قراءة في كتاب (الأنا والآخر من منظور قرآني )

هل القرآن غير متسامح

عبد الله الطحاوي

هل الدراسات القرآنية تحتاج بشكل جدي إلى تفادي المنهج الاعتذاري، وأن تتجه نحو المبادرة أكثر لكشف طاقاته التأويلية الإنسانية، وأن تكون تلك الدارسات أكثر جدية في مواجهة الاتهامات التي توجه للقرآن بحسبانه نصا غير متسامح ومناهضا للتعددية ومكرسا للعنف.

الدكتور السيد عمر، أستاذ العلوم السياسية وأحد الكاتبين المهتمين بتطوير منظورات الدراسات الحضارية كأحد مدخلات المعرفة المعاصرة، حاول في دراسة معنية برسم خطوط عريضة للرؤية الكونية الإسلامية "للأنا والآخر في المنظور القرآنيوهو عنوان كتابه الذي حاول فيه تقديم رؤية كلية تستدعي "الأنا والآخروالعبرة المعرفية من تفاعلاتهما القرآنية، الدراسة نموذج استقرائي لرصد حالات التعايش والقبول والتسامح التي يتسع لها فضاءات النص القرآني.

لكن تبقى مجموعة من التساؤلات المركزية لابد من طرحها في هذا الشأن، منها:

- هل تقدم الرؤية القرآنية بديلا من أسر الثنائيات المفتعلة التي أفرزتها الكونية الغربية؟

- هل يمكن أن تحدث "سنة الاستبدال" تحولا نوعيا في نمط الحياة على الأرض؟

- هل تقدم الرؤية الكلية الإسلامية تصورا للتكامل بين شتى طرق التفكير وشتى أنماط الحياة؟ وما مدى ضرورة البديل الإسلامي وما هي شروط تفعيله؟

الجملة الواحدة

المنهجية التي تقود مسيرة الكاتب في الكتاب هي محاولاته توظيف تقنيات التحليل الاستقرائي داخل السياق القرآني، حيث يتعامل مع القرآن بوصفه "الجملة الواحدة" أو "الكلمة الواحدة" أو "نجما واحدا" بتعبير الشيخ عبد الله دراز، وهي منهاجية تتجاوز "الرؤية العضين" التي تجزئ القرآن، وتسعى نحو استخلاص السنن السياسية اللازمانية واللامكانية الضابطة لكافة أبعاد العلاقات داخل "الأنا والآخر" وفيما بينهما، ومهمة الكاتب اكتشاف "الأنا / والآخر " كمفهوم يشكل وحدة لغوية لا ينكشف معناها إلا في سياقها.

والسياق قد يكون واحدا من أربعة: لغوي، عاطفي، موقفي، ثقافي، والدراسة تتعامل مع المفهوم في ظل السياق القرآني، في إطار الوحدات الدلالية ذات الصلة به، والتي لا يمكن وصفه وتحديده بمعزل عنها، وهي "الله، والكون، والإنسان" كما جاءت في القرآن.

وفي ضوء ذلك يمكن التمييز بين المنطلق المادي المعرفي الوضعي، وبين المنطلق التوحيدي بحسبانه العاصم من الوقوع في فخ الأطر الواقعية الاختزالية المثقلة ببذور صراع الثنائيات المستقطبة.

كما تنبهت منهجية الكاتب التي التزمت كلمة التوحيد كمنهج ورؤية، أن تلتزم التعريفات والتفسيرات المناسبة لهذا النموذج وتتحاشى الاقترابات الوضعية وتعريفاتها التي كرستها لمفاهيم مثل: "الدين" و "السياسة" و "العقلانية" و "الحقهذا الالتزام يمكن تلمسه في كافة أركان الدراسة وعلى صعد متباينة تحاول استبطان وامتثال القرآن روحا ونصا.

الرؤية القرآنية للأنا والآخر

تحليل العلاقة بين الأنا والآخر في المنظور القرآني يستوجب تحديد الرؤية الكونية الإسلامية التي يمكن من خلالها تحديد هذين المحورين؛ لذا بدأ عمر في استعراض ركائز المنظور الإسلامي، واختار التوحيد بحسبانه الناظم الأعلى الذي يشكل الرؤية الكلية للوجود واقعا وزمنا ومكانا ومصيرا، الأمر الذي يدفع لتعيين المغايرة الكاملة للخالق عن المخلوقات، وتأكيد مقدرة الإنسان على التعرف على الإرادة الإلهية بالقدر اللازم لخلافته في الأرض.

وناقش الكاتب ضمن الرؤية التوحيدية فكرة غائية الكون، فـ"الوجود لم يخلق عبثا، ولا مجال فيه للمصادفة، وكل شيء فيه خلق بقدر لأداء دور محددو "ثمة أمور تقع على غير ما عرف الناس من العلل والأسباب".

وتكتمل ركائز الرؤية بقراءة المضامين المؤسسة على التوحيد التي تتآلف من الآخرية والواحدية المطلقة له سبحانه، والتسوية بين كافة المخلوقات في النسبية، والعهد الإلهي ومواثيقه وتكليفاته وتعاقداته وفق علاقات الإحسان أو العقوق، والدفع باتجاه التواصل بين الإنسان ومحيطه الكوني والبشري من خلال منظومة النصيحة كأساس للتفاعل الإنساني.

الأمة القطب

يرى عمر أن "الأمة المسلمة ذات طابع عالمي جامع، وتؤهلها هويتها أن تكون قطبا ناظما جامعا للبشرية كلها عبر الزمان والمكانومن أهم سماتها مع ذاتها ومع الآخر أنها أمة أمية، بمعنى أنها قريبة من الفطرة أو الحنيفية السمحة، وأنها مفتوحة ومن حق أي إنسان أن يكون عضوا فيها، وترفض التمركز على العرق، وذات رسالة تحقق إرادة الله في الأرض عن إرادة حرة.

ويؤكد الكاتب أن الأمة الإسلامية بحسبانها أمة الخلافة التي أخرجت للناس فإن شبكة علاقاتها البينية تتميز بخصائص، منها: إجماع الرؤية، وهو إجماع اجتهادي يتأسس على جوهر القيم المعبرة عن الإرادة الإلهية والسنن الكونية ذات العلاقة بها.

وإجماع الإرادة، ومقصود بها أن تكون إرادة الأمة موافقة لإرادة الله، وإجماع العمل الصالح بوصفه جماع الرؤيتين ومجسدا لها، ثم استعادة التوازن في الرؤية الإنسانية للمادي والروحي، وبالتالي يكون الدين ناظما للذات والآخر.

الأنا والآخر

أما في أنماط العلاقة بين الأنا والآخر، فنجد الكاتب يضع التكليف الإلهي على فكرة الحرية التوحيدية المسئولة، وهو ما يعني تعدد أنماط العلاقة بين كل "أنا إنساني" وأواخره "الآخروهذا التعدد يرصده على مستوى تعدد النظر والرؤى للكون، وتمثل كل رؤية من جهة المؤمنين بها داخل سعة من الاختلاف والتعدد وكثافة في الرؤية، يقول عمر: " لدينا متصل علاقي ذاتي يخص كل أصحاب رؤية كونية، تمثل نقطة الوسط فيه درجة من الاستواء، والتحرك في أي اتجاه يعني إما درجة من الإفراط أو التفريط في تمثلها".

والالتزام بالمنهج الإلهي برأي الكاتب يجعل صلتهم بالوجود كلها متفرعة من صلتهم بالله "تعالىفداخل "الأنا الإسلامي" يمكن التمييز بين: المخلصين، والمخلصين، والظالمين لأنفسهم، والمقتصدين، والمنافقين.

وفي داخل أمة الإجابةيضيف - "نجد نمطا اختار الإيمان بما أنزل إليهم، والكفر بما وراءه، ويمثله النمط العلاقي الإسرائيلي، وهذا النمط يشكل متصلا في علاقته بأمة الدعوة يتوسطه المحايدون، وعلى طرف منه المعاهدون، وعلى الطرف الآخر منه الساعون لإخراج المؤمنين من ديارهم وفتنتهم في دينهم".

بل داخل أمة الإجابة نجد نماذج فردية للصلاح كما هو شأن مؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، بل داخل النموذج القاروني نلحظ - بحسب الكاتب - انقسام أمة الإجابة بين علماء يحذرون ورجال يريدون الحياة الدنيا، وأن نموذجا مثل السامري يسعى إلى الإفساد ويعمل في مواجهة فريقين؛ فريق يمثل غاية الاستقامة، وفريق يمثل أعلى درجات القابلية للانحراف.

أنماط السواء والانحراف

ومن ثم فإن المتصل العلاقي الإنساني في الرؤية الإسلامية قد يضم من هو في غاية الصلاح، وقد يضم فريقا يدعي الصلاح والإحسان والتوفيق، ولكنه في واقعه يتصف بالغرور والفخر والبخل وتحريف الكلم عن مواضعه.. إلخ، وفي ضوء ذلك يمكن الإشارة إلى نمطين من العلاقات، وهما سوي ومنحرف بين الأنا والآخر.

ثم يبدأ السيد عمر في شرح أنماط هذه العلاقات مستفتحا بمتصل "الأنا المسلم" حيث نمط الأسوة الحسنة، حيث يشكل الأنبياء والمرسلون - في المنظور القرآني - "أنا جميعا" بمثابة الشخص الواحد، ومن أهم كليات علاقة "الأنا الجمعي النبوي" من منطلق الدور تجاه "الآخر الإنساني" عبر محورين، هما:

الأول: تزكية البشر بحسبان أن تزكية الأنبياء والمرسلين وتحقيق إنسانية الإنسان وتجديد علاقة الإنسان بينه وبين ربه والكون المحيط هو أساس الرسالة، وتأكيد الرسل على بشريتهم، وتأكيدهم ضرورة استحضار ملكة المسئولية، فهم لا يغنون عن أحد من الله شيئا، مع التنبيه على حق أمة الدعوة في الدعوة وألا يعترض أحد طريقها، وضمانة الحرية الدينية لمن يقبل مختارا الانضواء لمنهج الله، وتفعيل مثلث التحرير والتحرر والحرية.

الثاني:الأسوة الحسنة لأمة الإجابة، حيث تبيين الصراط المستقيم، وإرشادهم إلى منهج من تقدمهم من الأنبياء والصالحين وتجسيد أخلاقيات الاعتصام بحبل الله كعلاقة تراحم، ومن أهم المبادئ القرآنية لتحويل الاعتصام من مبدأ إلى نظام هو تكوين الأمة الداعية إلى الخير، والسعي لحيازة أسباب القدرة على تنفيذ التكليفات، والتأسي بالنبيين في التخلق بنصيب من أسماء الله الحسنى، والوسطية؛ لأنها الصفة التي كلف الله الأمة بالسعي على تحققها، والاستبشار بصلاح الإخوان وسعادتهم بحسبان صلاحهم عمقا يحقق صلاحهم، والكرم والتواضع في الأرض.

وداخل شجرة الأسوة يفرع عليها الكاتب، حيث الدخول في السلم كافة، ومن موجباته البر والتقوى والإصلاح بين الناس، والسعي للوحدة والتآلف الإنساني بأوسع معانيهما، وحسن الجوار للمخالف في الدين المسالم، والثبات والعزيمة والثقة بحسن العاقبة، وهلاك الظالمين رغم قدرتهم المادية، والتمكين للمستضعفين، والتعارف وتلمس العبرة من الهدي النبوي والسير في الأرض وفق منهج معرفي إلهي، وسمو حب الله تعالى على حب أي شيء آخر.

أما الجزء الثاني من نمط علاقات "الأنا المسلم": هو نمط المجتمع الإسلامي:

حيث يرى الكاتب أن شبكة العلاقات داخل المجتمع المسلم تمثل فيه نقطة الوسطية حالة الاستقامة المتطابقة مع نموذج الأسوة الحسنة متصلا يمتد بين اتجاهيه انحرافا بالتفريط أو انحرافا بالإفراط، ويرصد الكاتب مؤشر نسق التفاعلية في المجتمع الإسلامي التي يخضع لها "الأنا المسلم" الجمعي، والذي ينقسم بدوره إلى محسنين وحنفاء حاكمين بما أنزل الله، ومبيتين ما لا يرضي الله من القول، ومتناجين بالإثم والعدوان، ومختانين بالإثم والعدوان، ومنافقين من سماتهم الخداع والرياء.

والمؤشر الثاني هو الموقف من القرآن رسوخا في العلم يردون المحكم للمتشابه، أو زيغا في البصيرة يتبعون المتشابه، ومؤشر العلاقة الأسرية: أزواجا وزوجات صالحين وصالحات وهو ما تجمعه الآية (35) من سورة "الأحزابومؤشر الجهاد بتصنيفاته القرآنية ومؤشر الموقف من الرسالات السماوية، حيث ينقسم البشر بين صنفين، كافرين حقا والداعين إلى الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه.

ويعتبر الكاتب أن النمط المناظر أو المناقض للأنا المسلم الجمعي هو نمط السائرين في الأرض بعمى في القلوب، وسير المعاجز في آيات الله، الذي يكد ليس من أجل الوصول إلى الحقيقة، وإنما من أجل فرض نموذجه وتعجيز من يدعوه إلى الإيمان، ومن أهم المعالم داخل هذا النموذج إساءة استخدامه للحرية التكليفية، وتشتمل الظلم والتعاون على الإثم والعدوان، وبخس الناس أشياءهم، الابتلاء بالطاعات والعجب بها والمعاصي وعدم التوبة منها، والإخلاد إلى الأرض، والإلحاد في أسمائه، والركون إلى الاستدراج والإملاء الإلهيين، وقلب المفاهيم، والقيادات الضالة المضلة.

ثم يطرح النموذج " الفرعوني" و "الإسرائيلي" كتطبيقين لفهم نماذج الانحراف، مثل النموذج الفرعوني الذي اتخذ الناظم القومي مبررا لاضطهاد أقلية وافدة حافظت على هويتها الطائفية ولم تذب في المجتمع المصري، ومن أهم سمات العلاقة الفرعونية مع قوم موسى الاستكبار في الأرض بغير الحق، واستضعاف الآخر، ونسبة كل خير "للأنا" وكل شر إلى "الآخر".

ثم طرح النموذج الإسرائيلي، ويرى أن القرآن حدد العلاقة التي ينبغي أن يقيمها الأنا المسلم في مواجهة هذا النموذج الإسرائيلي، مثل الوعي بزيف كونهم أسمى من بقية البشر، والحذر من محاكاتهم، ومواصلة دعوتهم إلى الله وإلى كلمة سواء.




نشر في موقع ( اسلام اون لاين ) في 5/4/2009

إضافة تعليق

10 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.