة. ومن خلال استعراض الدراسة للاتجاهات المختلفة في تفسير خبرة المبدع من سايكولوجية وفلسفية ولاهوتية وجمالية، يتبين انها تؤثر التركيز على منظور علم الجمال المعاصر، وهنا ينتقل الكلام بالضرورة الى الحداثة بوصفها نمطاً في التفكير وأسلوباً في الحياة وتحرراً مما هو سائد. وتميل الدراسة الى إلقاء الضوء على الاتجاه الاجتماعي في التفسيرات الحداثية.
وحول «جماليات الفن بين الحداثة وما بعد الحداثة» يستخلص الباحث القيم الجمالية الجديدة التي حملتها الحداثة، التي تكاد تكون مضادة للقيم الجمالية التقليدية. ثم تنتقل الدراسة الى الحديث عن التقنيات الحاسوبية والسمعية البصرية والإنترنت، وهي تشير الى ان موضوع العمل الفني أصبح كامناً في العلاقات الداخلية للوسيط الجمالي المستخدم، ويخلص الباحث الى القول: ان مرجعية العمل الفني تتركز في علاقاته الداخلية وفي إمكانات تأويله وليس في دلالته القاطعة. ويختتم دراسته بمحاولة التفريق بين الحداثة وما بعد الحداثة، حيث يشير الى انهما اتجاهان مختلفان، ولكن كل منهما يكمل الآخر من خلال التعارض معه، ونظراً لتعقيدات الموضوع، ينهي الباحث دراسته بتلخيصين: الأول: قائمة عوامل تبين سبب غموض الحداثة وتعلله من خلال منطق الموافقة. والثاني مقارنة مركزة بين جماليات الحداثة وما بعد الحداثة.

اسم الكتاب : آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية ( حوارات لقرن جديد)

المؤلفان “ د . حسام الخطيب ـ د . رمضان بسطاويسي محمد

 الناشر : دار الفكر ـ دمشق 

 

إضافة تعليق

10 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.