قراءة في كتاب: الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن

أثار الإرهاب جدلاً تخطى ما أثاره غيره من موضوعات أكثر خطورة وأشد إلحاحاً من أجل الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين ، لم يعد الإرهاب بمعنى الجريمة التي لها عناصر وأركان تميزها عن غيرها من مفاهيم محرمة داخلياً ودولياً ، من حيث إنها استخدامٌ للعنف بصورةٍ غير مشروعة، ضد مصالح محددة في خدمة إيديولوجية معينة ، بل أصبح مفهوماً أعم وأشمل فهو إرهاب سياسي، اقتصادي، اجتماعي، انفصالي ، أيديولوجي وديني . كما أن الإرهاب لم يكن حكراً على فكر معين يمينياً كان أم يسارياً فهو تقنية يمكن لكل ذي مصلحة الاستعانة بها ، وأنه لا ضرورة لأن يكون الإرهاب أيديولوجية لجماعة ما متى تلجأ إليه ، بل يمكن أن يكون فقط أسلوب عمل في مرحلة معينة من وجود هذه الجماعة 

مفهوم قانوني ذو بُعد سياسي :
وتعتبر الدكتورة يازجي أيضاً أن العمل الإرهابي ينفصل عن التقييم الأخلاقي للدافع الذي حض على ارتكابه فقد يكون الإرهابيون من أصحاب الحقوق الأكثر عدالة كما يمكن أن يكونوا أصحاب أفكار متطرفة عمياء ترى أن استمرار وجودها متعلق بالقضاء على الآخرين ، يقدم لنا الواقع الفلسطيني الصهيوني خير مثال فعندما قام الفدائيون الفلسطينيون في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات بخطف الطائرات وخرق قواعد القانون الدولي في هذا المجال فإن توصيف أعمالهم بالإرهابية لم يغير من عدالة قضيتهم .
وقد أوجدت الكاتبة علاقة بين الإرهاب والسياسة فاعتبرت أن الإرهاب جزء من الجرائم السياسية ، فإن للإرهاب قصداً إضافياً يمكن أن نسميه قصداً خاصاً يميزه عن الجرائم العادية ، وهذا القصد هو العامل السياسي والذي لولاه لما وقع الفعل أصلاً .
كما أن هناك علاقة بين الإرهاب الدولي والإرهاب الداخلي حيث كشف العديد من التقارير المقدمة من رجال الأمن والاستخبارات في أوربة أن ما كانت تعانيه بعض الدول من إرهابٍ داخلي كفرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وأسبانيا في السبعينيات والثمانينيات ليس إرهاباً داخلياً فحسب؛ إذ كانت الجماعات الإرهابية تتعاون بعضها مع بعض تعاوناً لوجستياً وعقائدياً ، وهذا التعاون لم يقتصر على جماعاتٍ تحمل الأيديولوجيات نفسها بل هذا التعاون كان قائماً بين جماعاتٍ تحمل أفكاراً سياسية متناقضة تتراوح بين أقصى اليمين وأقصى اليسار لكنها تجتمع على تحقيق هدف محدد ومباشر من خلال بعض العمليات الإرهابية وبذلك يقترب مفهوم الإرهاب الدولي من الإرهاب الداخلي اقتراباً كبيراً.
ذهبت بعض الدول إلى إطلاق صفة الإرهاب على دولٍ أخرى ونعتها بالإرهابية ، وتُعِدّ تقييمها كل عام ليتغير بحسب تطور علاقتها مع هذه الدولة أو تلك سلباً أم إيجاباً ، على أن إعداد مثل هذه القوائم لا يعد دقيقاً أو صحيحاً من الناحية القانونية لأن الإرهاب ليس نظاماً سياسياً ، بل تهمة قد تلحق بدولة أو بأخرى بسبب شيوع المصطلح وكثرة تداوله إلى حد التعميم ، وخاصة في عالم غلبت عليه مصطلحات سياسية شبه موحدة ، فظاهرت الإرهاب قد تظهر في أكثر الدول ديمقراطية ؛ ففرنسا مثلاً كانت قد خطفت طائرة ( بن بلا ) في تشرين الأول 1956م ثم قامت بخطف كارلوس من السودان لتحاكمه في فرنسا ، كما يعد قصف معمل الشفاء للدواء في السودان من قبل الولايات المتحدة عملاً إرهابياً ، وهذه الأمثلة وغيرها ما هي إلا دليل على أن تلك اللوائح التي تعد هنا وهناك تعد وسائل ضغطٍ على الدول المعنية لدفعها للرضوخ لبعض القرارات التي تمليها قوى عظمى أو للعدول عنها لمصلحة هذه الأخيرة .  
فالإرهاب هو مفهوم قانوني ذو بعد سياسي ، وانعدام الرغبة في الوصول إلى تعريف موحد يعكس حقيقة الوضع السياسي العالمي ، إضافة إلى أن المكاسب التي استطاعت الدول الصغيرة أن تحققها في ظل نظام تعدد الأقطاب ، كتعريف العدوان مثلاً ، أصبح الآن أمراً يصعب تحقيقه في ظل سياسة القطب الواحد ، وتظهر الأزمة الأمريكية الأخيرة مدى صحة هذا الاستنتاج فالرغبة الواضحة لدى الولايات المتحدة الأمريكية هي فقط إنشاء تحالف دولي تقود به العالم لخدمة مصالح خاصة بها كانت تخطط لها سابقاً مستفيدة من أعمال إرهابية لم يقم دليل قاطع على ارتكابها من جهة معينة لتشن حرباً حقيقية ضد شعب سقته الحروب منذ أكثر من عشرين عاماً .

صيغة سياسية .. لا مذهب قانوني !
ويبدأ الدكتور شكري بحثه بمحاولة لتأصيل مفهوم الإرهاب ؛ فالإرهاب بوصفه عملاً يولد حالة من الرعب أو الخوف أو الفزع أو الهلع أو التهديد للجمهور : قديمٌ قدمَ التاريخ المكتوب ، ومع ذلك ففي الوقت الحاضر ، وبعد ذيوع الصيت لأعمال إرهابية معينة كثيراً ما ضخمته تم تركيز الانتباه على هذه الظاهرة بحماسة لم يسبق لها مثيل . وباختصار يعود السبب بصورة رئيسية إلى أجهزة الإعلام وكتابات كتّاب معينين مختصين بالإرهاب مما جعلنا نعتقد بأننا نعيش حقبة ( هوس الإرهاب ) تماماً كما كانت أواخر الخمسينيات من القرن حقبة ( هوس الأحلاف ) .
هنالك شكوى عامة ممن انكب حتى الآن على دراسة هذه الظاهرة مفادها أن مصطلحات مثل (الإرهاب) و (الإرهابي) تعاني من الغموض كما تفتقر إلى درجة من اليقين ، فالقول بأن مصطلح الإرهاب ليس له مضمون قانوني محقق أو دقيق أو أنه لا يوجد له تعريف قانوني أو حتى سياسي مقبول بوجه عام هو إقرارٌ بالواقع ، وكان انعدام الموضوعية القانونية سبباً في أن تقدم حكومة الولايات المتحدة تعريفات متنوعة كما كان باعثاً لها على الوقوف في وجه أي تعريف مقبول عموماً على الساحة الدولية . وهكذا فإن غياب اتفاق دولي على الحد الأدنى وقف حائلاً حتى الآن دون تبني تعريف مقبول لمصطلح الإرهاب . وإن مكافحة الإرهاب إنما تستعمل كصيغة سياسية أداة من أدوات السياسة الخارجية فحسب ولا تستعمل أبداً جزءاً من مذهب قانوني .
إن الغموض بين مواقف الدول الغربية ومواقف دول العالم الثالث من موضوع العنف الإرهابي تبلغ درجة كبيرة من العمق والاتساع ، فالإرهاب الفردي في أشكال معينة وعلى أيدي مرتكبين معينين بالنسبة إلى المعسكر الغربي هو وحده الذي يجب مكافحته والتغلب عليه وليس أي شيء آخر ، ونتيجة لذلك فقد تم تقدم أعضاء هذا المعسكر باقتراحات لمكافحة الإرهاب بهذا المعنى ، أما بالنسبة إلى معسكر العالم الثالث ، فإن الإرهاب الذي تشرف عليه الدولة عبر حدود الدول الأخرى ، أو الذي تمارسه بنفسها هو وحده الذي يجب معالجته ومواجهته بالقوة ، وليس أي شيء آخر . فإن من غير المفهوم تركيز الانتباه كله على بعض الرهائن على طائرة مخطوفة مثلاً ، بينما يتم تجاهل الكوارث الواقعة على الأمم التي هي رهائن كلها في جنوب إفريقية وناميبيا ( سابقًا ) وفلسطين والبوسنة ، والعالم المتحضر لا يقدم لمآسي هذه الشعوب سوى الكلمات الجوفاء ، والأذن الصماء ، وأحياناً كلمات رنانة لا تقدم ولا تؤخر ، مثلما حصل من معظم الدول حيال مجزرة ( قانة ) في لبنان 1996م .
وإن ما يستعصي على فهم دول العالم الثالث أكثر حتى من ذلك هو إطلاق اسم ( الإرهاب ) على عمل يائس له دوافع سياسية أو وطنية يقوم به فرد أو مجموعة أفراد ، بينما لا تطلق هذه التسمية على أعمال مماثلة يرتكبها مجرمون يعملون لدوافع ذاتية خاصة ، وعندما تزال الأسباب الكامنة وعندما تطبق الإدانة بعدالة ومساواة فإن الإرهاب سوف يتلاشى من تلقاء نفسه .
ــــــــ

الإرهاب الدولي والنظام العالمي الراهن

سلسلة حوارات لقرن جديد

تأليف: د. أمل يازجي و أ . د محمد عزيز شكري
الناشر : دار الفكر ، دمشق ط1، 2002

 

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.