قراءة في كتاب "العقلانية في الفكر العربي المعاصر" من سلسلة حوار مع الغرب إصدار دار الفكر ج2

العقلانية في الفكر العربي المعاصر (خوان أنطونيو باتشيكو)
مقدمة:يرى البروفسور خوان أنطونيو باتشيكو في مقدمته للمبحث الثاني من الكتاب، الذي عنونه عنوان، "العقلانية في الفكر العربي المعاصر" أنه حين الحديث عن الفكر الفلسفي يكون من الواضح القصد بذلك استخدام الفكر الذي يرتكز بشكل أساسي على العقل ويتخذ منه دليله بامتياز. ويرى الكاتب أنه من المناسب قبل الخوض في التفاصيل، تحديد المفاهيم التي تشكل عنوان الفكر العربي المعاصر وحدودها من جهة والعقلانية من جهة أخرى، ويعتبر أن الفكر العربي المعاصر هو ما كتب بالعربية نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.. ومع ذلك، فإن الفكر العربي في يومنا هذا يظهر مقاومة لإدخال مفاهيم مثل حديث أو معاصر أو مدرسة الفكر. ومن أجل التوضيح، يبني الكاتب مفهومي الحديث والمعاصر باعتبارهما نموذجي تفكير تلقائيين في الوقت المحدد، يخصص أولهما لنوعية الفكر المشكل والثاني يخصص لمرحلية تشكيله.
ويرى الكاتب أنه أصبح من الممكن التحدث في القرن الثالث عشر الميلادي، عن وجود فكر فلسفي قائم بحد ذاته في الثقافة الإسلامية عامة والعربية خاصة، وهو ما يبين اتساع فكر عقلاني ومتطور بشكل تام، كما يرتكز هذا الفكر على أنظمة تفكيرية متكاملة تضم جميع مظاهر الوظيفة الفلسفية، بدءا من التعددية وصولا إلى السياسة مرورا بالميتافيزيقيا والمنطق ونظرية المعرفة. ويشير الكاتب إلى أنه لا يجب أن ننسى من ناحية أخرى، أن جميع خيارات الفكر العربي الحديث والمعاصر، وأنواعه وعروضه، تظهر لنا ضمن صراع دائم تجاه الواقع التاريخي للعالم العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر، حيث يطفو على هذه المرحلة وجود الاستعمار الغربي أولا، ثم انقسام الأفكار القومية لاحقا، إذا كانت أحداثا أساسية في هذا التاريخ.
ويجزم الكاتب في مقدمته دائما، أن كلا المفكرين الأوروبيين والعرب يستعملون العقل أداة تحليل وتأمل، مع وجود فوارق بين الأهداف والدوافع، وعليه يجد الكاتب أنه إذا كان مناسبا تصنيف الأوروبيين بالعقلانيين البنائين لأنظمة كاملة نوعا ما، فمن المناسب بالنسبة للعرب التحدث عن الإيدولوجيين الذين يستخدمون بالإضافة إلى كونهم مفكرين، العقلانية جنبا إلى جنب مع خلاصة اعتقادات اجتماعية وعلمية وإنسانية أو دينية صلبة، وهو ما يشكل دليل أعمالهم الاجتماعية والفكرية والسياسية. وهو ما يجعل جميع المفكرين العرب تقريبا، بمن فيهم الحديثون والمعاصرون ممثلين بارزين للصحافة والأدب العربي.
ويختم الكاتب مقدمته بالقول أن طريقة العقل الحديثة في الفكر العربي، تولد بالمقارنة بالعقلانية الحديثة الغربية من نبض واسع النطاق، تظهر فيه آمال بالإصلاح في جميع مجالات الحياة والثقافة. ويظهر في كل من سورية ومصر حيث تنتشر بكثرة هذه الفكرة، ذلك الانبعاث والإصرار الإصلاحي ليسا سببا للفصل إنما عملية تكامل بين العقل والإلهام وبين التقليد والحديد، كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن من دفعوا نحو هذا التوجه، توجب عليهم اختيار شريحة متنوعة من التحديات وتبنيها، وهي الإصلاح الذي فرضه الاستعمار والرغبة في الوصول إلى التنوع الذي كان الغرب يعرضه نموذجا للتقدم.
العقل في عصر النهضة وإعادة بدء الفكر العربي
يرى الكاتب أن الشروط اللازمة لظهور موضوع انطباعي وخطاب عقلاني في العالم العربي في القرن التاسع عشر، في كل من سورية ومصر على وجه التحديد، ترجع للظروف التاريخية الضرورية ليصبح بالإمكان التعبير عن هذا الخطاب، ومن ثم وجود أشخاص يقودون الإعلان عنه، وهم المثقفون والمفكرون.
ويذهب الكاتب إلى أن بناء الخطاب العقلاني يسبق عملية ثقافية تربوية، يكون فيها الاحتكاك بأوروبا مفيدا وعائقا في الوقت عينه وبأشكال متعددة. كما يجب الانتباه عند الشروع بهذه العملية إلى تحول القوة الذي تقوم به العائلات المقتدرة، والصعود الاجتماعي لتلك التي تعمل في التجارة، والتي ستختبر زيادة أرباحها في ظل الوضع الجديد، ومن ثم زيادة قوتها الاجتماعية. ويشدد الكاتب على أن ذلك الوعي الذاتي ليس بعيدا عن الانتماء الاجتماعي والثقافي والديني لمكوناته المتنوعة، وهو ما يوجد في سوريا، حيث يعتبر المثقفون المسيحيون الذين يقيمون روابط وثيقة مع أوروبا، أنفسهم نظراء للمثقفين الأوروبيين المنتمين إلى الحقبة الزمنية نفسها، لهذا تعتبر أطروحاتهم في وسط المجتمع العربي التقليدي جريئة ومتطرفة.
من جهة أخرى، يرى المثقفون غير المسيحيين أيا كان تصنيفهم من محافظين أو إصلاحيين أو أصحاب التوجه العلماني الصريح، باعتبارهم ممثلين لتيار ثقافي يمكننا تسميته "الواقعي"، يعارضون السيطرة والتأثير الثقافي للغرب، ويحاولون الاستفادة مما يسمونه فوائده وتطبيعه مع إطار التقاليد الإسلامية المتوارثة.
ويعتقد الكاتب أن مصر بدأت أولى الخطوات الجادة التي خطاها الفكر العربي في القرن التاسع عشر نحو الاستعمال المبتدئ والإرادي للعقل، ففي بلاد النيل، وهي القطب الآخر للنهضة الثقافية والذهنية العربية، نحن بحضرة نهوض للعقل بصبغة مختلفة بعض الشيء عما حدث في سورية، في الفترة الزمنية نفسها.
العقل باعتباره وظيفة اجتماعية
يبدو للكاتب أن المفكرين والمثقفين المسلمين الذين تأثروا مباشرة بفكر الإصلاحيين العرب الأوائل، وعلى التزامهم الصريح بالتقاليد الثقافية والدينية، بدؤوا باتخاذ مسافة أدبية من العروض الأولى المبنية على العقل باعتباره قوة قادرة على أن تبصر الوضع المعقد من الخارج، وبدؤوا من بعيد أيضا باتخاذ كل ما يمكنه أن يهب حياة لذلك الإصلاح.
ويذكر الكاتب أن العقلانية عند قاسم أمين، تحاول المحافظة على توازن حذر بين ما تقدمه الثقافة الغربية وأسس التقاليد الإسلامية التي يتناولها هو ذاته بروح نقدية في نظرته إلى التاريخ، ويتطلع أمين لأن تنطلق مقترحاته بتغيير ظروف المرأة العربية من القدرات الذاتية على التطور لتلك التقاليد، ومن ثم تغيير أسس المجتمع أيضا.
ومن جهة نظر أخرى، يتمثل النقد العقلاني للتقاليد المتخشبة في فرح أنطون، المفكر من أصل لبناني، الذي هاجر إلى مصر سنة 1897، في أنه يجب أن توضع العلوم تحت سيطرة العقل، والدين تحت سيطرة القلب، لأن قواعده تأتي من قلوبنا بالوحي دون أي تحليل عقلاني، كما أن الأشياء المتعلقة بالقلب لها براهينها الخاصة وأسسها في الذاتية الشخصية، فإن العقل له براهينه العقلانية الخاصة التي كان ابن رشد قد عرضها في الماضي.
العقل أمام الأزمات
يرى الكاتب أن حقبة القومية والاستقلال التي أقيمت في العالم العربي، وفي المغرب العربي تحديدا، تعطي انطباعا أن الفكر والخطاب النظري قاما بخطوة نحو الأمام في ابتعادهما عن التقاليد، واعتبرت الأعمال المبنية على الفكر الديني والمفاهيم الأساسية من قبل بعض المثقفين في تلك اللحظة، عناصر من إرث ثقافي مشترك التراث، ويبدو للكاتب أن الفكر العربي على استعداد لتبني جميع المساهمات الأدبية الغربية، وذلك من وجهة نظر سياسية كما هو الحال بالنسبة إلى الفكر المحض.
وظهر تحدي منهجي هام بالنسبة إلى مؤرخ الأفكار في العالم العربي في حقبة الخمسينات والستينات، ذلك لأنه في تلك الحقبة، وأكثر من أي وقت مضى، توجب تحليل مسلسلات ما يسمى بالفكر المتسارع وخطبه وتدرجه وتحدياته، وهو الفكر المدفوع بضرورة الإسراع في وضع الحلول السياسية والاجتماعية والأخلاقية، حيث بذل العديد من المثقفين من جميع التيارات جهودا كبيرة في سبيلها، حيث انعكست على صحافة متعددة الأقطاب. وتبنى العقل في الصراع الثقافي في تلك اللحظة، جميع التيارات التي اعتبرها جائزة مثل الماركسية والوضعية والوجودية والتقليدية والسلفية والحداثة.. مما أدى إلى خروج الجدل من إطار الفكر المجرد ودخوله في النيات التي تقود محو إقرار لوائح جديدة للقيم، والترويج لمجتمع يقوم على أسس جديدة، فكانت المعضلة قد استقرت بين خيارين: إما إعطاء الأفضلية للفرد والحرية الإنسانية، أو على العكس من ذلك، إعطاؤها للمجتمع أو لبنيته الاقتصادية أو لحكومته.
العقل كنقد للهزيمة وكنقد ذاتي
بعد هزيمة 1967، يعتقد الكاتب أنه تم إحياء جميع العناصر التي وقع تحليلها في الفكر العربي، باعتبارها أدوات مكونة لجوهره وقدره، ويبدو حسب المؤلف، أنه آن الأوان لممارسة العقل كنقد ولتحليل الأسس التي كانت تشكل ركيزة الأمل الثوري العربي.
ويورد الكاتب أن أحد المفكرين الذين قدموا أفضل تعبير للظروف الجديدة، هو المفكر السوري صادق جلال العظم، وقام بذلك من خلال كتابه النقد الذاتي بعد الهزيمة، وتكمن خلفية الكتاب في انطباعاته حول الخيارات الثلاثة المذكورة للفكر العربي، وهي التقاليد والحداثة والطرق الوسطى، وكان للنقد الذاتي عند المؤلف السوري فضيلة إحياء انطباعات عديدة في مجالات أخرى من الفكر، من قبل أشد معارضي الخيار الثالث من الطرق المذكورة، من بينهم محمد جلال كشك، الذي اتهم المثقفين العرب التقدميين ببيع فكرهم للغرب، وتجاهلهم الغزو الأوروبي المتمثل في الماركسية الملحدة، من جهة، والقومية الليبرالية العلمانية من جهة أخرى.
ويتطرق الكاتب إلى ما أشار له علال الفاسي، في كتابه النقد الذاتي، من الشروط الضرورية واللازمة لانطلاقة وظيفة المفكر العربي المعاصر، وعندما يتطرق إلى حرية التفكير باعتبارها شرطا ضروريا لتلك الانطلاقة، يرى أنه لا تكفي المطالبة بتلك الحرية من السلطات العامة، إنما يجب وضع نقد ذاتي شخصي مسبقا يلغي معوقات المثقف ذاته،لهذا يرى المفكر المغربي أنه عندما يطالب المفكر العربي بحقه بالتفكير بحرية، فإنه يعبر عن نصر للعقل الذي شغل مكانه في العالم الحديث بفضل حرية الفكر والتضحيات الشخصية التي جعلته ممكنا.
ليخلص الكاتب إلى القول بأن "هذا هو العقل الذي يساعد الإيمان على تحريره لأن الإسلام هو دين الفطرة، هو السلاح المطلق القادر على إطلاق عملية التجديد الضرورية، حيث أنه بالنسبة لعلال الفاسي، العائق الذي قدمه المستعمر تحول إلى محرض للنهضة.
ويختم الكاتب هذا المحور بالحديث عن كتابا المفكر المغربي عبد الله العروي، ويقول أن جوهر أزمة الفكر العربي عند العروي تكمن في أن المفكر العربي عندما يطرح موضوع الطبيعة العالمية لتطلعاته، فإنه لا يقدم عادة جوابا نهائيا على ذلك، وإذا كان المفكر والمثقف العربي من أتباع تيار الحداثة أو من مناصري الأصالة، فهو يناقض نفسه ويجد نفسه في حيرة من أمره، فينتهي به الأمر إلى الصمت، مما يؤدي من ثم إلى بقاء مسألة عالمية دون حل.
العقل في مآزق التقاليد والحداثة والعالمية
تعتبر حقبة السبعينات وبداية الثمانينات، شاهدا على مجموعة من الأحداث السياسية والاجتماعية، والتي تتميز حسب الكاتب، بميزة وضع الفكر العربي في منظور المواقف المذكورة، ويرى الكاتب أنه في ظل غياب التيارات الفكرية الجديدة، يبرز التوافق الفكري في طرح الموقف واستقطابه، في حين تبين الظروف الجديدة، بوضوح كبير، العالم المزدوج الذي يجد المفكر نفسه فيه مجبرا على القيام بمهمة صعبة، ويكون على يقين الآن، أكثر من أي وقت مضى، بحاجته إلى تحليل الهوية والأصالة.
ويتحدث الكاتب عن قلق المثقف المصري نحيب محمود، في إصلاح التقاليد الثقافية أو التراث أو تجديده. ويكون النموذج العقلاني الذي يستخدمه في التحليل هو المشتق من الوضعية المنطقية المتمثلة في الفيلسوف البريطاني ألفيرد جولس، حيث يجد فيه نجيب محمود نمط الاقتراب من الحقيقة، وهو التحليل العميق للغة بوصفها رأيا أساسيا، وبناء على هذا الرأي، تلغى جميع براهين الميتافيزيقيا التقليدية بسبب نقص القاعدة التجريبية فيها.
ويعرف الكاتب العقل على أنه مجموعة من العمليات الفكرية التي نسعى وراء الأسباب والنتائج المبنية على الأحداث التجريبية، ويورد الكاتب رأي نجيب زكي، حيث يقول أن ذلك العقل هو منشأ الإرادة والرغبة والمشروع والفعل العملي الذي لا يسمح بالشك أو التردد، على عكس دائرة الدين أو الفن حيث يوجد الخلاف والبدائل.
خلاصات البحث
يعتبر الكاتب في خاتمة مبحثه، أن الفكر العربي الذي بدأ مشواره في الحركة الإصلاحية، قدم بعض الاقتراحات الثابتة والمتواصلة، وفي هذا الصدد يرى الكاتب أن خيارات محمد عبده يمكنها أن تكون مشابهة للفكر العربي في يومنا هذا، وذلك على طريقتها وضمن سياقها التاريخي، وفي جميع الأحوال لا يكمن الموضوع فقط في الحفاظ على التوازن بين الجديد والقديم، وإنما وقبل كل شيء، في إنقاذ سيادة واستقلال الشخص الذي يظن أنه قادر على خفض جميع الخلافات وحصرها في شكل وحيد، وفي إقامة نظام قيم دائمة والوصول إلى نوع من الحضارة والثقافة المتطابقة معه.
ومقابل اختلال العقل الناتج عن التدخل الغربي، فإن الفكر العربي قاوم البحث عن قاعدة أصيلة تجعل من العقلانية السبب الذي يدفع إلى التغيير، لهذا فإن تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر، حسب الكاتب، مرتبط بالحفاظ على تلك العقلانية، وبالمحافظة على مواقف مثقفة تعود نشأتها إلى القرن الثامن، وبالعودة الضرورية دائما نحو تلك القاعدة.
كما أن الفكر العربي المعاصر لا يسجل، لسوء حظه، فيما يمكننا تسميته مرحلة فلسفية محددة، كما أن وظيفة الفكر العربي هي وظيفة وجودية تستخدم العقل لبناء نظريات قبل إخضاعها لنقد حدودها، لهذا يخلص الكاتب إلى أن تاريخ الفكر العربي المعاصر، ليس ناتج جهود بعض العقلانيين الأنقياء، ولو كان كذلك لكنا أمام تاريخ بسيط لحركة التنوير العربية المعاصرة، تنحصر اهتماماتها فقط في العلوم الفلسفية. بالمقابل، يرى الكاتب، أنه إذا فهمنا أن الفكر العقلاني يعني الأعمال التي تتجه نحو تقديم رؤى عن الأفكار الكانتية الثلاث عن الله والفرد والعالم، فهذا يعني أن تاريخ الفكر العربي المعاصر هو المرحلة التاريخية للفكر العربي التي عرضت فيها هذه المواضيع بأكبر أبعادها.
وأخيرا يرى الكاتب أن ثلاث أرباع النشاطات العقلانية للمفكرين العرب، ملتزمة بتحليل أكثر مشاكل الإنسان ومجتمع اليوم إلحاحا، تاركة الطريق مفتوحة لما كان المثقف السوري سامي الكيالي قد أشار إليه في كتابه، "الفكر العربي بين ماضيه وحاضره"، حيث قال أن الفكر العربي اختبر في أربعينيات القرن الماضي ولادة جديدة، وإنه كان يتقدم بقوة وعنف ملتهما كل ما كان يعترضه، لقد كان مقتنعا بامتلاكه الحصانة التي منحته إياها حماسته.

إضافة تعليق