قراءة في كتاب المجتمع الاهلي ودوره في بناء الديمقراطية

إن الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية في الوطن العربي يتطلب تحرير الإنسان وإطلاق طاقاته ليصبح القدوة الأساسية في المواجهة، وبما أن الديمقراطية تعد طريقةً في الحياة وأسلوباً في تسيير المجتمع وإدارة صراعاته بأسلوب سلمي، فإنّ ذلك يتطلب سيادة قيم معينة ومؤسسات تضع تلك الديمقراطية موضع التطبيق.

مؤسسات المجتمع الأهلي المدني تعد هي الإطار الأمثل للقيام بتلك المهام؛ لأنها تجتذب إليها شريحة واسعة من المواطنين، يمارسون أنشطة إنسانية تدعم المجتمع وتقويه.. فكيف تقوم المؤسسات الأهلية ببناء الديمقراطية؟ وما دورها تحديداً؟ ما الديمقراطية؟ وما المجتمع الأهلي؟
كتاب "المجتمع الأهلي.. ودوره في بناء الديمقراطية" للمؤلفين الأستاذ عبد الغفار شكر، والدكتور محمد مورو، الصادر عن دار الفكر بدمشق  ضمن سلسة حوارات لقرن جديد، يجيب عن هذه الأسئلة، وما يتصل بها.

مباحث الكتاب

في القسم الأول بعنوان "المباحث" يتناول الكاتبان المبحثين الآتيين:
* المبحث الأول بعنوان: المجتمع المدني ودوره في بناء الديمقراطية، للأستاذ عبد الغفار شكر، وتضمن مقدمة حول ضرورة الديمقراطية، وتناول فيه العناوين الآتية:
- مفهوم الديمقراطية ومقوماتها الأساسية.
- المجتمع المدني والقيم الديمقراطية.
- دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية.
- مشكلات الواقع وآفاق المستقبل.
تحدث الأستاذ شكر في هذا المبحث عن المجتمع المدني بالقول: "إن المجتمع المدني من حيث المبدأ، نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبين الدولة من جهة أخرى، وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات ومحاسبة الدولة في الأوقات كافة التي يستدعي فيها الأمر محاسبتها.
والمجتمع المدني هو مجتمع مستقل إلى حد كبير عن إشراف الدولة المباشر، فهو يتميز بالاستقلالية والتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية والعمل (التطوعي، والمحاسبة من أجل خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة).
ويشير الأستاذ عبد الغفار إلى أن للمجتمع المدني مقومات ومكونات، أما المقومات فهي: الفعل الإرادي الحر أو التطوعي، الوجود في شكل المنظمات، قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخرين، عدم السعي للوصول إلى السلطة.
وأما المكونات فهي: النقابات المهنية، النقابات العمالية، الحركات الاجتماعية، الجمعيات التعاونية، الجمعيات الأهلية، نوادي الهيئات التدريسية في الجامعات، النوادي الرياضية والاجتماعية، مراكز الشباب والاتحادات الطلابية، الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال، المنظمات غير الحكومية كمركز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والبيئة، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية.
وحول دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية يؤكد الأستاذ شكر على أن الدور المهم في تعزيز التطور الديمقراطي، وتوفير الشروط الضرورية لتعميق الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمتها الأساسية ينبع من طبيعة المجتمع المدني، وما تقوم به منظماته من دور ووظائف في المجتمع لتصبح بذلك بمثابة البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة وأسلوب لتشييد المجتمع".
ويضيف أن للمجتمع المدني دوراً حقيقياً في بناء الديمقراطية عندما تتاح له الفرصة كاملة للقيام بهذه الوظائف أو تعزيز الطابع الديمقراطي للحياة الداخلية لمؤسساته.
كما تحدث الكاتب شكر عن أبرز مشكلات الواقع وآفاق المستقبل لمنظمات المجتمع المدني ويمكن تلخيصها في: تأثير السلطوية على المجتمع المدني، احتكار الإعلام والحد من حرية الصحافة، الحد من الحريات والحقوق الأساسية.
واختتم مبحثه بالتأكيد على أهمية تقوية مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز نشاطها من خلال بروزها في المجتمع كطرف أساسي تتكامل أنشطته عبر التنسيق بين هذه المؤسسات بحيث يزيد تأثيرها في المجتمع، على أن يشمل هذا التنسيق تطوير عملية إنشاء شبكات من المنظمات التي تعمل في مجالات مشتركة، أو تنشط في مجال جغرافي واحد لدعم جهودها في هذه المجالات. كما أكد على ضرورة أن يشمل التنسيق أيضا المنظمات ذات الجذور العميقة في المجتمع، مثل النقابات والتعاونيات واتحادات الطلبة، والحركات الاجتماعية للاستفادة من خبراتها الطويلة في مجالات العمل الشعبي.
* المبحث الثاني بعنوان: المجتمع المدني "إشكاليات المصطلح والممارسة"، للدكتور محمد مورو، وتناول فيه العناوين الآتية:
- تحديد المقصود من مصطلح المجتمع المدني.
- الإسلام والجماعات الأهلية.
- دور الجماعات الأهلية الإسلامية في تقوية المجتمع ومواجهة التحديات.
- مستقبل الجماعات الأهلية الإسلامية في ظل العولمة.
في المبحث الثاني تناول الدكتور محمد مورو إشكالية المصطلح والممارسة، حيث تحدّث عن المقصود من مصطلح المجتمع المدني، وقال: "إن مصطلح المجتمع المدني، أو مؤسسات المجتمع المدني، قصد به عند ظهوره في نهاية القرن الماضي، مجموعة من الجماعات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية أو الأهلية أو غير الرسمية.. والإشكالية تكمن في أن المصطلح ومعظم مصطلحات علم السياسة الحديث مستمدة من سياق علم الاجتماع وظروف مجتمعية مختلفة عن سياقات مجتمعاتنا ومفاهيمها".
ونوّه إلى أن الاضطراب في تعريف المصطلح واختياره يكشف عن معسكرات متعددة إيديولوجية، ومرجعية، ونمائية، تتمحور حول الظاهرة.. ولاستجلاء أبعاد وأعماق الظاهرة، عرض الدكتور مورو مجموعة حقائق ثارت بشأنها، مثل: الفكرة ليست جديدة علينا، وهي مطلوبة دينياً واجتماعياً، وأن عدداً من الجمعيات والجماعات والمؤسسات ظهر في نهاية القرن الماضي وارتبط بظاهرة العولمة، وأن معظمها قد تلقى تمويلاً سخياً، وأنها اهتمت بإثارة قضايا الأقليات، وأحياناً افتعلتها افتعالاً.
ولاحظ الكاتب أن العمل الأهلي الذي ينبع من المجتمع يجب بالضرورة أن يعبر عن حاجات هذا المجتمع، ويساعد في تقويته وتماسكه، ومنع أو تقليل آثار الظلم أو الفقر فيه، أو الدفاع عن حقوق الإنسان أو نشر العلم والتعليم.
وتطرق إلى مسألة المرجعية والغائية، حيث قال: "مرجعية جماعات المجتمع الأهلي إن كانت وطنية، وغاياتها لصالح المجتمع فهي ضرورة وواجب، وإن كانت مرجعيتها غربية أو غير وطنية وغاياتها تفكيكية وجزءاً من أهداف العولمة، فإنها إن قالت حقاً فهو حق يراد به باطل، وإن قالت باطلاً، فهو باطل يراد به باطل.
كما تناول مورو مسألة الوقف الأهلي، نظراً لتأثيرها العميق والكبير في المجتمعات الإسلامية، وبوصفها أسلوباً عبقرياً أبدعته قريحة المسلمين وفقاً لثقافتهم وحضارتهم، وأشار إلى تقسيمات الوقف مثل الوقف الخيري، والأهلي، والمشترك.. وأبدى بعض الملاحظات على تلك الجماعات الأهلية التي ظهرت في إطار الدولة الحديثة بعيداً عن المؤسسات الأهلية التقليدية المعروفة كاطرق الصوفية، والمساجد ومؤسسات الوقف التي اتخذت الشكل التنظيمي الحديث كجماعات قائمة على العمل التطوعي وغير ربحية.
وأوضح د.مورو أن الجماعات الأهلية لعبت دوراً هاماً في حماية المجتمعات من التفكك، خاصة بعد الهزائم الكبرى، أو السقوط في قبضة الاستعمار، أو التعرض للغزو والهيمنة الثقافية والاقتصادية، أو المحافظة على الهوية من الذوبان.
وحول مستقبل الجماعات الأهلية الإسلامية في ظل العولمة، يشير إلى أن هامش المناورة أمام الحكومات محدود للغاية في ظل العولمة، لأن الدور الأهم يقع على عاتق الجماعات الأهلية، لإحداث نوع من تعديل الموازين عن طريق العمل الشعبي غير الخاضع للتوازنات التي تخضع لها الحكومات، ولابتكار آليات جديدة ومبتكرة في مواجهة التحديات، وفي المحافظة على الهوية التي تحاول ثقافة العولمة تحطيمها وتجريفها.
التعقيبات
في القسم الثاني تحت عنوان: "التعقيبات"، احتوى الكتاب تعقيبين بأسلوب شائق، الأول جاء تعقيباً على مبحث الدكتور محمد مورو ـ للأستاذ عبد الغفار شكر، قال فيه: "تتميز معالجة الدكتور محمد مورو لمسألة المجتمع المدني بالحرص على التأصيل سواء في ضبط المصطلح، أو البحث عن جذوره في المجتمع العربي والإسلامي والاجتهاد في بلورة ملامح خاصة به".
أما الثاني فكان تعقيباً على مبحث الأستاذ عبد الغفار شكر، للدكتور محمد مورو، وقال فيه: "إن للأستاذ عبد الغفار شكر قيمة فكرية كبيرة فضلاً عن أنه أحد الذين قارنوا الفكر والممارسة وكانت مواقفهم دائماً تتسم بالمبدئية والالتزام"

إضافة تعليق

8 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.