قراءة في كتاب العلمانية تحت المجهر (الجزء الثاني)

النموذج الكامن للعلمانية:بعد هذه الجولة الطويلة نوعاً، التي حللنا فيها بعض التعريفات لمصطلح العلمانية يمكن أن نطرح تعريفنا للعلمانية وللنموذج الكامن من ورائها، ولتجاوز مسألة التأرجح وعدم الاتساق بين الدائرتين سنطرح فكرة العلمانيتين الجزئية والشاملة:
1- العلمانية الجزئية: هي رؤية جزئية للواقع (إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية (المعرفية) ومن ثم لا تتسم بالشمول، وتذهب هذه الرؤية إلى وجوب فصل الدين عن عالم السياسة وربما الاقتصاد، وربما بعض الجوانب الأخرى من الحياة العامة، وهو ما يعبّر عنه أحياناً بعبارة (فصل الدين عن الدولة) ومثل هذه الرؤية الجزئية تلزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة، كما أنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية، وربما دينية، أو وجود ما ورائيات وميتافيزيقيا، ولذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية، كما أنها رؤية محددة للإنسان، فهي قد تراه إنساناً طبيعياً - مادياً في بعض جوانب حياته (رقعة الحياة العامة) وحسب، ولكنها تلزم الصمت فيما يتصل بالجوانب الأخرى من حياته، وفيما يتصل بثنائية الوجود الإنساني ومقدرة الإنسان على التجاوز، ولذا فهي لا تسقط في الواحدية الطبيعية - المادية، بل تترك للإنسان حيزه الإنساني يتحرك فيه (إن شاء)، (ويرى كثير من المفكرين الإيمانيين المسلمين والمسيحيين أنه لا تعارض بين هذا النوع من العلمانية والإيمان الديني)..
2- العلمانية الشاملة: رؤية شاملة للعالم ذات بُعد معرفي (كلي ونهائي) تحاول بكل صرامة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات (الميتنافيزيقية) بكل مجالات الحياة، وهي رؤية عقلانية مادية، تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية، التي ترى أن مركز الكون كامن فيه، غير مفارق أو متجاوز له، وأن العالم بأسره مكون أساساً من مادة واحدة، ليست لها أية قداسة ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها ولا هدف، ولا تكترث بالخصوصيات أو التفرد أو المطلقات أو الثوابت، هذه المادة تشكل كلاً من الإنسان والطبيعة، ومن ثم فالعلمانية الشاملة رؤية واحدية طبيعية مادية تصفي الثنائيات فتلغي الحيز الإنساني تماماً، إذ لا يوجد فيها مجال لسوى حيز واحد هو الحيز الطبيعي - المادي، ويتفرع عن هذه الرؤية منظومات معرفية (الحواس والواقع المادي مصدر المعرفة، فالعالم المعطى بحواسنا يحوي داخله ما يكفي لتفسيره والتعامل معه)، كما يتفرع عنها رؤية أخلاقية (المعرفة المادية هي المصدر الوحيد للأخلاق، وربما أن المادة في حالة حركة دائمة، لا توجد أية قيم أخلاقية ثابتة) وأخرى تاريخية (التاريخ يتبع مساراً واحداً، وإن اتبع مسارات مختلفة فإنه سيؤدي في نهاية الأمر إلى النقطة النهائية نفسها)، ورؤية للإنسان (الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة - المادة، ليس له حدود مستقلة تفصله عنها، ومن ثم هو ظاهرة بسيطة أحادية البعد، وهو كائن ليس له وعي مستقل، خاضع للحتميات المادية المختلفة، غير قادر على التجاوز والاختيار الأخلاقي الحر، أي أنه يتم تفكيكه وتسويته بالكائنات الأخرى).
كل هذا يعني أن كل الأمور في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير، تاريخانية زمنية نسبية لا قداسة لها، مجرد مادة استعمالية.
والعلمانية الشاملة بهذا المعنى؛ ليست مجرد فصل الدين عن الكهنوت أو هذه القيمة أو تلك عن الدولة أو كما يسمى (الحياة العامة)، وإنما هي فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية (المتجاوزة لقوانين الحركة المادية والحواس) عن العالم، أي عن كل من الإنسان (في حياته العامة والخاصة) والطبيعة، بحيث يصبح العالم مادة نسبية لا قداسة لها..
الإشكاليات الأساسية للعلمانية:
لقد جرت عملية التبسيط والاختزال للعلمانية بهدف التوظيف وتغيير الواقع، ولذا صاحبها في البداية قدر كبير من التفاؤل، فالإيمان بالتقدم المادي وإمكانية السيطرة الكاملة على الكون هو أمر يثلج صدور كثير من البشر ومع هذا ظهرت النتائج التالية:
1- في غياب أي يقين معرفي أو أخلاقي أصبحت كل الأمور متساوية، وأصبح الخير مساوياً للشر، والعدل مساوياً للظلم، وظهرت النسبية المطلقة، وأصبحت العدمية (وغياب الهدف والمعيار والغاية والمعنى) زائراً دائماً بيننا، ومن حقنا أن نتساءل: هل يمكن للإنسان أن يعيش في حالة الشك المطلق هذه؟ أم أنه سيتبنى أي ميتافيزيقا تقابله في طريقه وتعطيه قدراً من الأمن والأمان كما حدث حينما تبنت الجماهير الغربية، النازية والعنصرية، وكما يتبدى الآن في تزايد عدد المؤمنين بالسحر والتنجيم والأطباق الطائرة؟!.
2- لكن حياد الطبيعة وغياب المنظومات القيمية والمعرفية ليس سوى واجهة تخفي ميتافيزيقا و(أخلاقيات) القوة، فالعلمانية الشاملة تحول العالم إلى مادة استعمالية، وترفض أي مرجعية متجاوزة للعالم المادي والحواس الخمس، ولكنها - بسبب إطارها المادي - تذهب إلى أن القيم تساعد على تحقيق القانون الطبيعي (المتعة - البقاء المادي - القوة - الانتصار في معركة البقاء)، أما ما يقف في طريق تحققه فهو الشر، ولكن لأن كل الأمور نسبية يظهر الفرد صاحب القوة، السوبرمان الإمبريالي الذي يحسم المواقف النسبية ويخدم مصلحته بالقوة، فيفرض إرادته ويوظف الواقع لصالحه، ويحقق بقاءه (ومنفعته ولذته) على حساب الآخرين، وليس من قبيل المصادفة أن الصراع أصبح هو المفهوم الأساسي في حضارتنا، وإن الداروينية الاجتماعية أصبحت أهم الفلسفات وأكثرها انتشاراً، سواء بين الخاصة أو العامة، وإن الإمبريالية هي أهم ظاهرة في عصرنا الحديث.
3- لم ينجم عن عمليات العلمنة الشاملة هذه وما صاحبها من نسبية مطلقة، أي تعميق للفردية، فالحياة الحديثة تتسم بالتنميط الشديد، بل إن الخصوصيات القومية للأمم لم تتحقق إلا في المراحل الأولى للعملية التحديثية، وما يحدث هو أنه مع تفتت العالم إلى أنساق مختلفة مستقلة، ومع غياب أية مرجعية متجاوزة يظهر القانون العام الطبيعي الكامن في المادة باعتباره المرجعية الأساسية والوحيدة، فتتساقط الهويات والخصوصيات، ويعاد صياغة العالم ليتفق مع القانون الطبيعي العام أو القوانين العامة للحركة أو الواحدية المادية التي تسيطر تدريجياً على كل مناحي الحياة، ومن هنا نجد ظواهر التنميط وسيادة النماذج البيروقراطية والكمية، وأخيراً العولمة...
4- لم ينتج عن عمليات العلمنة الشاملة زيادة التحكم في الذات الإنسانية أو في الواقع الموضوع، بل على العكس، فمع ظهور الإنسان الطبيعي، وتحديد المنفعة واللذة باعتبارهما الهدف الأساسي للوجود الإنساني، ترجم هذا نفسه إلى الاستهلاكية، وتصور أن مزيداً من السلع فيه مزيد من المنفعة واللذة، وقد تسارعت وتائر هذه الاستهلاكية تسارعاً مذهلاً، وبعد أن كانت الحاجة هي أم الاختراع، أصبح الاختراع هو الذي يولد الحاجة، فوجد الإنسان نفسه محاطاً بسلع وأجهزة ليس متأكداً تماماً أنه يريدها، وبدأ الإنسان يشعر أنه لم يعد يملك من أمره شيئاً، وأنه يدخل في بحث لا ينتهي عن هدف لم يحدده في عالم ليس من صنعه، تتراكم فيه سلع لا يريدها..
5- ثمة إشكالية أخرى طريفة، وهي أن تحقق النموذج العلماني الشامل ونجاحه، أي المعرفة الكاملة بقوانين الضرورة والتحكم في الواقع والوصول إلى نقطة الصفر، سيؤديان في نهاية الأمر إلى التحكم في الإنسان والتنبؤ بسلوكه بل وتغييره.
6- رغم الاتجاهات المادية الضخمة لمنظومة الحداثة العلمانية التي لا يمكن إنكارها، هناك من البشر من لا يزال يؤمن بأن الإنسان كائن يعيش في الطبيعة - المادة!، ولكنه لا يمكن رده في جميع أبعاده إلى النظام الطبيعي (المادي والحتمي والمطرد)، ومن ثم يؤمن هؤلاء أن الجنس البشري له مكان خاص ومكانة خاصة في الكون، وإن إنسانية الإنسان لا تكمن في مقدرته على زيادة معدل إنتاجيته، وكم السلع الذي ينتجه ويستهلكه، وتحسين مستوى معيشته وحسب، وإنما هي مسألة أعمق من ذلك بكثير، فإنسانية الإنسان تكمن في مقدرته على الحفاظ على هويته وخصوصيته واتزانه الداخلي، وعلى تحقيق جوهره الإنساني الذي يتجاوز سطح المادة والأشياء، وفي مقدرته على الاختيار الحر بين ما هو إنساني وغير إنساني أو بين الخير والشر، ولكن مثل هؤلاء حينما يجابهون العالم، يجدون عالماً تسيطر عليه حكومات محلية ومنظمات وشركات دولية، تبذل قصارى جهدها من أجل تحويل العالم بأسره إلى سوق خاضع تماماً للآليات الصارمة لقانون العرض والطلب، وتحاول أن تجعل الإنسان بسيطاً وأحادياً في بساطة القانون الطبيعي الذي يسري عليه، تكفل تحويله إلى منتج ومستهلك تتزايد توقعاته الاستهلاكية تزايداً مستمراً لضمان دوران حلقة الإنتاج والاستهلاك.
7- وقد ثارت الشكوك بخصوص إحدى الركائز الأساسية للرؤية العلمانية الشاملة للكون وهو مفهوم التقدم، و(التقدم) هو الإجابة العلمانية الشاملة عن السؤال الكلي والنهائي الخاص بالهدف من وجود الإنسان في الكون، وقد تم تعريفه في إطار المرجعية المادية، وترسخ الإيمان به، وأصبح هو إحدى الركائز الأساسية لرؤية العلماني الشامل للكون وللطبيعة ولذاته وللآخر، ورغم تغلغل الإيمان بالتقدم إلا أن الشكوك أثيرت بخصوصه منذ بداية القرن العشرين:
أ) تساقطت كثير من الأسس التي يستند إليها مفهوم التقدم، فقد ظهر لنا أن كلاً من العلم وعقل الإنسان محدود، ومن ثم تأكد لنا أن حلم التحكم الإمبريالي الكامل في العالم إنما هو وهم ما بعده وهم، وأنه حلم اختزالي طفولي لنماذج بسيطة، فنحن نحرز التقدم في ناحية لنكتشف بعض الآثار السلبية في ناحية أخرى، نتيجة لعدم إلمامنا بكل مكونات النظام البيئي وبكل مكونات النفس البشرية، فالنظام البيئي مركب والإنسان أكثر تركيباً.
ب) اكتشف الإنسان أيضاً أن المصادر الطبيعية محدودة، وإن الدول (المتقدمة) التي يشكل سكانها (20%) من البشر يستهلكون (80%) من المصادر الطبيعية، وهذا يعني أن ما يوجد من مصادر طبيعية لا يكفي لأن يتقدم بقية البشر ويصلوا إلى المعدلات الاستهلاكية نفسها.
8- لاحظ الإنسان أن التقدم التكنولوجي لم ينجم عنه بالضرورة تحسن في الأداء الإنساني، وقد دعّم مسار التاريخ الغربي، بعد هيمنة فكرة التقدم، من شكوك المجتمع، وتآكلت الأسرة، وبدأ الإنسان يدرك أنه بلور مفهوم التقدم انطلاقاً من إدراكه لعائد التقدم المحسوس والمباشر قصير المدى، وأنه لم يدرك ثمنه غير المحسوس غير المباشر بعيد المدى، وإن المؤشرات المادية التقليدية لم تعد تجدي، لاحظ الإنسان الغربي هذه الظواهر ذات التكلفة العالية الإباحية (التكاليف المادية لإنتاجها، والتكاليف المعنوية لاستهلاكها) - السلع التافهة التي لا تضيف إلى معرفة الإنسان ولا تعمق من إحساسه - تآكل الأسرة - طريقة التعامل مع العجائز - تناقص الوقت الذي يقضيه الإنسان مع أسرته - تراجع التواصل بين الناس بسبب الكومبيوتر - الأمراض النفسية (الاكتئاب وعدم الاتزان والتوتر العصبي) - أدوية الحساسية وضيق النفس، تزايد العنف والجريمة والقوة والصراع - تزايد الإحساس بعدم القدرة على معرفة الواقع - تزايد الإحساس بالاغتراب والوحدة والغربة - تزايد الإنفاق على التسليح وأدوات القتل - تخريب البيئة - ظهور إمكانية تدمير الكرة الأرضية، إما فجأة (من خلال الأسلحة) أو بالتدريج (من خلال الكوارث البيئية) - أثر السياسة وحركة التنقل في نسيج المجتمعات في تراثها.
الرابط : http://annabaa.org/nba58/qraafekitab.htm

 

إضافة تعليق

1 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.