قراءة في كتاب "العقلانية في الفكر العربي المعاصر" من سلسلة حوار مع الغرب إصدار دار الفكر ج1

بين يدي الكتاب:ماذا يعني العقل وما العقلانية؟ ما دلالتها اللغوية؟ كيف نظر الفلاسفة المسلمون إلى العقل؟ وما المكانة التي احتلها العقل في نظر الفقهاء وعلماء المسلمين؟  هل استمر الفكر العربي المسلم في تبنيه للعقل خلال بحثه وتفكيره؟ أم حصلت قطيعة مع الفكر العقلاني؟ أين وصل انتشار العقلانية في الفكر العربي المعاصر؟ وهل وجدت تيارات مختلفة تمثل العقلانية في الفكر العربي؟ ما مدى تأثر العقلانية العربية بالعقلانية الغربية؟ كيف استطاع المفكرون العقلانيون المسلمون التوافق مع الفكر الديني؟.

 أسئلة كثيرة حاول كتاب "العقلانية في الفكر العربي" الإجابة عنها، وقدم الكتاب وجهات نظر متباينة بين مفكر غربي عاش العقلانية الغربية، ثم درس الفكر العربي وتخصص فيه، ومفكر عربي عاش الفكر العربي ثم درس وتميز بدراسة الفكر الغربي ونقده. الكتاب الذي صدر عن دار الفكر بدمشق ضمن سلسلتها "حوار مع الغرب"، للكاتبين، المفكر السوري غريغوار مرشو والباحث الاسباني البروفسور خوان أنطونيو باتشيكو، يقع في 226 صفحة، ويضم مبحثين، الأول للدكتور غريغوار مرشو، تحت عنوان "عقلانية تنوير وتثمير أم عقلانية تبشير وتبرير"، بين فيها أن معظم المفكرين الحداثيين العرب ينطلقون من أن نشأة العقلانية بدأت مع اصطدام العرب بالغزو الأوربي لبلادهم، وتشكل الفكر السياسي الإصلاحي في مشروع النهضة العربية، وصمودها التاريخي مع بدايات القرن التاسع عشر، وينتقد المؤلف مقولات بعض الحداثيين، ويرى أنهم كانوا مستلبين للغرب، كما ينتقد أولئك الذين يحاولون استعادة النموذج السلفي والتراثي ليكون بديلاً عن الغربي الوافد، وإسقاطه على نحو سلبي تهميشي حينًا وتلفيقي حينًا آخر دون إبداع مثمر، يرد على النموذج الغربي. كما بين أن العلمانية لا يمكنها أن تكون حلاً ناجزاً دون استنطاقها ووضعها موضع المساءلة أو التحجيم، فهي تؤدي إلى قطيعة مع الثقافة المحلية والتراث، وإعلان حرب على الأديان. كما عالج قضية إقحام العقلانية بوصفها مرادفة للديمقراطية، ووضح مخاطر إسقاطها على الإسلام، ودرس أثر الإيديولوجيا الأحادية على تفتيت المجتمع ونشوء حرب إيديولوجيات وخاصة مع ظهور الإيديولوجيا القومية وما تبعها من سجالات.

أما القسم الثاني من الكتاب، يدرس فيه البروفسور خوان أنطونيو باتشيكو، معنى كلمة العقل والعقلانية في اللغة، وكيف تشكلت دلالتها، وكيف نظر فلاسفة المسلمين إلى موضوع العقل، وما الذي توصلوا إليه، وقارن ذلك بالنتاج الفلسفي الغربي، الذي قطع أشواطًا وتقدم في اعتماد العقل لتفسير الظواهر العلمية والإنسانية. ثم عرج على أعمال المفكرين العرب الذين تأثروا بالفكر العربي الحديث منذ عصر النهضة ودرس إنتاجهم الفكري، وحلل مقولاتهم وبين المكانة التي احتلّها من العقل في دراستهم وكيف عولوا على استعادة نهوضهم الحضاري بتبنيهم لمناهج الفكر الغربي ومنطلقاته في الحداثة والتقدم.

عقلانية تنوير وتثمير أم عقلانية تبشير وتبرير !؟ (غريغوار منصور مرشو)

مقدمة

يعتبر الكاتب غريغوار منصور مرشو، في مقدمة المبحث الأول الذي يحمل عنوان "عقلانية تنوير وتثمير أم عقلانية تبشير وتبرير !؟"، أن الباحث في موضوع العقلانية يجد نفسه في مواجهة موضوع إشكالي شديد التعقيد والالتباس، نظرا لما أحيل من حوله من سجالات وصراعات فكرية، ويرى أن معظم المفكرين العرب والمعرفين والمبشرين بالمذاهب الفكرية والعلمية الغربية، باتوا لا يقرون بوجود العقل والعقلانية في الثقافات المحلية إلا بمقدار ما يكون لها أمثلة تحاكيها بالتمام والكمال في التراث العربي. ويعتقد الكاتب بـ"صريح العبارة"، أن "العقلانية ليست مذهبا أو عقيدة نعتنقها ولا آلات نستهلكها، وإنما هي إنجازات علمية وفكرية استنهاضية في مختلف الميادين، تصنع مفاهيمها بفعل تفاعلها مع واقعها وفي سياق تاريخي واجتماعي محدد". يفسر الكاتب، "وإلاّ كيف نفسر تناسل المساءلات المصعوقة بالدهشات والمفاجآت وتناميها بعد هزيمة (5/6/1967)، والتي جاءت لتعبِّر عن نفسها على التوالي، بالأسئلة الآتية: لماذا، بعد كلّ مكاسب النهضة والإصلاح والتنوير ثم الثورة، نُفجع بالإخفاقات والهزائم، ونكتوي بنيران الاستبداد والفساد والإفساد والتفقير المُمنهج؟... لماذا، بعد كل الطوفان الكلامي عن الديمقراطية، تشتد الحاجة اليوم إلى تثبيت الديكتاتورية بذريعة أن المد الأصولي يجتاح الساحة؟ وكيف، بعد كلّ الكم الهائل من الخطابات المستفيضة حول العقلانية والعلمانية، وعن الحداثة وما بعد الحداثة، نجد ماضينا يُطوّق الخناق علينا ويتربص بنا ليثأر منا؟ ولماذا، بعد كلّ النضالات القومية المُخاضة، والطروحات الإصلاحية الإسلامية، نحصد كلّ أسباب التفكيك والتفتيت، لا بل كلّ مخاطر التذرير والتدمير... ولماذا انتهى قسم كبير من النخب اليسارية المحسوبة سابقًا على القوى التقدمية، بعد أفول الاتحاد السوفياتي، إلى الاحتفاء بالليبرالية الجديدة والتهليل بقدوم العولمة بشعارها (النظام الدولي الجديد)، بذريعة أنه نذير بتجريف منابع الديكتاتوريات أو تجفيفها واستتباب الديمقراطيات على صعيد المعمورة؟ وكيف نفسر اندفاع بعضهم للتخلص من الأوضاع المأزومة إلى مد يد العون إلى المستعمِرين الجدد، على غرار معظم رواد النهضة والإصلاح حينما كان المستعمرون القدماء على الأبواب يمارسون ضغوطاتهم وتدخلاتهم السافرة في شؤون البلاد؛ لهيكلة دول وإعلان تأسيسها بعد اتفاقية سايكس بيكو تحت الاحتلال أو الانتداب؟ ثمّ ألم تؤدِّ اليوم هشاشة سيادات بعض الدول إلى إفساح في المجال لسلطاتها كي تعرض الأوطان للمزاد تمهيدًا لعودة الاستعمار من جديد وتوطين قواعده العسكرية؛ لتحمي نفسها من غضب شعوبها أو من دول الجوار، لا من الكيان الإسرائيلي الغاصب، فضلًا عن الانتهاء بالتطبيع العلني أو السّري مع هذا الأخير، بعد الحديث المكرور عن استقلالاتنا وفكّ الارتباط مع الاستعمار؟".

وبعدما طرح الكاتب هذه الأسئلة، حاول  تحديد كيفية تموضع العقلانية في سياق قرنين تقريبا، من التحديث من قبل المفكرين والمثقفين في العالم العربي والإسلامي، وكيفية انعكاساتها في خطابات هؤلاء وسجالاتهم وانتقاداتهم، ثم ما هي المحاجات والمسوغات والتبريرات والمقاربات التي تقدم بها بعضهم لتعليل الإخفاقات والمعوقات التي لاقتها العقلانية لحفظ ماء وجهها، ثم يشير أخيرا الكاتب إلى أنه سيقارب أيضا كيف باتت العودة إلى التراث أو النهضة محور اختبار تمثلاتها وتجلياتها ثم غدرها أو خيانتها بالردة، أو لبيان غيابها أو عدم تحققها بالكيفية المنشودة والمأمولة منها.

مسرحية الحداثة

يرى الكاتب أن معظم الحداثيين ينطلقون من المسلمة التي مفادها أن الشروط لنشأة الأجنة الأولى لتيارات العقلانية والتنوير حصلت في بدايات تشكل الفكر السياسي الإصلاحي في مشروع النهضة العربية وتبلورت إرهاصاتها الأولى في غمرة لحظة تحول تاريخي وقف منه العرب على معالم قوة أوروبا وصعودها التاريخي، وضمن هذا المنظور، اعتقد الحداثيون أن بإمكان نقل العقلانية والتحديث إلى فضائهم الثقافي. ويجزم الكاتب أن هذا الاستتباع لأفكار الآخر دون التفكر فيها وتبيئتها كان له في الغالب ردود فعل بعدة تلاوين عملية ونظرية، لكنها تلتقي على أن النموذج المستجلب أو الوافد هو مصدر قبلي لانعكاس صورة المجتمعات العربية، كما استقام  ما بين النخب العربية الحداثية، نوع من الإجماع حول مبدأ أن بقاء السكان المحليين مرتبط بالاندماج السريع في العلاقات التقنية والثقافية.

من جهة أخرى يعتقد الكاتب أنه وقع إقحام العلمانية بوصفها مرادفة للديمقراطية،  وفرضت نفسها في المجتمع الغربي في فترة حيث الكنيسة الكاثوليكية صارت قوة سياسية واقتصادية تعترض بورجوازية علمانية وزمنية، وهي البورجوازية التي وجدت نفسها مكرهة على مواجهة فئة اجتماعية تحتكر السلطة. ويذهب الكاتب إلى القول أن العلمانية لم تفرض نفسها على الوعي أو الدولة إلا بمقدار ما تأخذ الصراعات الاجتماعية طابعا سياسيا، وتحصل أيضا من خلال بنية أحزاب ودولة متحررة من الأغلال الإديولوجية عاكسة لأشكال من النضال والسياسة.

وتوقف الكاتب خلال المحور الأول عند كيفية إسقاط العلمانية على الإسلام، واعتبر أن الإصلاحيين اجتهدوا في مطابقة الدولة الإسلامية مع نموذج الدولة-الأمة في الغرب، وهو ما تم إبان الفترة التي كان فيها النظام الغربي ينتظر استجابة متوائمة مع السؤال المطروح على الإصلاحيين الإسلاميين. ويرى الكاتب أن محمد عبده دشن الطريق لعلمانية إسلامية، بينما أتى محمد رشيد رضا ليكمل مسار معلمه، ويحاول البرهنة أيضا على أن السلطة الزمنية كانت قائمة حتى في العصر الراشدي على الإجماع. وتنطوي وظيفة الحل والعقد على تحديد الشرع والتشريع بصورة مستقلة عن الشريعة الدينية، والحكم كان سياسيا مثل المجلس التشريعي، وكان له مهمة تعيين الخليفة ومراقبة نشاطاته وخلعه، ويوضح رضى القول، "إن الله أعطانا حرية تامة واستقلالا كاملا في شؤوننا الدنيوية ومصالحنا الاجتماعية".

أثر الإيديولوجية الأحادية في التفتيت

يستهل الكاتب هذا المحور بالقول أنه لتسريع مسار حرب الإيديولوجيات والتشرذم، لجأ قسم من النخب، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، إلى وصفات إيديولوجية وافدة من كل حدب وصوب من أجل شرعنة الوضع القائم، بخلق هويات خصوصية تتناسب مع هذه الدول المستحدثة تحت الاحتلال ضمن المنظور المذكور، في إطار ترسيمات قطرية منغلقة بعضها دون بعض، تتقاسم العداء فيما بينها. بينما رد قسم آخر عليها بأطروحات قومية أوسع مدارا، ورافضا لها، إلا أنه بالموازاة لهذه نشأ طرحان، الواحد أممي شيوعي والآخر إحيائي إسلامي داع إلى حكم الخلافة. وما غلب على كل هذه الطروحات هو الاحتفاء بالمسألة السياسية واعتبار الدولة أداة لا هدفا، دون أن تلتفت إلى أنتاج معرفة نظرية بالمسألة السياسية، أي مسألة الدولة والسلطة والمجال السياسي.

من جهة أخرى، تطرق الكاتب إلى الإديولوجية القومية، واعتبر أن الوضع الاستلابي الذي جر تنظيمات وأحزابا وتيارات فكرية متنوعة إلى صراعات جهوية قبلية طائفية أو إثنية على السلطة، قاد جيلا آخر من النخبة المثقفة فيما بعد إلى مواجهة هذا التدهور. ويرى الكاتب أنه إذا كان دعاة النهضة والإصلاح مهجوسين بفكرة اللحاق بإشارات الدولة- الأمة والسياسة الليبرالية ومعانيها ورموزها، التي أفضت إلى تقسيم العالم العربي والإسلامي تحت نير الأجنبي، فإن جيلا من القوميين تصدر المسرح  السياسي ما بين الحرب العالميتين، باسم التغيير الجذري.

ويخلص الكاتب إلى أن مسار تنمية الدولة القوية، التي تريد لنفسها أن تكون صورة مستنسخة عن الدولة- الأمة الغربية، حجرت المجتمع الأهلي في دوامة من الاستلابات، الثقافية والسياسية والاقتصادية والتاريخية. ولا غرو أن رأينا مسار التأهيل الوطني يتوقف دون بلوغ المرحلة الليبرالية للأمة، المجسدة بشيء من الشفافية في مجلس النواب، ولا حتى بلوغ، في مرحلة الدولة المحررة، حيث تبرز تلبية الحاجات.  

من احتلال العقل إلى تحريره وتفعيله

يذكر الكاتب في مستهل هذا الفصل، أن ما يسوق منذ عقود تقريبا، في الساحة الدولية من قبل الليبراليين الجدد ومن بعض ما بعد الحداثيين المحليين، أن الإسلام دينا وثقافة وحضارة، هو على تضاد مع العقل والحداثة والتحديث، لأنه لا ينهل معارفه إلا من الوحي النبوي، فهذه مغالطة تاريخية خطيرة ومسألة مزيفة، روجتها الترسانة المعرفية الاستشراقية واستنبطتها أذهان النخب الأصولية، بشقيها الحداثوي والتقليدوي، التي ما هي إلا الرد المعكوس للصور المنمطة التي أسقطها النظام الغربي عليها. ويعتقد الكاتب أنه على وجه العموم، أنه إذا كان ثمة تيارات مقاومة ومجاهدة تحت راية الإسلام، فهذا يعود إلى تأييد الاستغلال والتسلط عليها، كما يعود إلى تظهير أصحابها في الإعلام الغربي والدائر في فلكه على أساس أنها شعوب منحطة لا تستطيع أن تحكم ذاتها إلا بوعي مجلوب من الخارج، ولا تستطيع أن تحكم ذاتها أو تستغل قدراتها وثرواتها كما تروج القوى الصهيونية وأتباعها في الداخل.

ويرى الكاتب أن التفكير في تقنية الوصول إلى سلطة الدولة، صار هو الهاجس المؤرق عند القومي والماركسي والليبرالي والسلفي. تبعاً لذلك ليس من باب المصادفة أن تراكم حيل معرفية حول أساليب الانقلاب العسكري تحت شعار "الثورة" أو "الجهاد" ضد الأمة المكفَّرة، وأن يُراكم أيضاً جهاز من المفاهيم حول السيطرة والهيمنة والاستبداد والاستكبار وحول موازين القوى..، بصريح العبارة، يقول الكاتب، لقد تحول علم السياسة تدريجياً، إلى علم عسكري حيث يكون التعلَّم فيه هو كيفية اقتناص السلطة، يضيف الكاتب، "إن الفكر السياسي السائد باسم التحديث العقلاني الواقعي، يعاني بمختلف صوره الشمولية والتبعية والارتدادية، فصاماً حقيقياً مع الواقع الاجتماعي التاريخي الحي، فمن الطبيعي أن يكون ثمة علاقة مباشرة بينه وبين نظام السلطة المطلقة، لكون هذا الأخير يُعاني هو أيضاً من فصام مع المجتمع.

وحسب الكاتب دائما، فإن كل المراهنين على النظام الدولي الجديد، وما بثَّه من وعود مسمومة حول نشر الديمقراطية وعولمتها؛ لكسر أغلال الاستعباد والاستبداد المضيّقة الخناق على عقول العباد بما يتناسب مع كرامة المواطن وسلامة العيش المشترك، سرعان ما صدموا حينما انقلبت الأمور رأساً على عقب، وذلك باستبداله بإمبراطورية الشر عدوًا جديدًا أو اختلاقه مشجبًا يُعلَّق عليه كل المخاطر التي تتهدد التنامي الإمبراطوري لهذا النظام، ألا وهو الإسلام بديلا عن الخطر الشيوعي، حيال هذا التحول لم ولن تتردد إمبراطوريات الإعلام، على اختلاف أشكالها، في الكتابة عنه لتسوِّقه على قاعدة الصورة النمطية السابقة وحاجات العولمة التي تسعى لسيادة نموذج واحد واحتقار ما عداه لكون الإسلام يُشكل راهنا، بؤرة الممانعة وعدوا للحداثة والعقلانية، بذلك صار حلفاء الأمس القريب "الجهاديون الإسلاميون"، أعداءًا محتملين أو مفترضين أو فعليين، وخاصة بعد حرب الخليج الثانية، وما ألحقته من تدمير هائل بالعراق دولة وشعبًا وبيئة". كل هذه التداعيات، استدعت من الكاتب طرح الأسئلة من جديد حول العقلانية المأمولة، وحضَّت العديد من الباحثين والمفكرين، ولو أنهم غير منتظمين في رؤية استراتيجية متكاملة، على بيان المقومات المعرفية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي حالت دون إنجازها مشروعًا ثم استراتيجية، إلا أن التفكير في شأنها، بصورة جادة وبعيدًا عن صخب الإيديولوجيات المتصارعة حولها، كان قد بدأ على نحو متوازن نسبيًا في مطالع الثمانينيات وما بعد على قاعدة النقد المزدوج.

ويختم الكاتب بالقول أنه لعل الحاجة من هذا المنظور تمس إلى رؤية جديدة للعالم، وإلى عقد جديد بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخر الداخلي والخارجي، وخاصة بينه وبين الطبيعة للخروج من مأزق ثنائية الذات والآخر الاحترابية على أساس اقتتال تصفوي، ديني أو عرقي، طائفي، ثقافوي معكوس؛ لأن العالم اليوم لم يعد يتحمَّل مخاطر التلوث البيئي والإبادة النووية والإرهاب المعمم، ولا الاتجارية المتوحشة التي تغتني بصناعة الحروب والدمار والإفقار، كل هذه المظاهر التي تتهدد الجميع قد تطال مستقبل الإنسان ومصيره على هذا الكوكب.

استنتاجات.

بعدما رصد الكاتب بعض المفاهيم الأساسية التي حكمت الفكر العربي الحديث والمعاصر، الذي يراد له أن يكون عقلانيا تنويريا، تساءل الكاتب قائلا، ألا يطرح علينا البحث عن مكامن تعثراته وانسداداته واستلابه وعجزه عن استنهاض العقل الذي يشتغل عليه؟، يضيف الكاتب، "أقول ذلك لأن الحداثة التي استدخلناها وتوخينا أن تعيش بين ظهرانينا أثارت المزيد من البلبلة في التفسيرات والتأويلات إلى الحد الذي فاقمت من ملابساتها بدلا من أن تمزق الأردية الإديولوجية المحايثة لمختلف مستوياتها ومفاعيلها في الطرف المتلقي لها والمحتك بها تحت راية التثاقف، بدليل أن السجالات المتضاربة حولها لا تنفك تتناسل وتتعدد، حتى باتت القراءات المذهبية الأحادية البعد في شأنها تتزاحم للنظر في كيفية صرفها في العالم  العربي والإسلامي.

ويقول الكاتب عند سرده للاستنتاجات، "لاشك أن الحداثة السياسية المتدخلة قد تكون أفقا ضروريا يحطم أغلال الضيق لثقافة محلية ظلت محبوسة في تكرار فصمها عن عالم قد تغير، فتصبح الحداثة الوافدة آنذاك، وسيلة لإدخال التنوع والنسبية، ولكنها في ظل علاقة غير متكافئة بين ثقافتين مختلفتين تستحيل بالنسبة إلى الثقافة الواقع تحت الضغوط الخارجية والتفتيت والتفكيك، إلى مجرد شعار أجوف، وهنا لا تكون المثاقفة التحديثية عملية تفعيل وتواصل، بل عملية التسويغ السطحية لمصلحة سياسة الثقافة المهيمنة، مادامت هذه الأخيرة تتخذ مصدرا وحيدا للمعنى والقيمة، من هنا نشأ التسريع لاستدعاء كل الحجج الممكنة من قبل الحداثيين العرب".

ويمضي الكاتب في الحديث عن استنتاجاته، ويعتبر أن الهاجس الأساسي كان لهذه النخب الحداثية، هو اللحاق بأسرع السبل بالنظام الغربي، لسد ثغرات التأخر المتراكم حيال  أوروبا التي نُظر إليها على أساس أنها المخبر السحري القادر على علاج المسائل المطروحة عليها، بذلك لم يعد نقل الإشكاليات الغربية إلى الوعي العربي مجرد الترسيمة لمكونات أصول الفكر العربي الحديث المعاصر فحسب، وإنما المحدد شبه الكامل لرؤية النخب للعالم. يضيف الكاتب، وبموجب هذا التوجه سيصبح النموذج الغربي وبشكل دائم مستخدما مرجعا لتقويم كل المستويات وأشكال الوعي أو تبخيسها والذي على أساسه سيتم الطمس أو الكشف عن وقائع الأشياء.  وضمن هذا السياق، يؤكد الكاتب أن الكونية الإنسانية والقومية –الليبرالية أو الاشتراكية- تتحول بسهولة إلى عقائد مصنمة لا تخدم إلا بإسدال ستار مكثف على الصراعات من أجل السلطة أو من أجل مصالح أقل كبرا.

ويختم الكاتب استنتاجاته بالتساؤل التالي، "هل صار من مصلحة معظم السلطات العربية الحاكمة التحديثية والنخب العاملة في ظلها، المستأثرة بمقاليد العباد والبلاد، أن تريد تأبيد مقدور القول الشائع، -كما تكونون يولى عليكم-، ليبرر القول، -كما يولى عليكم-، بالوكالة متوسلين عقلانية التبشير لتجميد حراك الداخل-يجب أن تكونوا-؟".

إضافة تعليق

16 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.