قراءة في كتاب ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ج1

"ثقافة العولمة وعولمة الثقافة" كتاب يقع في 240 صفحة ويدور خلاله حوار عن "العولمة" بين مفكرين يعتبران من طليعة المفكرين العرب هما برهان غليون وسمير أمين، قدم كل منهما مادته البحثية بعدد صفحات متقاربة ومن ثم تعقيب كل منهما على الآخر. إلا أنه يلاحظ على المادة المعقب عليها من كلا الكاتبين اختلاف واضح في عدد الصفحات، ففي حين كان تعقيب غليون على أمين في أكثر من (90) صفحة، نجد أن تعقيب أمين على غليون لم يتجاوز العشر صفحات. وقد يعود هذا الفرق الشاسع في عدد صفحات التعقيبات إلى أن غليون رأى بأنه مختلف مع ما طرحه أمين فاستفاض بالرد عليه بعدد صفحات أكثر، في حين أن أمين رأى عكس ما رآه غليون. فهل حقا أن هناك اختلاف بينهما كما يرى غليون أم أنه لا يوجد كما يرى أمين؟ وإن كانا مختلفين ما هي أوجه الاختلاف بينهما؟ وإن كانا متفقين فما أوجه الاتفاق؟. وسنبدأ بالنقطة التي اعتبرها غليون بأنها خلافية بينه وبين محاوره وهي تحديد مفهوم العولمة كما عرفها كل منهما وهي موضوع التحاور الأساسي بينهما.
برهان غليون في تعريفه للعولمة وتباين رؤية النقاد في فهمه:
ربما تكون من أكثر النقاط التي نأخذها على غليون هو تعريفه للعولمة، حيث عرّف العولمة بأكثر من تعريف واحد، فأشكل على النقاد وحتى على محاوره سمير أمين حول التعريف الذي عناه تحديدا، الأمر الذي أدى بكلٍ منهم أن ينتقي التعريف الذي فهمه أو وجد بأن غليون يقصده، ونجد أنهم اختلفوا في فهمهم للتعريف الذي قصده غليون، ونستطيع أن نلمس ذلك بسهولة إذا ما تتبعنا عددا من التعريفات، على سبيل المثال لا الحصر، التي فهمها كل منهم على لسان غليون. ونبدأها بما فهمه محاوره أمين عندما قال: "يعرّف برهان العولمة بأنها ظاهرة تتجسد في توحيد المنظومة المالية على صعيد عالمي، ونشوء منظومتين جديدتين أولاهما إعلامية واتصالية والثانية معلوماتية حتى تخضع جميع المجتمعات لحركة واحدة"[1].
فيما كان فهم محمد سطام الفهد لتعريف برهان غليون عن العولمة مختلفا ونستطيع أن نلمس ذلك مما قاله سطام: "يبدأ الدكتور ((برهان غليون)) هذا الحوار بتعريف للعولمة، حيث يرى أن الاتجاه نحو دمج العالم في منظومة واحدة قديم قدم الحركات والتوسعات الإمبراطورية، وفي مرحلة أقرب نسميها المرحلة الاستعمارية والإمبريالية وقد حصل هذا الدمج بفضل السيطرة العسكرية والسياسية، وكان من نتائجه اكتشاف أمريكا وتحولها إلى المركز الأم للإنتاج الصناعي والتقني، وتعميق أنماط العلاقات الرأسمالية، لكن العولمة تعني شيئاً آخر، إنها تتجسد في نشوء شبكات اتصال عالمية، تربط جميع الاقتصادات والبلدان وتخضعها لحركة واحدة، حركة مزدوجة تنجم عن تفاعل بين عوامل بعضها موضوعي وبعضها ذاتي"[2]. وفهم هشام شمسان مما قصده غليون في تعريفه للعولمة: "وتعني العولمة- في رأي الباحث- "خضوع البشرَّية لتأريخية واحدة"[3]
وجاء نقد د. إبراهيم علوش للتعريف الذي فهم بأن غليون قصده بقوله: "يبدأ د. برهان غليون، بتعريف العولمة، فلا يخرج في ذلك عن التعريف المألوف الذي يعتبر العولمة اندماجا للفضاءات الاقتصادية والثقافية والإعلامية في شبكة لها ناظم مركزي واحد، قائلا: "إنّ المضمون الرئيسي للعولمة كما نعرفها اليوم هو أنّ المجتمعات البشرية التي كانت تعيش كل واحدة في تاريخيتها الخاصة، وحسب تراثها الخاص ووتيرة تطورها ونموها المستقلة نسبيّا، على الرغم من ارتباطها بالتاريخ العالمي، قد أصبحت تعيش في تاريخية واحدة وليس في تاريخ واحد. فهي تشارك في نمط إنتاج واحد يتحقق على مستوى الكرة الأرضية، وهي تتلقّى التأثيرات المادية والمعنوية ذاتها …"[4].
ونقد علوش هذا التعريف لأنه رأي أن غليون من خلال هذا التعريف لا يضيف جديدا على تعريف العولمة "المعروف"، الذي يعتبر العولمة عملية ازدياد وتائر التفاعل بين الأمم وتحوّلها من نشاط جانبي إلى نشاط يدفع تطوّر النظام الإنتاجي للعالم بأكمله.
وليست هذه التعريفات التي فهمها نقاد غليون من تعريفه للعولمة هي الوحيدة، فلقد ورد تعريف غليون للعولمة في أكثر من مرة في أكثر من موضع[5]، قد لا يتسع المجال هنا لذكرها جميعا، وهذه التعريفات المتباينة للعولمة قد تؤدي إلى أن يتيه القاريء كما تاه محاور غليون ونقاده من التعريف المقصود الذي عناه تحديدا حول العولمة.
سمير أمين في تعريفه للعولمة:
لم يورد أمين تعريفا صريحا للعولمة، وإنما ترك للقاريء- كما تركه لمحاوره- أن يستشفه من المضمون.
كيف فهم غليون، إذن، التعريف الذي قصده محاوره والذي على أساسه اعتبر بأنه نقطة خلافية بينهما؟ نعرف إجابة هذا السؤال مما قاله غليون: "هناك خلاف بيننا حول تحديد مفهوم العولمة...، فأنا لا أنظر إلى العولمة كما ينظر إليها على أنها مجرد استراتيجية أمريكية للهيمنة العالمية"[6].
ونستدل على ما فهمه النقاد من تعريف أمين للعولمة مما أورده هاني المقداد: "أما سمير أمين - صاحب أطروحة التراكم الرأسمالي في النظام العالمي- فهو يختلف مع غليون وحنفي، ويرى ألا جديد في العولمة؛ فهي تشكل موجة ثالثة من التوسع الاستعماري لاتختلف في أهدافها عن أهداف الموجات السابقة"[7]. أو مما أورده شمس الدين الكيلاني: "أمين لا يرى في العولمة سوى أنها الطور الثالث من أطوار التوسع الرأسمالي، أو الاستعمار"[8].
أو ما أوردته رؤى شربجي: "أما سمير أمين فهو يسمي العولمة بأنها مشروع استعماري أمريكي أداة فرض الهيمنة فيه هي الأداة العسكرية، ويلخص الاستراتيجية الأمريكية في مقولة مفادها أداة العالم كما لو كان سوقاً الأمر الذي يتطلب بدوره تفكيك القوى السياسية إلى أقصى حد ممكن ووضع الدولة الوطنية تحت رحمة قوانين وآليات السوق"[9].
ربما أن أمين لم يعرّف صراحة العولمة كما فعل غليون إلا أنه عرّف "ثقافة العولمة" وهو الشق الأول من اسم الكتاب الذي تحاورا من خلاله، وهذا ما لم يفعله غليون، وهذا التعريف يظهر مما قاله أمين: "إن عالمية الرأسمالية قد رتبت بدورها ثقافة سائدة عالميا، ذات طابع رأسمالي، و(ليس غريبا) سأطلق عليها اسم (ثقافة العولمة)"[10].
برهان غليون وسمير أمين واختلاف الرؤية حول مواقفهما:
الاختلاف في الرؤية بين غليون وأمين حول اتفاقهما أو اختلافهما لم تقتصر عليهما فحسب، وإنما تعداه في اختلاف وجهة نظر النقاد أيضا حول هذه الرؤية، فقد وجد من النقاد من رأى بأن غليون وبرهان يختلفان وهذا الاختلاف لا يقف على الفكر فحسب وإنما تعداه إلى اختلاف في الأسلوب والألفاظ والمصطلحات، ومن هؤلاء هاني المقداد ومما قاله عن هذا الاختلاف: "في كتاب (ثفافة العولمة وعولمة الثقافة)، على سبيل المثال، صحيح أنك تقرأ موضوعاً إشكالياً واحداً بفكرين متباينين... لكن التباين موجود في أسلوب التعبير واستخدام الألفاظ والمصطلحات أيضاً، في البحث الأول تكون مضطراً لإعادة إحدى الصفحات عشرات المرات، حتى تفكك جزالة الألفاظ وسبكها ومصطلحاتها، الذي لا يمكن لأي قارئ عادي أن يفعله.. في حين أن البحث الثاني (الطرف الآخر) يكتب بأسلوب عادي، قد يفهمه الجميع"[11]. فيما وجد آخر أنهما يقفان على نفس الضفة من النهر، ومن هؤلاء رؤى الشربجي ومما قالته عن هذا التوافق الذي وجدته: " يحاول برهان غليون، سمير أمين عبر حوارية ثقافية مميزة، إيجاد أسلوب ناجع للتعامل مع العولمة ورغم ما يشوب آراءهما من اختلاف نرى أنهما يقفان على نفس الضفة من النهر" [12].
فيما وجد من النقاد من رأى في موقفهما التطابق، ويتضح ذلك مما قاله د. رضوان زيادة: "يبدو حوار سمير أمين مع برهان غليون في هذا الكتاب عن العولمة والثقافة قريباً من ذلك أو متطابقاً معه"[13].
أما ناشر الكتاب محمد عدنان سالم أكد أنه يقدم كتابا من وجهتي نظر متباينتين؛ فمن وجهة نظره فالتباين للاقتراب، والتقارب للتعدد، وبذلك ترك للقارئ أولاً وأخيراً، ومن دون أن يرجح رأياً على آخر، أن يجني ما ينفعه.
نقاط الاتفاق بين سمير أمين وبرهان غليون من وجهة نظر أمين:
يرى سمير أمين أن هناك تلاق بينه وبين برهان غليون فيما يلي:
· اعتبار أن العولمة واقعا موضوعيا، شأنها في ذلك شأن جميع الظواهر الاجتماعية، وذلك مهما كان تعريفها وتحديد مضمونها وأن الوقائع الموضوعية لا تفرض نفسها على المجتمعات فرضا حتميا. (ص. 204)
· اعتبار أن التفاعل مع الواقع الموضوعي يجب أن يكون إيجابيا فلا يصح أن يتجاهل الواقع. (ص. 206)
· استنتاج متشابه في ميدان إشكالية الثقافة وعولمة الثقافة، ألا وهو التقوقع الثقافي، ورفض التفاعل مع الثقافات الأخرى يمثل استراتيجية محكومة بالفشل. (ص. 207)
· الوقوف على أرضية مشتركة ألا وهي الالتزام بالوقوف في صف ضحايا التطور التاريخي، وهي الطبقات الشعبية بشكل عام وأمم الأطراف بشكل خاص. (ص. 208)
· الميل إلى تجاوز حدود الدولة الوطنية سواء في مجال إدارة الحياة الاقتصادية أو في المجالات الأخرى للحياة الاجتماعية ومنها الثقافية. (ص. 209)
· تشجيع الأخذ بعدد من القيم المشتركة تتلخص بدورها في انتشار المطالب الديمقراطية. (ص. 209)
· تطوير الثقافات بحيث تستوعب مطالب دمقرطة المجتمعات. (ص. 209)
· نقد ثقافة العولمة المطروحة من قبل القوى المهيمنة في الرأسمالية الحالية. (ص. 212)
· نقد استراتيجيات الرفض السلبية. (ص. 213)
· الدعوة إلى المساهمة مع جميع القوى التقدمية على صعيد عالمي من أجل تطوير جميع الثقافات في الاتجاه المطلوب لإقامة حضارة إنسانية عالمية صحيحة قائمة على مبدأ الديمقراطية واحترام التباين (عولمة الثقافة). (ص. 213)
نقاط الخلاف بين سمير أمين وبرهان غليون من وجهة نظر أمين:
يرى أمين أن هناك اختلاف بين طرحه وطرح محاوره متمثل فيما يلي:
· اختلاف في مفهومهما لما هو جديد في المجتمع المعاصر، وفيما لم يتجدد من سماته الرئيسية، وهو اختلاف قد يحكم بدوره تباينا في خيار الاستراتيجيات النافعة في مواجهة التحديات الجديدة (أي خلاف على طرق التعامل أو الرد على العولمة). (ص. 207)
· خلاف لما يراه غليون من أن العولمة ظاهرة جديدة، وليست مجرد امتدادا لأشكال العالمية التي أقامتها الإمبريالية سابقا (كما يرى أمين). (ص. 208)
· خلاف على ثوابت الرأسمالية، فبرهان لا يأخذها بعين الاعتبار، في حين يشكك أمين من أن العولمة يمكن أن تلغي هذه الثوابت أو بعضها بحيث تقلب اتجاه تطور الحضارة العالمية رأسا على عقب. (ص. 209)
· خلاف بينهما حيث يعتبر غليون الثورة المعلوماتية والإعلامية الجديد بالدرجة الأولى في الرأسمالية المعاصرة، واعتبار أمين أن التجديد فيها يتجلى في تركيز مصادر الهيمنة الاقتصادية والقرار السياسي في حفنة من الاحتكارات المالي والحكومات التي تعتبر نفسها في خدمة الأولى، وذلك في درجة غير مسبوقة. (ص. 210)
· اعتبار أمين أن إعادة بناء منظومات انتاجية معولمة لن تتحقق إلا بالاعتماد على مزيد من تقوية دور الدولة في المراكز المهيمنة ولا من خلال إضعافها. (ص. 210-211)
· العولمة المالية من وجهة نظر أمين تمثل وجها من أوجه الأومولة بمعنى تغلب الجانب المالي على الجوانب الانتاجية في صنع القرار الاقتصادي. لذلك لها طابع (انتقالي) فقط ولا تمثل شكلا ثابتا نهائيا كما يراه غليون. (ص. 212)
· خلاف على الاستراتيجيات المطروحة لمواجهة التحديات الجديدة إذ يعتبر أمين أن محاولات تكييف القوى الشعبية للوضع الجديد و(منه العولمة) (التي يرتأيها غليون)، لن تأتي بثمار، ولا يرى بأن حضارة إنسانية عالمية ممكن أن تقام في ظل الرأسمالية (ص. 212). ويرى أنه لا بد من تطوير استراتيجيات لمواجهة التحدي، تتطلع إلى آفاق تجرؤ على تجاوز منطق التراكم الرأسمالي السائد أي تنخرط في تطلع الانتقال من الرأسمالية العالمية إلى الاشتراكية العالمية.

إضافة تعليق