قراءة في كتاب بثينة شعبان المرأة في السياسة والمجتمع

تحتفي بأمومة المرأة في السياسة والمجتمع

 

نساء بثينة شعبان تاريخ لم يكتب بعد 

ما يقع بين دفتي كتاب “المرأة في السياسة والمجتمع” للدكتورة بثينة شعبان المستشارة في رئاسة الجمهورية السورية مزيج من السير الذاتية والبحث والتجربة والاطلاع على حضارتي الغرب والشرق والتركيز على المشترك بينهما وبين كل ما تقدم وهو حرية الإنسان وكرامته وتكافؤ الفرص، وهو المعيار الأهم لدرجة التحضر والتقدم بين البشر. 

في هذه الباقة من المقالات التي كتبت على مدى عشر سنوات ونيف تستضيف الكاتبة قارئها في رحلة استكشافية إلى أرض لم تطأها قدماه من قبل فتصبح رفيقة وزميلة له تشاركه فيه نبض الاكتشاف وحرارة اللقاء وانبعاث الأمل من مكب الصخور القاسية والإحاطة حيثما توجب ذلك، بمفاهيم متوارثة عشوائيا عن المجتمع، وليس عن العرب أو الغرب، وليس عن الطفولة أو الأمومة أو أصحاب القرار، ولكنه عن هؤلاء جميعا بأسلوب ينساب في رحلته كجدول اعتادت مياهه طريق الجبل إلى البحر، فأصبح جزءا وجسرا بين الجبل والبحر من دون أن يفقد خصوصيته وجماله وروعته. 

ويضم الكتاب 52 عنوانا ونقرأ من تلك  العناوين “النساء كأقليات في الغرب والشرق” و”نساء يربين الأمل” و”المثقف والتاجر” و”أوجه لن تغيب” و”عمل المرأة” و”أيتها الأمهات العربيات” و”الخروج من سوق العمل” و”ولادة فكرة” و”النساء والعنف” و”الجوائز الأدبية” و”التطلع إلى الإمام” و”الشجرة التي غرستها أمي” و”طهران” و”على طريق المساواة” و”نقطة خلاص وزواج”. 

وجاء في مقدمة الكتاب الصادر عن دار الفكر في دمشق: تكاد تكون المرأة اليوم تجسيداً للصراع الحضاري القائم بين الشرق والغرب، والذي تحول سابقا، كما هو الحال اليوم إلى مواجهة دموية يفرضها الغرب بين الإسلام والديانات الأخرى وبين الحضارة الإسلامية بمكوناتها الروحانية التسامحية والتشاركية الاجتماعية من جهة وبين الحضارة الغربية بمكوناتها المادية الأنانية والاستعلائية التي تصل إلى العنصرية من جهة أخرى. حتى أصبح حقاً من حقوق الإنسان من مثل حرية ممارسة الشعائر الدينية ومنها حجاب المرأة المسلمة في المدارس الأوروبية، ذريعة لتعبير بعضهم عن غضب عارم على الإسلام والمسلمين وصار ظهور المرأة في العواصم الأوروبية بزيها الإسلامي المحتشم مبررا لتعبير بعضهم عن قلقهم من أسلمة أوروبا في المستقبل. 

ويتركز النقد الموجه من الغربيين لوضع المرأة المسلمة في المشرق، كما جاء في المقدمة على جوانب من معاناتها الناجمة غالبا عن التقاليد المتوارثة التي تلصق بالإسلام، إضافة إلى مواضيع أخرى. 

وتشير الكاتبة في المقدمة الى أن حضور المرأة في المجال السياسي مهم جداً، لأنه يعكس بالضرورة اهتمامات وآراء ومنظورا مختلفا عن ذاك الذي يمثله الرجل في غالب الأحيان، فكما أن الأسرة تبنى على التكامل بين دوري المرأة والرجل ومنظوريهما فإن السياسة قد تصل أوجها وألقها إذا ما تم هذا التناغم والتكامل بين المنظورين.

وترى أن التكامل يحرر المرأة والرجل من تصنيف الأعمال إلى أعمال دونية أو فوقية، أعمال مهمة أو عديمة الأهمية ويحرر كلا الجنسين من الانصراف الكلي لعمل ما والانغلاق الكامل على أعمال أخرى ويغني المجتمع بأفضل ثمرات فكر المرأة والرجل وعملهما، كما يعزز نقاط قوتهما في الأسرة والمجتمع والسياسة والاقتصاد والثقافة. 

وتقول الكاتبة في هذه الباقة من المقالات: أرصد نبضات ومساهمات لنساء قدمن بصمت وتركن بصمة خالدة في حياة الأوطان والشعوب من دون أن يسعين إلى تكريم أو أوسمة أو مواقع أو أسماء لهن تنقش في سجل الخالدين. 

وتقول الدكتورة بثينة شعبان: نساء من بلادي هو العنوان الذي كان يجب أن أختاره لموضوعات تشهد أن المرأة هي التاريخ الذي لم يكتب بعد، وأن هذه الإضاءات التي أقدمها هنا بين دفتي هذا الكتاب ما هي إلا مقدمة للتاريخ الذي سوف يكتب بأحرف من نور ليغير حينذاك حضور المرأة ومكانتها في سجل الخالدين وسيتعرف العالم على أمهاتنا وأخواتنا تلك العوالم الغنية بكنوز تحتاج فقط إلى من يعرف قيمتها. 

وتضيف: لكي لا تمضي الصور التي عايشتها بصمت، قررت أن أضع بين يدي القارئ هذه الباقة المتنوعة عن المرأة في الحياة والمدرسة والمنزل والمكتب والمؤتمر والمجتمع علها تشكل نافذة على تلك العوالم الغنية للنساء العربيات اللواتي كان لي شرف الاطلاع عليها عن قرب. 

الأمومة موضوع يتكرر بأشكال مختلفة في هذا الكتاب، ولكن ليس بالمعنى الفيزيائي أو الجسدي فقط، وإنما بمعنى أمومة العائلة والمجتمع والبلد. 

الأمومة في الكتاب قيمة إنسانية جوهرها الحب والعطاء للعائلة والوطن والحضارة الإنسانية وأداتها خلق الجسور بين الثقافات والبلدان القريبة والبعيدة. وبهذا تكتسب الأمومة هنا معنى جديدا فتصبح أمومة حنونة على البلد وأمومة مقاومة للاحتلال والاضطهاد وأمومة تواقة إلى الاستقلال والحرية.

والأمومة في الكتاب تغطي تميز النساء في الفنون والعمارة والزراعة والسياسة ومواقع اتخاذ القرار في مناطق جغرافية تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط والصين. 

والاستنتاج هو أنه رغم التباعد الجغرافي بين البلدان فإن العناصر الإنسانية تجمع بني البشر جميعا وتجعل من السهل عليهم الالتقاء والتفاهم والتعاون. 

قراء هذا الكتاب يجب أن يكونوا من الأطفال والرجال والنساء في الغرب والشرق لأنه كتاب منهم وعنهم ولهم لأنه يحاول أن يكتشف نقاط التوازن الجوهرية والتي تجعل البشر أكثر سعادة. 

جريدة الخليج 30/1/2009

إضافة تعليق

14 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.