قراءة في كتاب "الصوفية رؤية للعالم"

الصوفية المفترى عليها .. ليس دفاعا عن التصوف ولكن !

بقلم الكاتب الصحفي والباحث الأكاديمي عثمان الطاهر المجمر طه / لندن (بتصرف)

دراستي المكملة للدكتوراة كانت ولا تزال عن الصوفية والتصوف ولهذا أبذل قصارى جهدي في تتبع هذا البحر الذي لا ساحل له . وقد فرغت قبل مدة من مطالعة كتاب تحت عنوان : (الصوفية رؤية للعالم ) تأليف: ندرة يازجي وهاني يحيى نصري الصادر من دار الفكر دمشق ضمن سلسلة حوارات لقرن جديد.
ولكي أحرضك عزيزي القارئ للتحصيل سوف أقوم بنشر مقدمة من مقدماته وأرد على ما جاء فيها وأترك لك الباقي لكي تتابع بنفسك ما نشر في هذا السفر الهام .
مقدمة :
إن التصديق المطلق كالريبة المطلقة { Scepticism } لا حدود لهما، وكلاهما يستند إلى ما يظنه صاحبه أنه وقائع {   Facts } حقيقية تدعم وجهة نظره فإذا تبين أن هذه الوقائع ليست واقعية تحول الريب إلى تصديق، أو العكس، التصديق إلى ريب ، فالفيلسوف برتراند رسل {   Bertrand Russell} كابن لتقدم العلوم في القرن العشرين، والذي شهد تغييرا هائلا في الوقائع {  Facts  } في الطبيعة، ومع الإنسان ذهب إلى رفض الميتافيزياء ، والدين معا ، وأكد على أن لا معرفة يقينية إلا بالتجريبية الفلسفية ، والتجريب العلمي، لذلك قال: { إن ما يسمى بالفكر - فكرنا - قد بدأ أنه مرتبط بمسارات دماغية تعتمد على التناغم والانسجام فيما بينها بالطريقة ذاتها التي يعتمد بها المسافر على الطرق وسكك الحديد،  فنقص بالإيودين (    Iodine   سيحول أذكى الرجال إلى أهبل، وهكذا ترتبط الظواهر الذهنية كما يبدو بيسنى [  Structure ] مادية لكن الأمر الناقص في مثل هذه التعليلات هو:  أن الوقائع {  Facts    } العلمية حين تتغير لا تثبت على غيرها، ودون السؤال وإلحاحه على الذهن تجاه حدود أي واقعة مقنعة جديدة لا يخصب مفهومنا عن الوقائع، وتطبيق هذا على رأى راسل السابق نسأل : أين دماغ - ذهن - النبات المتسلق الذي يأمر كل جسد النبتة بالاتجاه نحو النور من جهة ونحو الأشجار المجاورة لتعلق عناقيد عنبها عليها من جهة ثانية ؟ ومن دلها على الأشجار المجاورة،  وعلى جهة الضوء الشمسي الأفضل ؟!  فإذا كان التفاعل البيوكيميائي في { اليخضور } يفعل كل هذا فلماذا نريد أن نحصر الفكر في الدماغ الإنساني فقط ؟ لم لا يكون اليخضور {  clorophyll} عقلا ؟
أقول هذا لا لكي أذهب بعيدا في حوار مع التجريبية الفلسفية، بل لأؤكد للقارئ فقط أمرين: الأول هو أن تغير الوقائع المنطقية – العلمية  - يغير القناعات.  
والثاني: وهو أن الإنسان إذا ما تحول من الريب إلى التصديق بناءا على واقعة أو وقائع صحيحة الآن أو إذا تحول من التصديق إلى ريب مطلق يتعصب لموقفه الجديد أو القديم بتمسكه بالوقائع الجديدة أو القديمة التي بها إقتنع يصبح دوغمائيا متشبثا بمعتقدات زائلة .
وعلى هذا الأساس دخلت المعتقدات القديمة في الدين الإسلامي لتشكل ما سمى بعد ذلك ) بالتصوف الإسلامي( وهى كما سنرى مبنية على وقائع {   facts} تدمرها
أبسط الملاحظات العلمية اليوم، أو تهز ما لم تدمره منها هزا عنيفا !
على ألا تعمينا هذه النتيجة عن رؤية هذه المحاولة الإنسانية الضخمة التي تحركها كما تحرك نقيضها المنطق العلمي – إرادة الإنسان من أجل التواصل مع المطلق واللامرئى بكل السبل حتى { رسل }  الذي يسمى نفسه لا أدريا { ِ  Agnostic  } بكل زخم إلحاد اللا أدريه يقر بأنه [ محال علينا أن نقرر أن السلوك الصحيح الذي يجب علينا إتباعه ... مادام كل السلوك الإنساني بنبع من الرغبات { الإرادة } ] .
إن إرادة الإنسان تحفزه على البحث عن اللا منظور ، وأن يشغف بالمطلق لذلك يسخر كل طاقاته ، وقدراته لا من أجل هذا البحث فرديا ، بل من خلال من يظنهم قد وصلوا إلى نتائج أفضل مما وصل إليه .
وبهذا الحدس الذي يوجه الإرادة الفردية نحو الإرادة الجماعية الاجتماعية، ذهبت الإعتقادات الهندية القديمة كل مذهب، ووصلت إلينا مع الإسلام، وقبل الإسلام ووصلنا إليها من كل صوب .
وبناءا عليه لا أستطيع – كما سيرى القارئ – أن أقر أن التصوف الإسلامي، وليد الرهبانية المسيحية وحدها فما ذكره { الغزالي } أن [ عيسى عليه السلام كان يلبس الصوف، والشعر، ويأكل من الشجر ، ويبيت حيث يمسي ] ، وأن الحسن البصري { رضي الله عنه } قال"  : لقد أدركت سبعين بدريا كان لباسهم الصوف " فهذا لايعدو كونه زهدا !
أما قول { ماسنيون } : إن { الحلاج } رجل متصوف روحاني، وإن فوارق الأديان لا يحسب لها حساب فى حالته ، فيجب أن يؤخذ بمعناه الواسع لا بمعنى تأثره بالمسيحية فقط رغم بروز هذا التأثر بشكل واضح كما سبق ، وأشرنا خاصة { أن المسيتية المسيحية    Mysticism لا تسمح من خلال الكنيسة بالقداسة أن تتجاوز حدودها نحو التأله ، وبعبارة ثانية ضبطت الكنيسة المسيحية الشطح الصوفي كمؤسسة دينية إرجاعية يجب أن يرجع إليها كل مسيحي حتى تعترف بإقراره الكنسي – ضبطت الشطح بلقب : { القديس } بدل ) أنا هو ( ، و { ما فى جبتي غير الحق } و { الحق أنا} إلخ من حلول إلهي بالبشر يدعيه التصوف الذي يصر على أن يسمى إسلاميا لعدم وجود مؤسسة في الإسلام كالكنيسة تحدد حدود الهرطقة .
نحن إذن بحاجة إلى أن نلقى نظرة سريعة على الأثر الهندي في التصوف قبل أن نبحث عن الأثر المسيحي الميستي {  Mystic } فيه مع اضطرار أن تسميته بالإسلامي ما دام أصحابه يدعون أنهم مسلمون من المنطلق الإسلامي إلى لا يجوز فيه تكفير أحد بدعي الإسلام مهما بدأ إدعاؤه باطلا سماحة لا تجدها إلا في الدين الإسلامي الحنيف إلى حد أن { الغزالي } حين نقل عن جعفر الصادق أنه حين { خر مغشيا عليه وهو في الصلاة فسئل عن ذلك فقال: مازلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها } لم يبد أي استغراب لهذا الخروج من التوحيد الإسلامي ونهاية النبوة مع محمد صلعم بل برز ذلك بقوله: { فالصوفي لما لاح له نور ناصية التوحيد ... يرى لسانه أو لسان غيره فى التلاوة كشجرة موسى عليه السلام .. إلخ } فاتحا بذلك بابا للأولياء أوسع من كل أبواب الأنبياء، فمحمد صلعم لم يكلم الله لكن أولياء التصوف كلموه كشجرة موسى ) عليه السلام ( وبذلك صار قياس الولاية على النبوة أرفع ؟ ! هكذا ظلت إرادة الإتصال بالمطلق ، وإختراق حدود اللا منظور منذ أن كان البشر، تلح على علم النفس ألا يتعرض بصفة المرض لمدعيها، وللناس وعلى الناس لتشكيل العقائد، وأول مؤثر من أثارها فى حضارتنا جاء من الهند .
أكتفي بهذا القدر من إستعراض الكتاب تحريضا منى للقراء لكي يطلعوا عليه بأنفسهم وسأقوم في الحلقات القادمة بالرد على ما جاء عليه . 

إضافة تعليق

3 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.